الدرس في كتاب المواريث والوصايا والعتق 4، ألقاها
العتق هو تحرير الرقبة وتخليصها من الرق، وهو مشروع في الإسلام. العتق يعني إزالة الملك عن الرقبة المملوكة وتثبيت الحرية لها.
عتق الرقاب يعتبر من أفضل القربات وأجل الطاعات، وقد رتبت عليه الشريعة أجورا كثيرة وكفارات. الأحاديث النبوية تشير إلى عظم أجر هذا العمل.
يشترط لصحة العتق أن يكون المعتق بالغا عاقلا رشيدا مختارا، وأن يكون مالكا للمعتق. يذكر أيضا ألفاظ العتق الصريحة والكنايات التي يمكن أن تستخدم في العتق مع النية.
المقطع الأخير يتضمن الدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، وهو من الأعمال الصالحة والمستحبة في الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف: «الباب الثالث في العتق والكتابة والتدبير، وفيه مسائل». المسألة الأولى: في تعريف العتق ومشروعيته وفضله وحكمة مشروعيته. قال: «أولا: تعريف العتق. العتق لغة: بكسر العين وسكون التاء، الحرية والخلوص، مشتق من قولهم: عتق الفرس إذا سبق، وعتق الطائر إذا طار واستقل. هذا معنى العتق في اللغة: الحرية والخلوص. عتق الفرس إذا سبق، أي: سبق غيره وخلص إلى المكان المطلوب. وعتق الطائر إذا طار واستقل، يعني: وتحرر من مكانه الذي كان فيه قبل ذلك، قبل أن يتهيأ للطيران، فإذا نبت ريشه وأصبح يطير عتق، فصار حرا يذهب حيث شاء. ومن هذا المعنى أخذ معنى العتق في الشرع؛ لأنه تحرير المملوك من رقه الذي كان عليه، فصار حرا». قال: «وشرعا: هو تحرير الرقبة وتخليصها من الرق؛ لأن المملوك مقيد، لا يستطيع أن يصرف كيف شاء، وإنما هو تحت تصرف سيده، يأمره وينهاه، فإذا عتق صار حرا، طليقا، تحرر وتخلص من الرق الذي أصابه. وإزالة الملك عنها؛ لأن الرقبة المملوكة مملوكة لسيدها، فهو مملوك كالمال الذي يملكه الإنسان ويتصرف فيه، فكذلك المملوك والعبد الرقيق، فهو كالمال الذي يملك. ولهذا لا يملك العبد شيئا، كل ما يتحصل عليه من مال فهو لسيده. وتثبيت الحرية لها؛ يعني أن يصير حرا كغيره من الأحرار الذين لهم الحرية الكاملة في التصرفات، في البيع والشراء والنكاح وسائر المعاملات. فهذا معنى العتق: تحرير رقبة وتخليصها من الرق، وإزالة الملك عنها، وتثبيت الحرية لها». وأصل الرق هو بسبب الكفر؛ أن يكون الشخص كافرا، فإذا وقع في أيدي المسلمين، فإما أن يقتلوا، وإما أن يفدون بشيء من المال أو بمقابل أسرى من المسلمين، وإما أن يمن عليهم أي ولي الأمر بإطلاقهم، وإما أن يسترقوا فيصبحوا عبيدا مملوكين. ثم رغبت الشريعة في تحرير الرقبة كما سيأتي، ورتبت على ذلك الأجور الكثيرة، بل علقت كثيرا من الأعمال والعبادات والكفارات بعتق الرقبة، ترغيبا في عتقها وتحريرها. قال: «أدلة مشروعيته: الأصل في مشروعية العتق الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، فالله عز وجل أمر بتحرير الرقاب. والمراد بالرقبة: العبد المملوك. وأطلقت الرقبة من باب إطلاق البعض وإرادة الكل». قال: «وأما السنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أعتق رقبة، أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار، حتى فرجه بفرجه». والحديث في الصحيحين. وسئل النبي عليه الصلاة والسلام عن أفضل الأعمال، قال: «الإيمان بالله ورسوله». قال: «قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله». قلت: «ثم أي؟ قال: حج مبرور». وكذلك أيضا سئل النبي عليه الصلاة والسلام: «أي الرقاب أفضل؟» فقال: «أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا». قلت: «فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعا أو تصنع لأخرق». الحديث الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ما هو أفضل الرقاب لتعتق، فقال: «أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا». كل ما كانت الرقبة لها قيمة ولها منزلة ولها ثمن، فعتقها أفضل وأعظم أجرا عند الله سبحانه وتعالى. قال: «ثالثا: فضله. العتق من أفضل القربات وأجل الطاعات؛ لما جاء في فضل العتق من قوله تعالى: ﴿فَكُ رَقَبَةٍ﴾، يعني: تخليص الشخص من الرق. وقد ورد ذلك في معرض بيان الطريق التي فيها النجاة والخير لمن سلكها، ألا وهي عتق الرقاب. يعني في قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُ رَقَبَةٍ﴾. فك الرقاب يعني تحريرها والمن عليها بالعتق والحرية. وهذا يدل على عظم أجر عتق الرقاب؛ أنها تخلص الإنسان من العقبة العظيمة التي بينه أو التي أمامه وتعيقه في الوصول إلى مرضات الله سبحانه وتعالى». قال: «وتقدم معنا حديث أبي هريرة رضي الله عنه قبل قليل في فضل العتق. وعن أبي أمامة رضي الله عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما مسلم أعتق امرأ مسلما، كان فكاكه من النار». الحديث أخرجه الترمذي. والنصوص في فضل العتق كثيرة جدا. وعتق الرجل أفضل من عتق المرأة، والرقبة الأغلى ثمنا والأنفس عند أهلها أفضل من غيرها؛ لورود الأحاديث في فضل عتق الرقاب أنها وردت فيما يتعلق بالرجال، وكذلك أيضا لعظم النفع الذي يحصل في عتق الرجال ما لا يحصل في عتق النساء». قال: «الحكمة من مشروعيته: شرع العتق في الإسلام لغايات نبيلة وحكم بليغة. فمن ذلك: أنه تخليص الآدمي المعصوم من ضرر الرق وملك نفسه وتمكينه من التصرف في نفسه ومنافعه حسب إرادته واختياره؛ لأنه هو مملوك قاصر التصرف، لا يصرف بما شاء كالحر، فإذا عتق حرر من هذا الرق وصار يملك نفسه وتصرف بما شاء، يعني من الأمور المباحة. وكذلك أيضا له التصرف في أمواله وصار يملك كما يملك غيره من الأحرار ما يمتلكون من أموال وتصرف فيها كيف شاء على مراد الشرع». قال: «مسألة ثانية: أركان العتق وشروطه وصيغته وألفاظه. قال: أولا: أركان العتق. أركانه ثلاثة: المعتق، وهو الشخص الذي وقع منه العتق لغيره، يعني السيد الذي يملك الرقبة. والمعتق، وهو الشخص الذي عتق أو وقع عليه العتق، وهو المملوك العبد المملوك. والصيغة، وهي الألفاظ التي يقع بها العتق، وسيأتي ذكرها». قال: «وشروطه: يشترط لصحة العتق ووقوعه ما يلي: أولا: أن يكون المعتق ممن يجوز تصرفه، وهو البالغ العاقل الرشيد المختار. فلا يصح العتق من الصبي، ولا المجنون، ولا المعتوه، ولا المكره. لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ». والحديث رواه أبو داود وغيره من حديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم. ولا يصح عتق المكره كما لا تصح سائر تصرفاته». قال: «أن يكون مالكا لمن يعتقه، فلا يصح العتق من غير المالك. أن لا يتعلق بالمعتق حق لازم يمنع عتقه، كدين أو جناية. فلا يصح عتقه حتى يؤدي الدين أو تدفع دية جنايته. لابد أن يكون العتق بلفظ صريح، أو ما يقوم مقامه من الكنايات، ولا يكفي في ذلك مجرد النية؛ لأنه إزالة ملك، فلا يحصل بالنية المجردة». قال: «صيغته: ألفاظه إما صريحة، وهي ما كان بلفظ العتق والتحرير وما تصرف منهما، مثل: أنت حر، أو محرر، أو عتيق، أو معتق، أو أعتقتك، أو حررتك. وإما كنائية، كقوله: اذهب حيث شئت، إذا قال: اذهب حيث شئت ونوى بذلك العتق صار حرا. أو لا سبيل لي عليك، أو لا سلطان لي عليك، أو أغرب، أو ابعد عني، أو خليتك، ونحو ذلك. يعني من ألفاظ الكنايات التي ليست صريحة في العتق. وهذه الكنايات لا يحصل العتق بها إلا إذا نوى قائلها العتق». صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.