الدرس في القواعد والأصول الجامعة 71، ألقاها
يشترط في عقود المعاوضات أن يكون الاستثناء معلومًا لتجنب النزاعات والغرر، مثل استثناء المنافع المعلومة المدة أو المكان. يجب أن يكون الشيء المستثنى معلومًا بدقة.
في عقود التبرعات، يجوز استثناء المنافع سواء كانت معلومة أو مجهولة المدة، مثل الهبة أو الصدقة أو الوقف. يختلف حكم الاستثناء باختلاف نوع العقد.
يتناول المقطع أمثلة على الاستثناء في عقود المعاوضات والتبرعات، مثل بيع دار مع استثناء سكناها مدة معلومة، ووقف عقار مع استثناء الانتفاع به مدة حياته. يوضح الفروق بين الحالات المختلفة للاستثناء.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعادة رحمه الله في كتاب القواعد والأصول الجامعة: القاعدة الثانية والأربعون، استثناء المنافع المعلومة في العين المنتقلة بمعاوضة جائز، وفي التبرعات يجوز استثناء المدة المعلومة والمجهولة. هذه القاعدة أشبه بالضابط، ضابط في الاستثناءات في المعاوضات والتبرعات، يعني ما الذي يصح به الاستثناء في المعاوضات، وفي التبرعات؟ وذلك أن العقود على قسمين: إما أن تكون عقود معاوضات كالبيع والشراء والإيجارة، وعقود تبرعات كالهبة والعطية والهدية والصدقة والوقف، هذه كلها عقود تبرعات. فالاستثناء في عقود المعاوضات لا بد أن يكون معلومًا، الاستثناء في عقود المعاوضات لا بد أن يكون معلومًا، معلومًا. وأما في عقود التبرعات فيجوز أن يكون مجهولًا، ولا يشترط أن يكون معلومًا. قال: والفرق بين البابين أن المعاوضات يشترط فيها تحرير المبيع والعلم به وبمنافعه وصفاته من كل وجه، في باب المعاوضات يشترط تحرير المبيع، يعني التدقيق فيه والنظر في أموره والعلم بصفاته وبمنافعه. لماذا؟ لأنه يقع في عقود المعاوضات المشاحة بين المتعاقدين، وقد تقع بينهما الخصومات والنزاعات، فلأجل ذلك اشترط في عقود المعاوضات أن تكون معلومة، أن تكون معلومة حتى لا يقع نزاع بين البائع وبين المشتري. مثلًا، لو قال شخص لآخر: هذه عشرة أغنام أبيعها لك إلا واحدة، أبيعها لك إلا واحدة، ولم يعين هذه الواحدة، هل يجوز هذا؟ هذا لا يجوز. لماذا؟ لأنه سيقع بينه وبين المشتري نزاع، فهذا البائع قد يستثني أو يريد من استثناء أحد هذه العشر أحسن هذه العشر، التي ربما من أجلها اشترى هذا المشتري هذه العشر، فيقع بينه وبين المشتري خلاف ونزاع. فلهذا اشترط في عقود المعاوضات أن يكون الاستثناء معلومًا، فيقول: أبيع لك هذه العشر إلا هذه، ويشير إليها ويعينها، فهذا جائز. بخلاف عقود التبرعات، قال: وباب التبرعات أوسع منه، لا يشترط فيه التحرير، لأنه ينتقل إلى المتبرع إليه مجانًا، فلا يضر جهالة بعض المنافع. لو قال: أهدي لك هذه العشر إلا واحدة من غير تعيين، في باب التبرعات لا بأس، هذا جائز؛ لأن هذا المهدى له ما خسر شيئًا، وهديت إليه مجانًا. فهذا المتبرع يستثني منها ما شاء، فليس في ذلك حرج، ولا يقع بينه وبين المتبرع له شيء من النزاع والخصام. قال: مثال الأول، يعني في عقود المعاوضات، قال: من باع دارًا أو دكانًا واستثنى سكناها مدة معلومة، أو باع بهيمة واستثنى ركوبها إلى محل معين، أو باع سلاحًا أو آنية واستثنى الانتفاع بها مدة معلومة، أو باع كتابًا وشرط أن ينتفع به مدة معلومة، فكل ذلك جائز. فإن كانت مجهولة لم يجوز؛ لما فيه من الغرر. من باع دارًا أو دكانًا واستثنى سكناها مدة معلومة، قال زيد لعمر: أريد أن أشتري بهذا البيت، فقال عمر: أبيعه لك، لكن أشترط أن أسكنه لمدة سنة وأسلمه لك بعد سنة، هذا يجوز. الجواب: نعم يجوز؛ لأنها مدة معلومة. لكن إذا قال: سأبيعه لك، لكن سأسكنه مدة، ولم يعين هذه المدة، هذا لا يجوز؛ لأن المدة هنا مجهولة. قال: أو باع بهيمة واستثنى ركوبها إلى محل معين، يعني ركوبها، يعني ركوبها إلى أن يبلغ محلًا معينًا. باع السيارة، قال للبائع: أبيعها لك، لكن أشترط أن تحملني هذه السيارة إلى حضرموت، هو في بلدة أخرى، هذا جائز. ودليله حديث جابر؛ لما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يشتري منه الجمل، اشترط جابر أن يحمله إلى أهله، وأذن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك، فدل هذا على جواز استثناء المدة المعلومة في المبيع. لكن إذا كانت مجهولة: أبيعه لك، لكن أشترط أن أركبه، طيب أركبه إلى متى؟ ما في تعيين، هذا لا يجوز؛ لأنه فيه غرر وجهالة. قال: أو باع سلاحًا أو آنية واستثنى الانتفاع بها مدة معلومة، يعني جائز: أبيع لك هذا السلاح، لكن أسلمه لك بعد أسبوع، وإذا انتفعت به في خلال هذا الأسبوع، هذا جائز؛ لأن المدة معلومة. وهكذا مثلًا آنية، شيء من الآنية كقدور أو نحو ذلك، أو ثلاجة أو فرن أو شيء من ذلك، باعه واستثنى أن يستعمله مدة معلومة كشهر أو شهرين ثم يسلمه له، فهذا جائز؛ لأن المدة معلومة. قال: أو باع كتابًا وشرط أن ينتفع به مدة معلومة، قال: أبيع لك هذا الكتاب، لكن أريد أن أقرأه أولًا ثم أسلمه لك، مثلًا مدة أسبوع أو مدة ثلاثة أيام أو نحو ذلك، فهذا جائز. إذن الاستثناء في عقود المعاوضات لا بد أن يكون معلومًا، لا بد أن يكون معلومًا. أبيع لك هذه الأغنام إلا هذه الغنمة، هذا جائز. أما أن يقول: أبيع لك هذه الأغنام إلا واحدة، هذا لا يجوز. أو يقول: أبيع لك هذه الأراضي إلا واحدة، ولا يعينها، هذا لا يجوز. قالوا: مثال الثاني، يعني في عقود التبرعات، لو وقف عقارًا أو استثنى الانتفاع به مدة معلومة أو مدة حياته، هذه مجهولة. المدة المعلومة كشهر أو شهرين أو سنة، هذه مدة معلومة، والمجهولة مدة حياته، هذه مجهولة؛ ما يُدرى كم حياته وكم يعيش. أو أعتق رقيقًا واستثنى خدمته له أو لغيره مدة معلومة أو مدة حياته، فهو جائز، مع أن مدة الحياة مجهولة. لو قال: أوقفت هذه العمارة على الفقراء والمساكين على أن لي الانتفاع بها مدة حياتي، هل يجوز هذا؟ الجواب: نعم؛ لأن الوقف من عقود التبرعات، فيجوز به استثناء المدة المجهولة، وإن عينها فهذا من باب أولى أنه يجوز. وهكذا إذا أعتق رقيقًا واستثنى خدمته له أو لغيره، يقول: أعتقك على أن تخدم فلانًا مدة حياته، هذا الآن المدة مجهولة، لكن يجوز؛ لأن هذا تبرع، وهذا تبرع. ويدل عليه ما جاء عند أبي داود بن ماجه من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها أعتقت سفينة مولاها على أن يخدم النبي عليه الصلاة والسلام ما عاش، أي النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام حتى توفي عليه الصلاة والسلام، فدل هذا على جواز استثناء المدة المجهولة في عقود التبرعات. وكذا قل في الهبة، أو في كذلك أيضًا الصدقة، أو نحو ذلك من عقود التبرعات، فيجوز فيها الاستثناء، يجوز فيها الاستثناء المدة المجهولة. طيب إذا نفرق بين استثناء المنافع المعلومة في العين إذا كان انتقالها بمعاوضة أو كان بتبرع، فإن كان بمعاوضة فلابد أن يكون الاستثناء معلومًا، وإن كان تبرعًا فيجوز أن يكون معلومًا وأن يكون مجهولًا. صلى الله عليه وسلم، وعبده محمد وآله وصحبه أجمعين.