الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  35

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 35

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 35، ألقاها

العفو في القصاص وتفسيره من خلال أحاديث النبي

يشرح المقطع الأول حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان يأمر بالعقل في القصاص، ويبين سند الحديث وشرح رجاله وتوثيقهم. كما يشير إلى ميل النبي إلى العفو في قضايا القصاص.

تفسير العفو عن القاتل وآثاره المترتبة عليه

شرح الإمام النووي لحديث فاقتلوه فإنك مثله، حيث يبين أن العفو عن القاتل دون أخذ دية أو قصاص يؤدي إلى تحمل العافى لإثم القاتل يوم القيامة. واستشهاده بحديث المفلس الذي يأتي يوم القيامة بحسنات.

فضل العفو ووجوب الاقتصاص من الرجل الشرير

يُشجع النبي صلى الله عليه وسلم على العفو عن القاتل، ويبين أن العفو والصفح من أعظم الأخلاق. كما يشرح وجوب الاقتصاص من الرجل الشرير في المجتمع مثل دعاة البدعة وأصحاب بيوت الدعارة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الغالي رحمه الله تعالى: قال أبو داود رحمه الله: حدثنا موسى بن إسماعيل، وهو أبو سلمة التبوذكي المنقري البصري، موسى بن إسماعيل التبوذكي المنقري أبو سلمة، وهو بصري من أروى الناس عن حماد بن سلمة. قال: أخبرنا عبد الله بن بكر، عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني، وعبد الله بن بكر لا بأس به كما ذكر الشيخنا عن ابن معين، واثقه لما من دار القطني، وليس به بأس عند ابن معين بمعنى ثقة كما جاء عنه ذلك. قال: إذا قلت ليس به بأس فهو ثقة، لكن كما قال بعض العلم ليس هي مثل قوله ثقة، إذا قال فالرجل ثقة فهي أعلى من قوله ليس به بأس، لكن المراد بها التوثيق، المراد بها التوثيق. وعبد الله بن بكر هو ابن بكر بن عبد الله المزني التابعي العالم، وأيضا كذلك من خيرة التابعين والسلف رحمهم الله. قال: أخبرنا عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني عن عطاء بن أبي ميمونة، وعطاء بن ميمونة هو عطاء بن خرسان المكي، يقال عطاء بن خرسان ويقال عطاء بن أبي ميمونة، هو أبو عثمان المكي، قال: عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أبو حمزة قال: ما رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفع إليه شيء في اقتصاص إلا أمر فيه بالعقل. قال: هذا حديث حسن، رجاله رجال الصحيح إلا عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني، وقد قال ابن معين والنسائي ليس به بأس، ووثقه دار القطني. قال: الحديث أخرجه ابن ماجه. هذا الحديث أيضا مثل الذي قبله في أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالعقل في القصاص، ما رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر بالعقل. ومثل ما تقدم معناه أنه قال لذلك الرجل اعف، فقال: خذ أرشك، أيديتك فأبى، فقال: اذهب فاقتلوه، فإنك مثله. وذكر الإمام النووي رحمه الله وجهًا جميلًا في هذا الباب في قول: فاقتلوه، فإنك مثله، أي لا تجد أجرًا، لا تجد أجرًا في العقل، ولا أيضا تأخذ من إثمه يوم القيامة، لأنه إذا قتلته كفرت عن يمينه أو كفرت عن قتله، لأنه كما جاء في الصحيحين أن من أخذ بشيء من هذه الكفارات أو من هذه الحدود فهي كفارة له. فإن لم يختص منه فإنه يبوء بإثمه وإثم من قتله، يبوء بإثمه وإثم من قتله. ولهذا جاء في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل اعف، قال: لا، قال: خذ الدية، قال: لا، فقال: فاذهب فاقتله، فإنك إن عفوت عنه تبوء بإثمك، تبوء بإثمه وإثمك، فيكون من أهل النار. وفي رواية أخرى: وإنما قال تبوء بإثمه بإثمك وإثمه، معنى أنك إذا لم تقتله فأولا هذا المقتول يتحصل على أجر، ومن ثم هذا القاتل يبوء بإثمه، يبقى إثمه عليه إثم القتل لأنه لم يقتل، فيبوء بإثمه وإثمك، أي أنت الذي عفوت أيضا إثمك يكون معه، إثمك يكون معه، معنى من الآثام التي تفعلها يأخذ من حسناتك أو يأخذ من سيئاتك. مثل ما جاء في حديث المفلس، حديث أبي هريرة، قالوا: المفلس من لا درهم له ولا دينار، قال: المفلس الذي يأتي يوم القيامة بأعمال صالحة، لكن يأتي قد أخذ مال هذا، وضرب هذا، واستحل دم هذا، فيأخذ من حسناته حتى إذا فنيت حسناته طرحت سيئات غيره عليه، طرحت سيئات غيره عليه، ثم أدخل النار. فانظر إلى هذا الحديث وإلى أمثاله، وبهذا الشرح وبهذا التفسير تتفق هذه الأحاديث، فقوله: فإنك مثله، أو فاقتلوه فإنك مثله، أي لا لك ولا عليك، ما تجد شيئًا من الأجر، بل أنت وأيضا لا يجد شيء من العذاب القاتل، لا يجد شيء من العذاب لأنه قد كفر عنه، هذا الذي بينك وبينه. من المعلوم أن القاتل عليه ثلاثة حقوق: حق الله، وهذا بالتوبة، وحق المقتول، وهذا يكون يوم القيامة، وحق ثالث وهو حق أهل المقتول، وهو إما القصاص أو الدية أو أنهم يعفون، فإذا عفا أصحاب المقتول فإن الإثم يبقى على القاتل، وهم يتحصلون أجر العفو والمسامحة. وكذلك إذا لم يتنازل هذا القاتل عن قتله فإنه يأتي يوم القيامة ويعطى من إثم المقتول، يوضع في إثمه، وكذلك ورثة المقتول يؤخذ منهم لأنه حق لهم، يؤخذ من آثامهم فتوضع في آثام القاتل، وهذا الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المفلس. فهذه الأحاديث تفسر بعضها، وهذا أيضا من هذا الباب، كان النبي صلى الله عليه وسلم يغمر بالعفو أولًا كما قلنا، لأن العفو أمره عظيم وفيه أجر عظيم، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، الله عز وجل تكفل بأجر الذي يعفو، تكفل بأجره سبحانه وتعالى. وإذا كان هذا الحق كبير، أي حق الأولياء أنهم قتل وليهم فعفوا لله عز وجل كان أجرهم عظيم، فأولا على ما يتحصل عليهم الأجر، ومن ثم أيضا الأمر الذي ذكرناه، فإذا اقتص خلاص صار مثل القاتل، صار مثل القاتل، لا له ولا عليه، لا يتحصل الأجر أجر العفو، ولا أيضا يتحصل على الأجر أو تنزع منه حسنات فتوضع في إثم القاتل. فلهذا فالعفو أفضل هنا، فالعفو أفضل، فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم دائما يوصي بالعفو، دائما يوصي إذا رفع إليه شيء فيه قصاص قال: أمر فيه بالعفو، معناه الأمر هنا ليس أمر إيجاب وإنما أمر نصيحة وإرشاد، أمر نصيحة وإرشاد، فيقول له: اعف، مثل ما قال لذاك الرجل الذي تقدم في الحديث الذي قبله. وجاء أيضا من عدة أحاديث عن الصحابة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول للقاتل: اعف، عقب، وذكر الإمام أبو داود عدة أحاديث في هذا الباب، باب العفو، ذكر أربعة أو خمسة أحاديث كلها تدل على هذا الشيء، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول للقاتل: اعف، فإن رفض قال له: خذ الدية، وإن رفض قال له: خذ الدية. فالعفو والصفح من أعظم الأخلاق العظيمة التي يتحصل بها العبد على الأجر الكبير، لكن ذكر بعض العلم كما قلنا من قبل أن من تعود مثل هذه الأشياء واستهان بأمر الدماء فإنه لا يعفى عنه، لأنه يزداد شره، وأيضا العفو عنه يؤيد على ما هو عليه. بعض الناس عنده استهتار بدماء المسلمين، بدماء الناس، مثلا تجده يمشي بسرعة جدا وقد قتل أشخاصًا، لكن يعفى عنه، فلان عفى عنه، هذا عفى عنه، فمثل هذا لا ينبغي أن يعفى عنه لأنه يزداد شره، وأيضا العفو عنه يؤيد على ما هو عليه. فلهذا فإنه يقتل، أو كذلك رجل شرير في المجتمع، إما أنه يفتح بيوتًا للدعارة أو أنه كذلك رجل مبتدع ويدعو إلى بدعته، وأيضا لم يسلم أهل السنة من شره، كذلك وغيرها من هذه الأمثلة، فإذا كان شره واضحًا فالأولى له القتل، معناه أنه يقتص منه حتى يسلم الناس، معناه يتحصل على الأجر الآخر وهو أنه سلم الناس من شره، وهذا أعظم. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. الحمد لله رب العالمين.

شاركنا على