الدرس في لصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 43، ألقاها
يروي أنس بن مالك زيارة النبي لرجل من بني النجار وتلقينه الشهادة، حيث أكد له النبي نسبته كخال له وطلب منه تكرارها. هذه القصة تبين أهمية نطق الشهادة عند الاحتضار.
يُشدد على تلقين المريض كلمة التوحيد عند احتضاره لما لها من أهمية في نجاته ودخوله الجنة، مستدلاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه أنس بن مالك.
يُنصح بتلقين المحتضر الشهادة بأسلوب لطيف، ويُشدد على أهمية المداومة على ذكر الله حتى لحظة الموت، مشيراً إلى أن هذا الذكر يجب أن يكون مستمراً حتى يلقى العبد ربه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد. قال شيخنا مقبل - رحمه الله -: قال الإمام محمد - رحمه الله تعالى -: حدثنا عبد الصمد، وهو ابن عبد الوارث بن سعيد التنوري البصري، قال: حدثنا حماد بن سلمة، وهو حماد بن سلمة بن دينار البصري، قال: حدثنا ثابت، هو ثابت بن أسلم البناني البصري، قال: عن أنس - وأنس هذا يُعتبر من أهل البصرة، وإن كان من أهل الكوفة، فهو أنصاري مدني، ولكنه سكن البصرة - قال: عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل على رجل من بني النجار يعوده. وبنو النجار أخوال النبي صلى الله عليه وسلم، لأن أم عبد المطلب من بني النجار، فهاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إلى بني النجار في المدينة، وتزوج عندهم، وجلس عبد المطلب عندهم حتى جاء به عمه المطلب من المدينة، فلما دخل مكة قيل له: عبد المطلب، ظنوا أنه عبدا للمطلب وليس كذلك، وإنما هو ابن أخيه، وصارت بعد ذلك السيادة لعبد المطلب، فساد قريشا، وهو جد النبي صلى الله عليه وسلم. قال: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل على رجل من بني النجار يعوده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا خال، قل: لا إله إلا الله». فقال: «أخال أنا أم عم؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، بل خال». فقال له: «قل: لا إله إلا الله». قال: «أهذا خير لي؟» قال: «نعم». قال: وهذا حديث صحيح. وقال الإمام محمد أيضا: حدثنا الحسن، وهو نوح الأشيب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من الأنصار، فقال: «يا خال، قل: لا إله إلا الله». فقال: «أخال أم عم؟» فقال: «لا، بل خال». قال: «أخير لي أن أقولها؟» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم». قال: والحديث خرجه أبو يعلى، فقال - رحمه الله -: حدثنا زهير، قال: حدثنا عفان بن مسلم الصفار - أما زهير فالله أعلم به - قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من الأنصار، فقال: «يا خال، قل: لا إله إلا الله». فقال: «خال أم عم؟» فقال: «لا، بل خال». فقال: «خير لي أن أقولها؟» قال: «نعم». قال: وخرجه البزار، كما في كشف الأستار، فقال: حدثنا محمد بن معمر، قال: حدثنا حجاج بن منهال. وهؤلاء كلهم - أي الذين رووا عن حماد بن سلمة - من أهل البصرة. قال: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عاد رجلا من الأنصار، فقال: «يا خال، قل: لا إله إلا الله». فقال: «خال أم عم؟» قال: «بل خال». وقال: «خير لي أن أقولها؟» قال: «نعم». فهذا الحديث فيه فوائد، من هذه الفوائد: أن الإنسان يحرص على تلقين من حضره الموت كلمة التوحيد، يحرص على تلقينه لا إله إلا الله، فإن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله»، أي: قبل موته لقنوه الشهادة. وأكثر العلماء على أنه يقال للمريض: «قل: لا إله إلا الله»، إلا أن بعض العلماء يقول: لا يقال له هكذا، وإنما يقال له أو يذكر عنده لا إله إلا الله حتى لا يحس بشيء. وهذا ليس بشيء، إلا إذا اضطر الإنسان إليه، وإلا الأصل أنه يقول للمريض: «قل: لا إله إلا الله». إلا إذا كان هذا المريض مثلا له جلالة، ولا يستطاع أن يقال له هذا، فيمكن أن يؤتى بطريقة أخرى، مثل ما فعل أبو حاتم، ومحمد بن مسلم، وغيرهم، لما حضروا وفاة أبي زرعة، فإنهم لم يستطيعوا أن يقولوا له: «قل: لا إله إلا الله»، فاستحضروا الحديث، واستحضروا حديث: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، فأسندوه، فاستعجم فيه، ثم أسنده أبو زرعة وهو مريض، حتى بلغ إلى قوله: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله»، ثم قضى. فأيضا من هذه الفوائد: أن الإنسان لو اكتفى بقوله: «لا إله إلا الله» يكفي، معنى ذلك أنه لا يلزم أن يقول: «محمد رسول الله»، لأن كلمة التوحيد تفيد هذا. كلمة التوحيد إذا جاء بها العبد، فهي تكفي في ذلك المقام، لأنه مؤمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لكن يكون آخر كلامه لا إله إلا الله، ليس معناه أنه ليس بمؤمن، لا، وإنما معناه أنه لا يخرج من الدنيا إلا بهذا الذكر العظيم، يدل على أنه متعلق بهذا الذكر، وهو لا إله إلا الله. فلو قال له: «قل: لا إله إلا الله» يكفي، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ولو قال له: «قل: لا إله إلا الله، محمد رسول الله»، فلا شيء في ذلك، فمحمد رسول الله تدخل في الشهادة أيضا. وفي هذا الحديث أيضا: التلطف في العبارة، إن كان رجل كبير السن، فيقال له: «يا عم، قل: لا إله إلا الله»، وإن كان أخا له أو صديقا أو زميلا له، يقول: «يا أخي، أو يا صديقي»، أو كلمة مما يتلطف بها في الكلام، حتى يتقبل هذا المريض أو من يلقن الشهادة الكلام، فلا يتكلم معه بإسناد الغلظة أو بكلام الغلظة، فإنه قد ينفر، لكن يتكلم معه بلين الكلام، ويقال له: «قل: لا إله إلا الله، اذكر الله»، كذا حتى يموت على ذكر الله جل وعلا. والله تعالى أعلم.