الدرس في القواعد والأصول الجامعة 86، ألقاها
يجب فهم كلام الناس بناءً على مرادهم ونياتهم، خاصة في العقود والفسوخ والإقرارات. العبرة بما في القلب وليس فقط باللفظ.
النية تلعب دورًا هامًا في فهم الألفاظ الشرعية، وتُعتبر في الأمور الخاصة بالفرد وربه، بينما يؤخذ بالظاهر في الأمور المتعلقة بحقوق الآخرين.
النية والعرف يلعبان دورا هاما في تفسير الألفاظ في الأيمان، حيث يمكن للنية أن تجعل اللفظ العام خاصا أو العكس، كما أن العرف والعادات تؤثر في فهم المراد من الألفاظ.
يتحدث عن معنى الصلاة على النبي في العرف والعادة بشكل خاص. يُظهر أهمية فهم العبارات الشائعة في سياقها العرفي.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعيد رحمه الله في كتابه قواعد الوصول، القاعدة السابعة والخمسون: يجب حمل كلام الناطقين على مرادهم مهما أمكن، في العقود والفسوخ والإقرارات وغيرها. وهذه القاعدة تدخل تحت قاعدة الأمور بمقاصدها. ومعنى ذلك أن ينظر في كلام المتكلم مع نيته ومراده، ما مراده بهذا اللفظ الذي تكلم به، وما هو الداعي الذي جعله يتكلم به، فيكون للمقاصد والنيات توجيه لكلامه. وهذا كذلك أيضا يستفاد من ذلك في باب العقود وإبرامها، وفي الفسوخ كذلك، فسخ العقود وإبطالها، وكذا في الإقرارات وغيرها. قال: وذلك أن الأقوال داخل في الأعمال، فتدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، الأقوال داخل في الأعمال، فالقول يسمى عمل، القول يسمى عمل. قال الله جل وعلا: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، ولو شاء ربك ما فعلوه، فسمى قولهم فعل، سمى قولهم فعل، إذن القول يسمى فعل. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات» يشمل الأفعال ويشمل الأقوال، يشمل الأفعال ويشمل الأقوال، فكلها بالنيات عمل العامل. وهكذا أيضا قول القائل، فإنه كذا يترتب عليه ما أراد ونوى بقلبه. قال: أما ما يتعلق به بنفسه، فهذا ليس فيه استثناء، أن العبرة بما نواه لا بما لفظ به، ما تعلق به بنفسه يعني ما تكلم به مما يتعلق هذا الكلام بنفسه، لا يتعلق بحق الآخرين، لا يتعلق بحق الآخرين. فكلامه الذي يتكلم به وهو يتعلق بنفسه، فهذا ليس فيه استثناء، بل يحمل بما تكلم به ونواه، ونواه عند كلامه وما نطق به، لأن العبرة بما في القلب. يعني مثلا لو وقف في الصف في صلاة الظهر وقال: نويت أن أصلي صلاة العصر، نويت أن أصلي صلاة العصر الآن، تلفظ بشيء خلاف ما في قلبه، وفي قلبه يريد أن يصلي الظهر، وتلفظ بشيء خالف ذلك. هل نقول العبرة بما تلفظت فصلاتك حينئذ باطلة، أو أن العبرة بما في قلبه وما نواه؟ الجواب الثاني: العبرة بما في قلبه، العبرة بما في قلبه. طيب إذن العبرة بما نواه لا بما لفظ به، لا بما لفظ به. ويدلنا على أن الكلام الذي تكلم به يكون مرتبطا بنيته، فإذا أخطأ وذكر شيئا خلاف ما في قلبه، فالعبرة بما في قلبه، العبرة بما في قلبه. لكن إذا كان هذا شيء يتعلق بنفسه، ما يتعلق بحق الآخرين، فهذا ليس فيه شيء من الاستثناء والاستدراك. بخلاف ما لو كان هذا الكلام يتعلق بحق الآخرين كما سيأتي، فإنه يأخذ بظاهر اللفظ. قالوا: أما إذا تعلق بكلامه حق للغير، فكذلك نعتبر ما نوى، إلا أن الغير إذا طالبه بمقتضى لفظه، لم يكن لنا أن نحكم إلا بالظاهر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما أقضي بنحو مما أسمع». نتفق عليه واضح. لو قال لزوجته: أنت طالق، قال: أطلقتك؟ قال: لا، أردت أنت طالق من وثاق ورباط ومن قيد. لو قال: أنا هذا الذي نويته قبل ذلك، منه قبل ذلك، منه. لكن لو ذهب تشتكي به عند القاضي، وقال: أنا نويت كذا وكذا، ما يقبل هذا منه، يقول: لا، أنت طلقت، ما دمت تلفظت بالطلاق، الطلاق وقع. سيؤخذ بما تلفظ به، لماذا؟ لأن هذا الكلام يتعلق به حق للغير، يتعلق به حق للغير، فيؤاخذ به. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما أقضي بنحو مما أسمع»، إنما أقضي بنحو مما أسمع، يقضي بالظاهر، بما يسمع ويظهر له. فإذا نوى شيئا وقال: نويت شيئا خلاف الظاهر، فهذا فيما بينه وبين الله، أما عند القاضي والحاكم، فإنه يحكم بما أظهره وتلفظ به، حتى لا تضيع الحقوق على الناس، ويتلاعب الناس بها. قال: ومن هذا الباب، ومن هذا باب الكنايات، من كل شيء له صريح وكناية، فالصريح اللفظ الذي لا يحتمل سوى موضوعه، والكناية ما يحتمله ويحتمل غيره. اللفظ الصريح الذي لا يحتمل سوى موضوعه، لا يحتمل إلا هذا اللفظ الذي تلفظ به. والكناية ما يحتمله، أي يحتمل هذا اللفظ ويحتمل غيره، ويحتمل غيره. قال: لكن إذا نوى أو اقترنت به قرينة، صار كالصريح. مثلا في باب الوقف، إذا قال: أوقفت هذه الأرض، صارت وقفا، لأن هذا اللفظ الصريح. ولو قال: تصدقت بهذه الأرض صدقة لا رجوع فيها ولا بيع ولا هبة، أو قال: تصدقت بها ونوى بذلك الوقف، فإنها تكون وقفا، لأن لفظ الصدقة يحتمل الصدقة بمعنى الوقف التي لا رجوع فيها، ويحتمل صدقة عادية. فإذا نوى أنها وقف صارت وقفا، وإذا لم ينوِ لم تصر وقفا. وهكذا باب الطلاق، لو قال: أنت طالق، هذا لفظ صريح في الطلاق. ولو قال: الحقي بأهلك، هذا يتوقف على النية، إن نوى به الطلاق وقع الطلاق، وإن لم ينوِ به الطلاق لم يقع الطلاق. إذن النية لها مدخل في الألفاظ، مترتب الأحكام المترتبة على هذا اللفظ. وقس على ذلك في كل الألفاظ التي لها صريح وكناية. قال: وكذلك مسائل الأيمان، ألفاظها يرجع فيها إلى نية الحالف وقصده، حتى أن النية تجعل اللفظ العام خاصا، والخاص عاما. النية تجعل اللفظ العام خاصا، والخاص عاما. يعني مثلا لفظ اللحم في اللغة والشارع عام يشمل كل لحم، لحم الغنم، وبهيمة الأنعام، ولحم الدجاج، ولحم السمك، هذا كل يسمى لحم في اللغة. أما في العرف، فاللحم يطلق على لحم بهيمة الأنعام، يطلق على لحم بهيمة الأنعام. فهو إذا ذكر لفظ اللحم وأراد بنيته اللحم المعروف والذي هو المتعارف عليه في العرف والعادة من لحم بهيمة الأنعام، ثم أكل، يعني قال: والله لا آكل لحما، ثم أكل دجاجا أو سمكا، هل يحنث بهذا؟ قال: نويت أن أريد باللحم اللحم الغنم مثلا، لا يحنث، مع أن هذا اللفظ عام، لكن نيته جعلته خاصا، نيته لما نوى أن إرادة اللحم بلحم الغنم مثلا صار خاصا، فالنية جعلت هذا اللفظ العام خاصا. وهكذا أيضا ربما تجعل اللفظ الخاص عاما. إذن ترعى في باب الأيمان نية الحالف، ماذا نوى بهذا الحالف، وما الذي جعله يحلف ويقسم على اليمين. قال: وينبغي أن يراعى في ألفاظ الناس عرفهم وعوائدهم، فإن لها دخلا كبيرا في معرفة مرادهم ومقاصدهم. نعم، أيضا يراعى في ألفاظ الناس عرفهم وعوائدهم، يعني ما تعارفوا عليه وتعودوا عليه، فله مدخل في معرفة مراد المتكلم. فتذكر لفظا يريد به معنى، يعني خاص في العرف، مثلا لفظ الشاه في العرف، في اللغة يطلق على الأنثى من المعز، ومن الضأن، بل يطلق ذلك على الذكر من الغنم. في العرف في الشارع واللغة يسمى شاه، لكن في العرف الشاه تطلق على الأنثى من المعز، تطلق على الأنثى من المعز. طيب إذا تكلم وقال مثلا: لله علي أن أتصدق بشاه، وهو أراد ونوى بهذا اللفظ الشاه المعروفة في العرف، الأنثى من المعز، الأنثى من المعز، فإنه لا يلزم إلا ذلك، يلزم إلا أن تصدق بهذه الشاه التي هي الأنثى من المعز، مع أنه في الشرع تطلق الشاه على غيرها، تطلق الشاه على غيرها. فهنا الآن العرف جعل هذا اللفظ العام جعله خاصا بسبب نيته، أو هكذا أيضا ما تعارف عليه وتعود عليه بين الناس. وهكذا لفظ الدابة كذلك، تطلق في اللغة والشرع على كل ما يدب على وجه الأرض من ذوات القوائم والزواحف، بل والطيور في الشارع واللغة تسمى دابة، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، وكأي من دابة في السماء والأرض لا تحمل رزقها، الله يرزقها وإياكم. لكن في العرف تطلق على الحمار، تطلق على الحمار. فإذا أطلق الإنسان هذا اللفظ، هل يحمل على المعنى العام في الشرع واللغة، أو على المعنى الخاص في العرف؟ الثاني: على المعنى الخاص في العرف والعادة. وقس على ذلك. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.