الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  56

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 56

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 56، ألقاها

محبة الصحابة للنبي وتأسيهم به

كان الصحابة يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم حبًا شديدًا ويقتفون أثره، ويظهر ذلك في مواقفهم وأفعالهم تجاه النبي.

تحذير من تمني زمن النبي صلى الله عليه وسلم

تم تحذير من يتمنى زمن النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يكون قد عاصره، حيث أن الصحابة عانوا من فتن كبيرة أثناء عهده.

ضوابط التعظيم ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم

على الرغم من محبة الصحابة الشديدة للنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم كانوا يراعون حدود التعظيم التي أشار إليها النبي.

توجيهات لتغيير العادات المخالفة للشرع

يُنصح المسلم بمحاولة تغيير العادات المخالفة للشرع استنادًا إلى التوجيهات النبوية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا بوكو بن هادي الوادي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا أبو كامل، وهو فضل بن مدرك. أبو كامل من يروي دائمًا عن حمد بن سلمة، وهناك أبو كامل التحدري، وهو من مشايخ مسلم، هذا أعلى منه. فهذا فضل بن مدرك، أبو كامل، قال: حدثنا حمد بن سلمة، قال: حدثنا حمد مرة عن ثابت عن أنس، ومرة عن حميد عن أنس بن مالك رضي الله عنه. وقد يكون عند حمد من الوجهين، أنا عنده من طريق ثابت ومن طريق حميد. وحمد من أثبت الناس في هذين الشخصين، في ثابت بن أسلم البناني، وكذلك في حميد بن أبي حميد الطويل. وحميد خال حميد خال حمد بن سلمة، وثابت زوج أمه، وهو من أعرف الناس بحديثه. قال: وقال عن أنس بن مالك: ما كان أحد من الناس أحب إليهم شخصًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. كانوا إذا رأوه لا يقوم له أحد منهم لما يعلمون من كراهيته لذلك. فأنس رضي الله عنه يقول: إنه ما كان أحد من الناس أحب إليهم - أي إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - شخصًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أجمع أهل العلم، كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله، أن أحب الناس أو أشد الناس محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هم الصحابة. فالصحابة رضي الله عنهم أشد الناس محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا. أي جاء ذلك من أفعالهم وجاء ذلك من أقوالهم. فمثلًا الصديق رضي الله عنه لما كان في الهجرة كان يمشي عن يمين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن يساره ومن خلفه، يخشى أن يؤتى النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الجهات. وكلما توهم أنه قد يؤذيه أحد من الخلف رجع إلى خلفه، وكلما توهم أن يؤذيه أحد من اليمين وهكذا. وهذا يدل على شدة محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن عبدًا من عباد الله خيره الله عز وجل بين الدنيا والآخرة فاختار ما عند الله»، فقال أبو بكر رضي الله عنه: فديناك بأبائنا وأمهاتنا يا رسول الله. فتعجبنا لذلك، ثم علمنا أن الرجل المخير هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكان أبو بكر أعلمنا. والحكايات في ذلك كثيرة جدًا في جهاد الصحابة ودفاعهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكل ما أوتوا. وأقرب مثال ما حصل في أحد، فإنه تجمع عليه الكفار وأرادوا أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فكان جمع من الأنصار قد احتفوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان طلحة بن عبيد الله صار درعًا لرسول الله ووقاية لرسول الله عليه الصلاة والسلام. فالأمثال في ذلك كثيرة جدًا. ولهذا لما قال رجل لحذيفة - وكذلك جاء أيضًا أن رجلًا قال للمقداد بن الأسود -: لو أدركنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفعلنا وفعلنا. فقال المقداد: لو أدركنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما جعلناه يمشي. ألم يكن هذا دعوى لم يشهد ذلك الوقت حتى يقول مثل هذا الكلام؟ فهو يريد أن يزايد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال للمقداد: لو أدركنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما جعلناه يمشي الأرض. فغضب المقداد رضي الله عنه، قال: لا يتمنى أن أحدًا مشهدًا لم يشهده. فإن أقوامًا أدرك ذلك المشهد فكبهم الله على وجوههم في النار. أقوام من قريش من أقارب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهله، لكنهم لم يؤمنوا برسول الله. فلماذا يتمنى الإنسان مشهدًا غيبه الله عز وجل عنه؟ فالعالم كان فتنة عن وجود النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت. كان فتنة للناس، من أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار. لكن قال المقداد رضي الله عنه: فاحمدوا الله عز وجل أن جعلكم على الإسلام، ولدتم على الإسلام. هذه نعمة عظيمة. أما أولئك الصحابة فقد أدركوا الرسالة وجاءت الرسالة وآمنوا بها. هذا أعظم من رجل يؤمن ويولد على الإسلام ما يعرف إلا الإسلام. فقال المقداد: احمدوا الله عز وجل أنكم ما أدركتم إلا الإسلام، ولدتم عليه. فلهذا لا يبغي معنى كلامه من يتمنى المتمني على الله جل وعلا. وكذلك حذيفة قال له رجل هكذا من هذا الكلام: لو أدركنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفعلنا وفعلنا. فذكر حذيفة مثالًا واحدًا ما حصل في الخندق. فذلك المثال ضربه بنفسه أنه أطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت لا يستطيع الإنسان أن يقوم حتى من مكانه. لما نزلت الريح كانت ريحًا باردة وكان برد شديد، حتى قال حذيفة: ما يستطيع الرجل أن يقوم من مقامه من شدة البرد. وأيضًا الجو البارد، حتى لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ينظر إلى خبر القوم؟» لم يقم أحد. ليس لأنهم مثلًا يتكاسلون في هذا، وإنما لأجل معنى يخشون أن الرجل يقوم منهم ولا يوفي بما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم به، لشدة البرد الذي كان في ذلك الوقت. يحتاج الرجل أن يتدفأ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قم يا حذيفة». فقال: «قم يا حذيفة». فقال حذيفة: لما سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: «نبيك يا رسول الله». فقال: «اذهب وانظر خبر القوم ولا تحدث شيئًا». قال: «وانظر خبر القوم ولا تحدث شيئًا». قال: فمشيت. يقول حذيفة: فمشيت، فكأنني في حمام. أنا في مكان حار. الله عز وجل أيده بذلك. فمشى بين القوم وأدرك أبا سفيان يتكلم ويتكلم في الخوف. فقال: لولا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تحدث شيئًا» لطعنته بسيفي. فلهذا هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم كانوا قد قدموا الغالي والرخيص لأجل دين الله عز وجل ولأجل رسول الله عليه الصلاة والسلام. فلهذا فهم أشد الناس حبًا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد وفوا بما ذكره الله عز وجل من العلامة في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، اتباع سنته. وكذلك في محبة الله عز وجل. فأولئك الصحابة كانوا من أتبع الناس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، سواء كانوا في عبادتهم لله أو سواء كانوا في جهادهم في سبيل الله جل وعلا أو في أخلاقهم وأمورهم. فكانوا أشد الناس اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومحبة له. فالإنسان ما يقتدي بإنسان ويتبعه بكل شيء إلا من شدة محبة له. ولأن هذا أمر الله جل وعلا، فلهذا قال أنس: ما كان أحد من الناس أحب إليهم شخصًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. كانوا إذا رأوه لا يقوم له أحد منهم. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره ذلك. كان يكره ذلك. وجاء في حديث معاوية في المسند والسنن قال: «من أراد أو من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا فليتبوأ مقعده من النار». من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا أن يقوموا له كلما دخل عليه قاموا له. فهذا قال: «فليتبوأ مقعده من النار». والعياذ بالله. لهذا كان الصحابة رضي الله عنهم لا يقومون لرسول الله، وهو أحب الناس وعظم الناس إليهم. لكن لأنهم يعلمون أن ذلك يكرهه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلهذا ما كانوا يقومون. وأما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما يستدل به بعض الناس في قيامهم لساداتهم ولمشايخهم ولغيرهم، يستدل بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما جيء بجنازة أو لما جيء بسعد وهو جريح، جيء به حتى يحكم في بني قريظة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قوموا لسيدكم». أو قال: «قوموا وأنزلوا سيدكم». فهنا القيام ليس لأجل أنه يقوم له، وإنما القيام لأجل أن ينزلوه من على المحمل الذي كانوا يحملونه فيه. فليس هو دليلًا بهذه المسألة. أما قول النبي صلى الله عليه وسلم «لسيدكم» فهو لا شك أنه سيد بني عبد الأشهل وسيد من سادات الأنصار. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قوموا لسيدكم». فليس فيه دليل على هذه المسألة. فلهذا صرح بعض العلماء بالتحريم، وبعضهم يقول بالكراهة في القيام، وخاصة إذا كان هذا القيام للتعظيم. فإنه أعظم وأعظم. فلهذا الواجب على المسلم أن يتجنب مثل هذه الأشياء، إلا لمن كان مسافرًا، وكان مسافرًا، فقد جاء القيام له. أو كان شخصًا مثلًا فترة لم يره فترة لم يره كذا، فلا بأس أن يعانقه ويقوم له، كما فعل ابن الهيثم لما عانق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وأما القيام على كل مجلس أو كل وقت، فهذا خطأ ولا ينبغي أن يكون من المسلم. وأقل ما يقال فيه أنه مكروه. وإن كان عادة عند الناس، الأولى أن يحاول المسلم أن يبطل هذه العادة. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر فيه هذا الحديث. فنكتفي بهذا.

شاركنا على