الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 63، ألقاها
يتناول شرح حديث الترمذي ودراسة سند رواية معمر بن راشد عن قتادة، مشيرًا إلى تفضيل حديثه باليمن على العراق. يبين ضعف حديثه عن البصريين وتصنيف العلماء له بأنه مقبول لكن برتبة أقل.
يناقش صحة حديث سعد بن معاذ وروايته، ويبين أن الحديث صحيح رغم بعض الضعف في الطريق. يشرح معنى غرابة الحديث وروايته عن أنس بن مالك.
استشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه قبل معركة بدر، وكان يهدف إلى معرفة رأي الأنصار. عبّر المقداد بن عمرو وسعد بن معاذ عن استعدادهم لمشاركته في القتال.
يتناول ردود الفعل السلبية من المنافقين تجاه حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، ويبرز منقبة عظيمة لسعد وهي حمله من قبل الملائكة عند وفاته.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام الترمذي رحمه الله، وهو محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمه الله، كان تلميذ الإمام البخاري وخريجه. قال رحمه الله: حدثنا عبد بن حميد، وهو أبو محمد الكشي، ويقال الكجي بالجيم والشين، وكان من حفاظ الحديث، وله كتاب التفسير، وكذلك المسند، والمطبوخ هو المنتخب من التفسير والمنتخب من المسند. قال: أخبرنا عبد الرزاق وابن همام الصنعاني، أبو بكر، إمام من أو حافظ الحفاظ الحديث، وهو حافظ أهل اليمن، وقد رحل إليه ناس كثير من المحدثين، بل إن أئمة الحديث في ذلك الوقت رحلوا إليه: أحمد وإسحاق وعلي ويحيى بن معين وغيرهم من حفاظ هذا العلم رحلوا إلى عبد الرزاق وسمعوا منه الحديث. وعبد الرزاق أكثر عن معمر؛ لأن معمرًا جلس في اليمن كما هو معروف، فأكثر عنه رحمه الله. وكان حديث معمر باليمن أفضل من حديثه في العراق؛ لما حدث بالعراق، فلهذا روى عنه أهل العراق -أهل البصرة والكوفة- أشياء فيها اضطراب، وفيها أخطاء بسلامة حديثه لما كان باليمن؛ كان قريب عهد بكتبة، كان يراجع ويحدث، فكان قريب عهد بكتبة. ولما ذهب إلى العراق ترك كتبه، أراد أن يزور أمه في البصرة، فأغفل في الحديث، فلهذا قال لمالك محمد وغيره: إن حديثه باليمن أفضل من حديثه بالعراق. قال: أخبرنا معمر وابن راشد أبو عروة، قال عن قتادة. ومعمر سمع من قتادة وهو صغير، ومعمر بصري الأصل من البصريين، لكنه ذهب إلى اليمن ونزل في اليمن وجلس فيها، وسمع من قتادة وأيوب وغيرهما، خاصة قتادة سمع منه وهو صغير، وكذلك ثابت، فلهذا حديثه فيه شيء. مع أنه كان يقول رحمه الله: قد سمعت من قتادة وأنا صغير، لكن كل ما سمعت من قتادة لا أخطئ منه شيئًا. وكما قال رحمه الله: أنا أقول إنه حفظه حفظًا لم يغادر منه شيء، لكن قد حصل منه أوهام، حصلت منه بعض الأشياء الخطأ في حديثه عن البصريين. ولهذا ضعفه بعض العلماء كعلي بن المديني وغيره، ضعف حديثه في البصريين. معنى حديثه البصريين ليس ضعيفًا؛ معنى يقال إنه ضعيف لا يقبل، فهو مقبول، لكن رتبته أقل، رتبته أقل. ولهذا هنا الشيخ رحمه الله قال: حسن لغيره. وظهر أن الشيخ جعله من باب الضعيف، جعله من باب الضعيف. معنى الشيخ لم يلتزم مثل هذه الحديثة، أنه يذكر مثل هذا الإسناد الذي يكون فيه ضعفه. لكن الظاهر إنما ذكره هنا لأجل أن الحديث قد جاء عن غيره، قد جاء عن غيره؛ لأن الحديث نفسه في صحيح مسلم، لكن بلفظ آخر، لكن من حديث أنس، ومن طريق جماعة عن قتادة الضار، من طريق سعيد، من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس، فهو في صحيح مسلم، ولفظه يختلف شيئًا يسيرًا، لكن المعنى واحد. قال رحمه الله: أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس رضي الله عنه. وعلل بعضهم بتدليس قتادة، لكن قد صرح بالتحديث عند أحمد وغيره. أنه جاء من طريق من غير طريق معمر، قد صرح بالتحديث، فالحديث صحيح، الحديث صحيح لا شك فيه. لكن كما قلنا الطريق هذه فيها شيء من الضعف، فمعمر رواية عن البصريين فيها ضعف. قال: لما حملت جنازة سعد بن معاذ، قال المنافقون: ما خف جنازته؟ وذلك لحكمه في بني قريضة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: ﴿إن الملائكة كانت تحمله﴾. قال: هذا حديث صحيح غريب. قال أبو عبد الرحمن: هو حسن لغيره. والله أعلم. إيش أراد بالغرابة هنا؟ لأن الحديث ليس غريبًا؛ معنى ليس هو رواه عن قتادة أكثر من واحد، الحديث قد ذكره عن قتادة أكثر من واحد، هو ليس غريبًا إلا إن كان أراد غريبًا؛ أي رواية قتادة عن أنس، فهو الذي تفرد به، أو بروايته عن أنس. وإن كان أيضًا هذا الحديث قد جاء عن غير قتادة، رواه الإمام أحمد عن غير قتادة عن أنس، وجاء أيضًا كذلك عن غيره من الصحابة، عن نبي بريرة وعن نبي سعيد وجماعة من الصحابة. ولكن أكثره كان في أن عرش الرحمن اهتز لموت سعد، أن أكثر الصحابة رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عرش الرحمن اهتز لموت سعد. وأما هذه الجملة: «ما خف جنازته»، فهذه رواها غالبًا أنس، وجاء أيضًا في بعض روايات حديث أبي سعيد. فقال هنا: فالحديث صحيح كما قلنا، وجاء في صحيح مسلم. يظن أن الحديث لغير أنس، والظاهر أن الشيخ هنا كأنه وهم في ذكره، وإلا الحديث واحد، أن الحديث واحد، لكن فيه زيادة، أن عرش الرحمن اهتز لموت سعد بن معاذ، ولكن فيه هذه العبارة: «لما قال المنافقون ما خف جنازته، فقال: إن الملائكة كانت تحمله». طيب، وسعد بن معاذ رضي الله عنه هو من بني عبد الأشهل، وسيدهم، ورضي الله عنه، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحبه لتقدمته، لتقدمته رضي الله عنه، وكذلك ما كان لسابقته في الإسلام في الأنصار. وكذلك لما كان عليه رضي الله عنه من محبته لدين الله، ولما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأشار إلى الأنصار: «أشيروا علي أيها الناس». إما أراد إلى بدر أن يقاتل المشركين. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم معلوم أنه خرج إنما لأجل العير، لم يخرج لقتال، فسمع أن قريشًا معهم ألف رجل، وهم قد جاءوا إلى بدر، أرادوا أن يقاتلوا نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشيروا علي أيها الناس»، فقام أبو بكر وقال: سر يا رسول الله. قام عمر، فعرفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد الأنصار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايعهم في العقبة إنما بايعهم على أن يمنعوه مما يمنعون به نساءهم وأموالهم، على أن يمنعوه من أي عدو يريد أن يقتله عليه الصلاة والسلام أو يقتل أصحابه، فهذا للمبايعة، ولم يبايعوه على الخروج معه إلى القتال، أنه ما بايعوه في ذلك الوقت على ذلك. فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم امتنع أن يقاتل ومعه الأنصار، ولهذا لما بعث السرايا كان يبعث المهاجرين، أنه من نظر السرايا الأولى في بعثات الأولى التي بعثها النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يبعث الأنصار، وإنما كان يبعث المهاجرين، حتى في بعثة عبيدة بن الحارث بن عمه، كانوا عشرة من المهاجرين، كانوا عشرة من المهاجرين. وكذلك لما بعث حمزة رضي الله عنه أيضًا كان معهم كلهم من المهاجرين. ثم لما حصل هذا الأمر استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، وكان أراد الأنصار، ففي سيرة ابن إسحاق: أن المقداد بن عمرو هو الذي قال: «يا رسول الله، سر بنا، لو خط هذا البحر لخضناه معك». وقال: وجاء في رواية ابن إسحاق أنه قال: «ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، بل نقول: اذهب يا رسول الله ونحن معك نقاتل». وجاء في البخاري أن الذي قالها هو سعد بن معاذ، وجاء في البخاري أن الذي قال: «لو خضنا هذا البحر لخضناه معك يا رسول الله»، فكان سعد رضي الله عنه له مواقف عظيمة في الإسلام. ولهذا حكمه النبي صلى الله عليه وسلم تكرمة له، وأيضًا إجلالًا له، حكمه في بني قريضة؛ لأنهم حلفاء، أنه كان بنو قريضة حلفاء الأوس، وبنو قينقاع وبنو النضير كانوا حلفاء الخزرج، فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم حكم سعد بن معاذ في بني قريضة، وقال له: «لقد حكمت بحكم الله عز وجل الذي حكم به في السماء». وجاء: «لقد حكمت بحكم الله عز وجل من فوق سبعة أرقعة». وجاء في الصحيحين: «لقد حكمت بحكم الملك»، أي الله عز وجل، أن حكم سعد بن معاذ وافق حكم الله جل وعلا، أو حكم سعد وافق حكم الله سبحانه وتعالى الذي أراده. فلهذا سعد رضي الله عنه له مكان عظيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي دين الله، ولما مات اهتز عرش الرحمن لموت سعد؛ لأنه كان رجلًا عظيمًا في الإسلام، ونزلت الملائكة تحمل جنازته، ونزلت الملائكة تحمل جنازته. لهذا قال المنافقون -قيل: إن المنافقين هم من اليهود، وقيل: أصحاب اليهود الذين كانوا معنا من بني عبد الأشهل ومن الأوس-؛ لأن سعدًا حكم في بني قريضة أن تقتل مقاتلتهم وتسبى نساؤهم وذراريهم، فلهذا لم يكن يعجبهم هذا، هم ظنوا أن سعد سيحكم فيهم أقل من هذا، لكن حكم رضي الله عنه بهذا، فلهذا أخذ عليه بعض الناس، وخاصة من المنافقين، فأرادوا أن يلمزوه. فلما أخذوا جنازته قالوا: «ما أخف جنازته»، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الملائكة كانت تحمله»، إن الملائكة كانت تحمله. وهذه منقبة عظيمة لسعد بن معاذ أن الملائكة خرجت تحمل جنازته رضي الله عنه، فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام في هذا الحديث. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.