الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 114، ألقاها
يناقش المقطع رواية البخاري لحديث حول الذين يخمشون وجوههم، ثم يحلل رواية بقية بن الوليد وتدليسه، مشيراً إلى أنه كان يروي عن مجهولين ويتدلس عن ضعفاء. هذا التحليل يبرز شكوك العلماء في صحة أحاديثه.
يتناول المقطع تحريم الغيبة مستنداً إلى حديث نبوي يصف عذاب من يغتاب، ويشرح معنى الغيبة وحرمتها بناءً على النصوص الشرعية والإجماع العلمي، مشدداً على خطورتها.
الغيبة كبيرة من كبائر الذنوب ولها وعيد شديد، وتختلف درجات خطورتها حسب الحال والكلام، وقد ثبتت أحاديث كثيرة في النهي عنها وتحذير الناس من الوقوع في أعراض الآخرين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام محمد -رحمه الله تعالى-: حدثنا أبو المغيرة، وهو عبد القدوس بن الحجاج، وهو ثقة من مشايخ الإمام محمد، قال: حدثنا صفوان، وهو ابن عمرو، وهو شامي كذلك، أبو المغيرة، قال: حدثني راشد بن سعد، وهو أيضا من أهل الشام، وهو صدوق، وعبد الرحمن بن جبير، أن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "لما عرج بي ربي عز وجل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم". قال: هذا حديث صحيح. وصفوان هو ابن عمرو، وأبو المغيرة هو عبد القدوس بن الحجاج. قال أبو داود -رحمه الله-: حدثنا ابن المصفى، وهو محمد بن المصفى بن سعيد بن كثير بن دينار البصري، قال: أخبرنا بقية بن الوليد، وابن المغيرة، بقية بن الوليد الشامي، الذي قال فيه ابن معين: "أحاديث بقية ليست نقية، فكن عنها عن تقية". وبقية ابتلي بأمرين: بالتدليس، يدلس عن ضعفاء، وكذلك بالرواية عن المجهولين. الرواية عن المجهولين تكثر الرواية عن المجهولين حتى قال دار قطني: "إن بقية روى عن أكثر من مئة رجل مجهول". وهذا روايته عن المجاهيل إنما لأجل التدليس، ليس أن هؤلاء من المجاهيل، قد يكونوا من معروفين، لكن يكنيهم بغير الكنية التي يعرفون بها، أو يسميهم بغير ما اشتهروا به. ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي: "كان بقية يحدثنا عن أبي سعيد الوضاحي، قال: فإذا هو عبد القدوس، عبد القدوس هذا الرجل كذاب". فبقية يعرف أنه لو قال: "حدثنا عبد القدوس"، لم يأخذ منه هذا الحديث، لكن يجعل له كنية أخرى، فكان يقول له: "حدثنا أبو سعيد الوضاحي". فلهذا حديث بقية كانت فيها شيء من هذا التدليس الشديد، وكذلك من الرواية عن المجهولين، فصارت غير صافية. فقال أبو معشر -وهو إمام أهل الشام وعالمهم-: "أحاديث بقية ليست نقية، فكن عنها عن تقية". ففيها الدخل. بل إن أهل حمص -أصحابه عمر بن سلم وغيره- الحمصيين كانوا يفعلون أيضا شيء جعل العلماء توجسون من حديث بقية. فبقية -أو أنهم كانوا ما يفرقون بين "حدثنا" وعنه- يعني يقولون: "حدثنا بقية قال: حدثنا فلان". وإذا جئت فتشت في الأسانيد تجد أن بقية لم يقل: "حدثنا"، بقية مدلس، يعني "عنه". "حدثنا" هذه مهمة في حديثه. فلهذا يأتون بصيغة تحديث في مكان العنعن. وهذا التساهل العجيب حصل لأولئك أهل الشام، وخاصة أهل حمص في روايتهم عن بقية وبقية الحمصي. قال: حدثنا ابن مصفى، قال: أخبرنا بقية، قال: حدثنا صفوان، قال: حدثنا راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى وسلم-: "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم". قال أبو داود: وحدثناه يحيى بن عثمان -وهو ثقة- عن بقية، ليس فيه أنس. معنى: يحيى بن عثمان لما ذكره عن بقية ولم يذكر أنسا معنى مرسلا. لكن قد رواه أبو المغيرة، وليس فيه اختلاف كما سيأتي في كلام السيد، قال: حدثنا عيسى بن أبي عيسى السيلحيني -وهو أيضا ثقة- عن أبي المغيرة، كما قال ابن المصفى، أي مثل إسنادي وبمثل إسناده. قال: هذا حديث صحيح، ولا يضره أنه اختلف في وصله وإرساله على بقية. فرواية أبي المغيرة -وهو عبد القدوس بن الحجاج- سالمة من الاختلاف. فهذا الحديث فيه وعيد شديد لمن يغتاب الناس ويقع في أعراضهم، أولئك الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم. والغيبة كما عرفها النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ذكرك أخاك بما يكره". قال: ورأيت يا رسول الله إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته". على من البهتان والافتراء، وهو عظيم. فلهذا فالغيبة ذكر أخاك بما يكرهه ذلك الشخص. والناس يختلفون في ذلك، فلهذا فالغيبة حرمها الله عز وجل: "ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه". وهذا أيضا تشبيه ما قاله الله عز وجل: "أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا". وهؤلاء أيضا قال: "هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس". وزاد في الآية أنه لحم ميت: "أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا". ولهذا جاء عند ابن حبان، صححه ابن حبان، وكذلك الحافظ ابن حجر -وهو حديث لا بأس به- إلا أن بعض العلماء يقول: إنه شاذ أو فيه نكارة، وهو أن لما رجم ماعزا تكلم بعضهم عليه، فقالوا: "انظروا كيف جاء كالحمار جاء ورجم كالحمار". فقال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أو أمرهم أن يأكلوا من لحم حمار ميت، فقالوا: "يا رسول الله كيف نأكل من هذا؟" قال: "فقد أكلتم لحم أخيكم ميتا". فلهذا الذي يغتاب فإنه يأكل لحم أخيه. والغيبة محرمة، قد ذكر الإمام النووي في كتاب الأذكار وكذلك كتابه الروضة إجماع العلماء على تحريمها كما جاءت في النصوص. لكن ذكر في الروضة أنها من الصغائر، وهذا الزلة ذكر في الروضة أنها من الصغائر، وتبع في ذلك الرافعي والغزالي، فإنهم ذكروا أن الغيبة صغيرة. وهؤلاء لم يسبقوا إلى ذلك، ولم أيضا يقره أحد، بل أنكروا على الإمام النووي -رحمه الله- عندما ذكر في الروضة أن هذا مذهب الشافعي، وليس كذلك، وإنما مذهب الغزالي والرافعي، وليس هو مذهب الشافعي. فذكره في الروضة كأنه هو المذهب، وهذا خطأ. ولهذا ذكر الإمام القرطبي -رحمه الله- إجماع العلماء في تفسيره: "أبو عبد الله القرطبي" ذكر في تفسيره إجماع العلماء على أن الغيبة كبيرة من كبائر الذنوب، على أن الغيبة كبيرة من كبائر الذنوب لأن فيها وعيد. لكن قال الحافظ ابن حجر: "إن كان مثلا يصدق على بعضها أنها صغيرة فبحسب الحال وبحسب الكلام". فالذي يتكلم مثلا في الأعراض أعظم، الذي يتكلم في الأعراض يكون كلامه أعظم كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابن عمر وحديث أبي برزة في السنن: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه يفضحه الله ولو في قعر بيته". يفضحه الله ولو في قعر بيته. وأيضا كذلك هذا الحديث يدل على أن من يأتي له مع أخيه ويقع في عرضه أيضا كذلك هو كبير من كبائر الذنوب. وجاء أيضا عند الترمذي وعند أحمد وغيرهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن من أربع الربع استطالة المرء في عرض أخيه المسلم". من أربع الربع، فالربع قال: أو قال: "الربع ثلاثمائة وسبعون بابا". وقال: "وإن من أربع الربع استطالة الرجل على عرض أخيه". فالكلام في الأعراض ليس بالهينة. فقال الحافظ -رحمه الله-: "فقد يختلف الكلام". فالكلام فيه ولي من أولياء الله وعالم من العلماء ليس كالكلام فيه رجل مجهول لا يعرف، فهذا أعظم. أو أيضا الكلام -كما قلنا- إذا كان في الأعراض ليس مثل الكلام في ذات الشخص نفسه أو في صفاته أو كذا. وكذلك أيضا أحيان الغيبة يأتي معها احتقار وازدراء واستهزاء فيكون أيضا هذا أعظم. وهكذا وقد ثبتت وقد جاءت في الغيبة أحاديث كثيرة، منها ما رواه البخاري في باب الغيبة والنميمة، وذكر حديث القبرين: "أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة". ولأن النميمة هي غيبة أصلا، لكن غيبة أيضا مع أمر آخر، فهي أشد من الغيبة من ناحية الكلام على الناس؛ لأنه فيه إفساد بين الناس أيضا. كذلك هذا الحديث فيه الوعيد الشديد لهؤلاء الذين يقعون في أعراض الناس ويتكلمون في لحوم ويأكلون لحوم الناس. فلهذا فالغيبة ليست بالهينة، الواحد يحتاج أن يعتصم من هذا اللسان، وهذه اللسان من أعظم الأشياء التي يتكل بها اللسان الغيبة؛ لأنها سهل عليها، أسهل الأشياء على اللسان الغيبة، وكذلك أيضا هي أخطرها على اللسان. ولهذا قال في حديث معاذ: "وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟ ما حصدته هذه اللسان". وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث سهل بن سعد: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فكيه أضمن له الجنة". أضمن له الجنة إذا مسك لسانه ومسك فرجه، فإنه قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أضمن له الجنة". وهذا ضمان من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. فهذه بعض الأشياء التي تذكر في هذا المقام وفي هذا الحديث، وكما قلنا فيه تحريم الغيبة وأكل أموال الناس وأكل لحوم الناس، وكذلك أيضا الكلام في أعراضهم. فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.