الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 125، ألقاها
يشرح المقطع حديثًا نبويًا عن أنس بن مالك رواه الترمذي، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم إن من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة. يُبيِّن صحة الحديث وطرق روايته.
يشرح الحديث النبوي الذي يبين فضل سؤال الله الجنة ثلاث مرات، ويستحب للعبد أن يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار في صلاته كما جاء في حديث معاذ.
يشرح أحاديث الجنة والنار ويبين أن سؤال الله الجنة والاستعاذة من النار لا ينافي الرضا بقضاء الله، ويرد على أقوال الصوفية التي ترى أن ذلك يدل على عدم الرضا بقضاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا هناد، هناد هو ابن السري الحافظ العابد الثقة، قال: أخبرنا أبو الأحوص، وهو سلام بن سليم الكوفي، أبو الأحوص الكوفي سلام بن سليم يروي عن أبي إسحاق السبيعي، ويروي أيضًا أبو إسحاق عن أبي الأحوص، هو عوف بن مالك صاحب عبد الله بن مسعود، قال: أخبرنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق، وهو عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني عن همدان من اليمن، قال: حدثنا بريد بن أبي مريم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم أجره من النار». قال: هكذا رواه يونس عن أبي إسحاق، عن يونس بن أبي إسحاق قال: هكذا رواه يونس عن أبي إسحاق هذا الحديث عن بريد بن أبي مريم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نحوه. وقد رواه عن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أنس بن مالك قوله. قال: هذا حديث صحيح. وأخرجه النسائي فقال: أخبرنا قتيبة قال: حدثنا أبو الأحوص به. وأخرجه ابن ماجه فقال رحمه الله: حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا أبو الأحوص به. قال: وأخرجه الإمام أحمد رحمه الله فقال: حدثنا قران بن تمام، وثقة عن يونس عن أبي إسحاق به. وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم أن هذا الحديث رواه يونس عن بريد ورواه عن أبيه. ويونس هذا والد إسرائيل كان أكبر أبناء أبي إسحاق، وقد سمع مع أبيه من مشايخه من مشايخ أبيه، فلهذا فهذا الحديث أحيانًا يرويه عن أبيه عن بريد، وأحيانًا يرويه مباشرة عن بريد. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يسأل رجل مسلم الله الجنة ثلاثًا إلا قالت الجنة اللهم أدخلوه، ولا يستجير رجل مسلم الله من النار ثلاثًا إلا قالت النار اللهم أجره». قال: هذا حديث صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر وهو شاذان قال: حدثنا يونس يعني ابن أبي إسحاق به. وقال رحمه الله: حدثنا ابن نمير قال: حدثنا يونس به. قال: وخرجه ابن حبان كما في الإحسان من حديث يونس بن أبي إسحاق قال: بريد بن أبي مريم به. قال: وخرجه ابن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن فضيل عن يونس بن عمر عن بريد بن أبي مريم به. ويونس بن عمر هو ابن أبي إسحاق السبيعي. قال: فعلم بحمد الله صحة الحديث، ولا يضره قول الترمذي إنه روي عن أبي إسحاق عن بريد عن أنس قوله، إذ قد صح الرفع من طريق أبي إسحاق ومن طريق يونس عن بريد. ولا يضر أيضًا أن يونس رواه عن أبيه عن بريد ورواه بريد مباشرة، فيونس قد شارك أباه في كثير من شيوخه، والله أعلم. فهذا الحديث هذا حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء أيضًا له شاهد من حديث أبي هريرة، لكن فيه سبعًا، فيقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من سأل الله الجنة ثلاث مرات - ثلاثًا -» وجاء في رواية: «ثلاثًا»، وهذا ثلاث مرات أو ثلاثًا ممكن يحمل على ثلاث أوقات، أي سأله في ثلاث أوقات، وممكن أن يحمل على ثلاث مرات في نفس الوقت، يقول: اللهم إني أسألك الجنة، اللهم إني أسألك الجنة، اللهم إني أسألك الجنة. وهذا التكرار يعتبر من الحيلة في الدعاء، وهو قد جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر بالإلحاح في الدعاء، وقال له في الدعاء: «وأن الله يحب الملحين في الدعاء» كما قد تقدم معنا، فلذا فتكريره يعتبر من الحيلة، أو أنه يكرر كما قلنا ثلاث أوقات، يحمل هذا الحديث على هذا وعلى هذا. فإذا قال: «من سأل الله الجنة ثلاث مرات»، أنه يقول: اللهم أدخلني الجنة، اللهم أدخلني الجنة، اللهم أدخلني الجنة، أو يقول: اللهم أسألك الجنة، اللهم أسألك الجنة، اللهم أسألك الجنة. وجاء في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل». ففيه استحباب أن يسأل العبد الجنة، فهو مطلوب العباد، ولهذا جاء في حديث معاذ أو في قصة معاذ، جاء في الرجل الذي خرج من الصلاة وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ذلك الفتى، فماذا تقول يا فتى في صلاتك؟» فقال: أقرأ بفاتحة الكتاب وأسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار، فقال عليه الصلاة والسلام: «حولها أنا» أو قال: «حولها ندندن»، فلأنه قال: وما أدري ما دندنته، ودندن معاذ، أنتم تقرؤون أشياء ما أعرفها، أنا أقرأ الفاتحة وأسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار، فقال عليه الصلاة والسلام: «حولها ندندن حول دخول الجنة والنجاة من النار». فلهذا أيضًا في هذا الحديث: «من سأل الله الجنة قالت الجنة»، أنا في غاية أخرى: «قالت الجنة اللهم ادخله». وقوله عليه الصلاة والسلام: «قالت الجنة» يدل على أن الله عز وجل ينطق الجنة، لا كما قال بعض العلماء، وبعض من تأول هذا الحديث فقال: إنما قالت الجنة قال أهلها، أو قالت الحور التي فيها والولدان، وهذا ليس الصحيح، بل ربنا سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، فهو قادر على أن ينطق الجماد، أن ينطق الجماد. وقد قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، فالنار تقول: هل من مزيد؟ كما أن الجنة أيضًا ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيحين أنه: «قالت الجنة يا رب ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس، وقالت النار يا رب ما لي لا يدخلني إلا المتكبرون»، فقال الله عز وجل للجنة: «أنت رحمتي أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي»، وقال للنار: «أنت عذابي وعذب بك من أشاء من عبادي». وجاء أيضًا في الصحيحين أن الجنة والنار اشتكت أو أن النار اشتكت إلى الله عز وجل، وقالت: «يا ربي أكل بعضي بعضًا»، قالت: «يا ربي أكل بعضي بعضًا»، قال: «فجعل الله عز وجل لها نفسين تتنفس فيهما، نفس في الشتاء فهو أشد ما تجدون من الزمهرير»، أي من البرد، «ونفس في الصيف فهو أشد ما تجدون من الحر». فهذه كلها الأحاديث وغيرها تبين أن الله عز وجل يجعل الجنة تنطق وتتكلم، ويجعل النار تنطق، لأن الله عز وجل على كل شيء قدير سبحانه وتعالى، فيجعل الجماد ينطق، ويجعل أيضًا البساتين وغيرها تنطق، فقالت الجنة أو تقول الجنة: «اللهم أدخله الجنة»، وتقول النار: «اللهم أجره مني». والمراد بالإيجار هو أن يحتفظ أن لا يدخلها، أن لا يدخل النار. أيضًا في هذا الحديث دليل على أن الإنسان أو المسلم ينبغي عليه أن يسأل الله عز وجل الجنة ويستعيذ من النار، وهذا لا ينافي الرضا بقضاء الله وقدر، لا كما يقوله أهل التصوف، فكثير من أهل التصوف يقولون عن أبي سليمان الداراني، وهو من أهل التصوف، يقولون: أنه كان يقول: «لا يستعاذ من النار ولا يسأل الجنة إلا من ليس براضٍ»، إلا من ليس براضٍ، وهذه كلمة خطيرة. لأن الرسل الله عز وجل ما ذكرهم قالوا: «كان يدعوننا رغبًا ورهبًا»، يدعون الله عز وجل رغبًا ورهبًا، يسألونه الجنة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حولها ندندن»، لكن هؤلاء الصوفية يعبدون الله عز وجل بمحبة فقط، ولا يعبدونه بالخوف ولا بالرجاء، فلهذا سماهم السلف زنادقة. فلا يجوز أن يقال مثل هذا الكلام، أو بعضهم يقول أو انتشر أيضًا عندهم وتنسب إلى أبي سليمان الداراني، وذكر شيخ الإسلام أن هذه النسبة غير صحيحة، وكان أساسًا أنه يقول: «اللهم إني عبدتك لا طمعًا في جنتك ولا خوفًا من نارك»، اللهم إني عبدك أو عبدتك لا طمعًا في جنتك ولا خوفًا من نارك، وهذا كلام باطل مخالف للنصوص. فقد كان الأنبياء يسألون الله عز وجل الجنة، ويستعيذون من النار، ويخافون من النار، فكيف يأتي عبد ويتجاوز مثل هذه الجرأة على الله جل وعلا؟ فلهذا فكلام هؤلاء باطل، والذي عليه السنة أن العبد إذا سأل الله عز وجل الجنة فهو راضٍ بقضاء الله جل وعلا، وهو يطلب الرجاء والرحمة من الله سبحانه وتعالى، لأنه يملكها جل وعلا. فلذا قال: «من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم أجره من النار»، فهذا الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء أيضًا كما قلنا في حديث أبي هريرة بصحيح، والشيخ الألباني أن: «من سأل الله الجنة سبعًا قالت الجنة اللهم هبني له» أو «اللهم ادخله»، «ومن استجار من النار سبعًا» جاء في رواية: «في يوم واحد»، «قالت النار اللهم أجره من النار». وأما الحديث الذي اشتهر بعد صلاة الصبح، تجد بعض المساجد يأتي: «من استعاذ من النار سبعًا بعد صلاة الصبح قالت النار اللهم أبعده مني»، هذا الحديث لا يصح، أنها تقال بعد الفجر بعد صلاة الفجر، بل وتجد بعض المساجد يقولونها علنًا وجهرًا، فهو لم تثبت، لكن ثبتت مطلقًا، يقولها مطلقًا. وهذا الحديث فيه وهو أصح من ذلك الحديث الذي فيه سبع، فيه ثلاث مرات: «من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم أجره من النار»، فهذا ما يذكر في هذا الحديث، فنكتفي به والله تعالى أعلم.