أخلاقيات الصائم في رمضان 6

الدرس في أخلاقيات الصائم في رمضان 6، ألقاها

تحذير الصائم من السب والشتم في رمضان

يتناول هذا الفصل تحذير النبي صلى الله عليه وسلم للصائم من السب والشتم والفسوق، ويبين أن هذه الأفعال لا تليق بالصائم وتخرجه من أجر الصيام. كما يوضح أن السب محرم في كل الأوقات ويزداد حرمة في رمضان.

تأثير السب والشتم على المسلم وتوجيهات النبي

هذا الفصل يشرح تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من السب والشتم، وأخبر أن المتسابين شيطانان يتسابان ويتكاذبان، وأكد أن البادئ بالسب هو الظالم ما لم يتعد المظلوم في رده. كما يبين أهمية ضبط النفس في رمضان.

عقوبة السب واللعن وآثارهما السلبية

يُحذر هذا الفصل من سب الوالدين واللعن لأنها من الكبائر التي يعاقب عليها الله في الدنيا والآخرة. اللعن والسب والكفر والفسوق تعتبر من الألفاظ المحرمة التي قد تعود بالضرر على قائلها.

أثر السب على صيام المسلم وأجر الصيام

ينبغي للمسلم ترك السب خاصة أثناء الصيام لأنه يخدش الصيام ويذهب بأجره. الصيام يحتاج إلى ضبط النفس لتحقيق الأجر المرجو منه. نسأل الله التوفيق والسداد في أداء العبادات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، فتتمة لما ذكرناه من قبل في أخلاق الصائم وأدبه. فأيضًا قد ذكر في الحديث المتفق عليه، حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا كان صوم يوم أحدكم، فلا يرفث ولا يفسق، في رواية: ولا يصخب، وفي رواية: ولا يجهل، فإن سابه أحد أو شاتمه، في رواية: أو قاتله، فليقل: إني صائم». فهنا بيّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن السب والشتم والمقاتلة - وهي المضاربة - وأيضًا قد ذكرنا أيضًا الصخب والصياح والمجادلة وغيرها من هذه الأشياء، هنا في الحديث يبين أنها لا تليق بالصائم، لا تليق بالصائم أن يكون كذلك، بل الصائم يكون خلوقًا أيضًا هادئًا ساكنًا ذا وقار، ولا ينبغي أن يكون سبابًا لعانًا. فإنه في هذا الحديث بيّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الصائم لا ينبغي له أن يتلفظ بلفظ السب واللعان، وكذلك جاء في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا: «لا يجهل ولا يفسق». والفسق قال بعضهم: أي السباب والشتم واللعن، ويدخل أيضًا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به والفسق»، وجاء في رواية: «والجهل»، «فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». فهذا عندنا، هذا الحديث يبين التحذير، تحذير الصائم من السب. والسب، عباد الله، هو محرم سواء كان في رمضان أو في غيره، لكنه في رمضان يزداد حرمة، وأيضًا يتعلق بالصيام، له تعلق بالصيام، أن الساب الذي يسب ويلعن ليس له شيء من أجر الصائم، يخرج من أجر الصائم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». فهذا صام عن الطعام والشراب، ولكنه لم يصم عن المحرمات، ومنها السب والشتم. فالسب هو العيب، المراد بالسب في لغة العرب هو العيب، عيب الشخص، فعيبه سبه، ولهذا السب عام، ليس المراد مثلًا أن يسب أمه أو يسب أباه، بل سب يكون كل عيب يواجه به، أن يقول له: يا جبان، يقول له مثلًا: أنت كذا، أنت أحمق، أنت هذا، كله يعتبر من السب، لأنه عيب الرجل أو ذكر ما فيه من العيب. ولهذا جاء في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «وإن سابك أحد أو عيرك بما يعلم فيك، فلا تعيره بما تعلم فيه». أي إذا سابك أحد أو عيرك بما يعلم فيك، أن أشياء فيك عيرك فيها، يا مثلًا: يا جبان، يا أحمق، يا كذا، يا كذا، هذه الألفاظ قد يكون في الشخص نفسه هذه الأشياء، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر: «فإن سابك أحد أو عيرك بما يعلم فيك، فلا تعيره بما تعلم فيه». أي لا ترد أنت وتقول: أنت أيضًا كذا، وأنت كذا. فلهذا قال جابر رضي الله عنه: لما سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رضي الله عنه: فما سببت أحدًا أبدًا، لا إنسانًا ولا حيوانًا، أي بعدما سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلهذا السب جريمة، وهي درجات، السب درجات، يدخل فيه اللعن، ويدخل فيه أيضًا التكفير والتفسيق، ويدخل فيه غيرها من هذه الألفاظ التي فيها عيب للإنسان، فهو السب، كل قول يعاب به الإنسان. فلهذا فالسب جاءت الأحاديث في النهي عنه، فمن ذلك ما جاء في الصحيحين، في حديث أبي وائل وعلقمة وغيرهما، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سباب المسلم فسوق، سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». سباب المسلم فسوق، فسمى السب، سباب المسلم، سماه فسوقًا، أي من الفسق، ومن الخروج عن أمر الشرع، لأن الشرع يحث على التحاب والتآلف وطيب الكلام، والسب ليس من شرع الله جل وعلا، بل إنه من الفسق والخروج عن طاعة الله جل وعلا. وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في مسند الإمام أحمد، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، وكذلك هو عند أبي داود في سننه، عن عياض بن حمار المجاشعي، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المتسابان، شيطانان يتسابان ويتهاتران ويتكاذبان». وجاء في لفظ: «المتسابان شيطانان يتسابان ويتهاتران». يقصد يتهاتران ويتكاذبان، يتهتران، معنى يهتر بعضهما على الآخر، ويأتي له بما فيه وما ليس فيه، ويتكاذبان أيضًا، كذلك هي تابعة للتهاتر، وهو أنه يكذب، يأتي بكلام كذب، الغالب أن الساب غالبًا إذا سب فيقول: أنت كذا وكذا، فيرد عليه الراد فيأتي له بأكثر منه، ثم بعد ذلك يأتي الكذب، إذا استمر في السب يأتي بعد ذلك بالأشياء الكاذبة، فيأتي به فيسبه بأشياء ليست فيه، ويعيبه بأشياء ليست فيه. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يتهاتر المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان». وأخرج لمسلم أيضًا، كذلك في حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «المستبان شيطانان، والبادي أظلم ما لم يعتد المظلوم». قال: «والبادي أظلم ما لم يعتد المظلوم». وهذا الحديث في صحيح مسلم، رحمه الله، أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المستبان شيطانان»، لأن كل واحد يؤزه الشيطان، كأنه شيطان، هذا يسب، هذا يسب، هذا يسب، هذا يسب، في الشخص نفسه. أما إذا تعدى إلى الغير، فهو أعظم، فقد يكون الإنسان أحيانًا له عذر مثلًا في السب، مثلًا في العيب، في الرد، لكن يرد بحق، يرد بحق الله عز وجل، يقول: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، فالمظلوم إذا رد ما في شيء، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، لكن لا يتعدى. ولهذا قال هنا النبي صلى الله عليه وسلم: «المستبان شيطانان»، قال: «وعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم». وقيل: أن المراد أن أكثر الإثم على البادئ، والمظلوم ليس عليه شيء، إلا يحاسب بحسب كلماته، يحاسب بحسب كلماته، إن كانت هذه الكلمات فيها بهتان، وفيها كذب، وفيها تعدي، فهو يحاسب كذلك، مثل الظالم البادئ الذي سب أولًا، والذي عاب أولًا. فإن كان مثلًا رد عن عرضه، لكن بشيء مقبول، بشيء يعيب فيه الشخص، قال له مثلًا: أنت جبان، أنت أحمق، فقال له أيضًا: وأنت جبان، ما رأينا منك الشجاعة، لكن لا يأتي له: أنت فاسق، أنت كذا، أنت كذا، يتعدى على ما يقول ذاك، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فعلى البادئ منهما ما لم يتعد»، فعلى البادئ منهما ما لم يتعد، معناه ما لم يتعد المظلوم. وإلا فالإثم أعظم على البادئ، ولكن أيضًا كذلك أمر آخر، أنه لا يكون هذا السب في غيره، فإنه يتحمل الوزر في الكلام على الغير، فالنبي صلى الله عليه وسلم جاء في الصحيحين عنه، عن عدة من الصحابة، وجاء المشهور عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من الكبائر أن يسب الرجل والده». فاستغرب الصحابة رضي الله عنهم، قالوا: وكيف يسب الرجل والده؟ قال: «يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه»، معناه هو يتسبب في سب أبيه وأمه. فلهذا فهذا الظالم البادئ الذي سب أب الشخص، هو أيضًا آثم، حتى يتحمل الوزر ذاك الرجل الذي هو المسبوب، يتحمل وزره إذا سب أيضًا إذا رجع السب، وليس معنى ذلك أن ذاك معفو عنه، أو أنه لا إثم عليه، لا، بل هو عليه إثم، لأنه تعدى إلى الغير، تعدى سبه وكلامه إلى الغير. فإذا كان تعدى إلى الغير، ولهذا يعتبر هذا من التعدي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فعلى الظالم ما لم يتعدى»، فعلى الظالم ما لم يتعد المظلوم، فمن التعدي أنه يجعل السب على الآخرين، على أبيه، على أمه، على أولاده، على زوجته. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من الكبائر أن يلعن الرجل والده». وجاء في لفظ: «أن يسب الرجل والده»، فقال: «وكيف يسب الرجل والده؟ قال عليه الصلاة والسلام: يسب أبا الرجل فيسب أباه»، أي يقول له: يسب أباه، فيرد ويسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه، وهنا هو المتسبب في سب أبيه، فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم كأنه باشر السب، كأنه باشر السب في أبيه. فلهذا قال: «من الكبائر أن يسب الرجل أباه»، هذا إذا كان هو المتسبب، فكيف بالمباشر؟ وهذه المصيبة حاصلة في هذه الأزمان، وكثير من الشباب تجد أنه لا يبالي يسب أباه ويسب أمه مباشرة، وهذه كبيرة عظيمة من كبائر الذنوب. وأيضًا من أشد العقوبة، الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْلِ إِيهِمَا أُفٍّ﴾، التأفف أمام الوالدين من الكبائر، ومن الإثم العظيم، فكيف بالذي يسبه؟ فهذا مصيبة عظيمة، وهو من البغي الذي يعاقب الله عز وجل عليه في الدنيا قبل الآخرة، معناه ما يكون عليه أيضًا من الحساب والعقاب يوم الآخرة، في يوم القيامة، هذا الذي يسب أباه ويسب أمه، أو يعقه، كما جاء في الحديث الذي خرجه أبو داود وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ذنبين يعجل الله عز وجل عقوبتهما في الدنيا، مع ما يكون له يوم القيامة من عقوق الوالدين والبغي»، عن عقوق الوالدين والبغي، الظلم والاعتداء على حق الآخرين، فإن هذا يعجل الله عز وجل فيه العقوبة في الدنيا، وأيضًا مع ما يكون له في الآخرة. ليس هذا كفارة، العقوبة التي تكون في الدنيا ليست كفارة، بخلاف العقوبة التي تكون على الذنب إذا عاقب الله عز وجل عبدًا في ذنب لنفسه، عاقبه في الدنيا، فهذا كفارة له، إذا عاقبه في الدنيا فهي كالكفارة له، لكن عقوق الوالدين والبغي، هذا في حق الآخرين، هذا الإثم متعلق بالآخرين، فهذا يعاقبه الله عز وجل في الدنيا، وكذلك وزره في الآخرة يبقى، إلا أن يتوب ويتوب الله عز وجل عليه. فلهذا يحذر المسلم من مثل هذه الأمور، السب والشتم، وسب الأب وسب الأم، وغيرها من هذه الأشياء، وأعظم من ذلك أيضًا اللعن، أعظم من ذلك أن يلعن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم في المتفق عليه، بخاري ومسلم، عن أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «ولعن المؤمن كقتله». لعن المؤمن كقتله، لما تلعن المؤمن كأنك تقتله. وأيضًا جاء في الصحيحين، في حديث ابن عمر وغيره، أن اللعن جاء في لفظ في مسلم: «من لعن أخاه حار اللعن»، حار اللعن، إن كانت في صاحبها، وإلا حار عليه. وقال في لفظ: «صعدت إلى السماء»، أن إذا لعن الرجل أخاه، صعدت اللعن إلى السماء، ثم نزلت، فإن كانت في صاحبها، أي استحقها، وإلا حارت على قائلها، حارت، رجعت. وهذا أمر خطير، وكذلك جاء في الصحيحين أيضًا، مما أيضًا يرجع إلى صاحبه أيضًا الكفر والفسوق، كما جاء في صحيحين، في حديث عبد الله بن عمر، قال: «من قال لأخيه: يا فاسق، أو يا كافر، فقد باء بها أحدهما»، فقد باء بها أحدهما، أي أن هذه اللفظة إما في صاحبها، وإلا رجعت إلى قائلها. فلهذا يحذر الإنسان أن يتلفظ بها بهذه الألفاظ، فكما جاء في حديث عبد الله بن عمر، في الترمذي، أو حديث عبد الله بن مسعود في الترمذي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء». وجاء في لفظ: «ولا الفاحش البذيء»، فالمؤمن ليس كذلك، ليس بالطعان ولا اللعان. وجاء في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي لصديق أن يكون لعانًا». وجاء أيضًا في مسلم، عن أبي الدرداء، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة». وهذه عظيمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة»، الإنسان في يوم القيامة يحتاج إلى أن يشفع لأهله، يحتاج لأن يشفع لأولاده، يحتاج لأن يشفع لأبيه، فإذا كان من اللعانين، يمنعه الله عز وجل عن الشفاعة، لا يشفع لأحد. فالمسلم يحذر من هذه الألفاظ التي أولًا هي محرمة عند الله عز وجل، وأيضًا خاصة الصائم، تذهب بصومه، تذهب بما معه من الصوم، فيسب أو يشتم أو يلعن أو كذا، فيذهب ما معه من الصوم، لا يؤجر على صيامه، وإنما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش». وأيضًا الحديث الذي ذكرناه آنفًا، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». فهذا من الأداء التي ينبغي المسلم أن يترك مثل هذا السب، وخاصة الصائم، كما قلنا، يترك هذا السب، لأنه يخدش في صيامه، ويذهب بحقيقة الصيام الذي هو يريد الأجر من هذا الصيام، فيذهب عليه ذلك الأجر. فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد والإعانة. الحمد لله رب العالمين.

شاركنا على