أخلاقيات الصائم في رمضان 8

الدرس في أخلاقيات الصائم في رمضان 8، ألقاها

أخلاق الصائم وفضل الجود في رمضان

ينبغي للصائم التحلي بالجود والعطاء في رمضان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس في هذا الشهر الفضيل. الجود والعطاء في رمضان له أجر عظيم.

خطورة البخل وفضل الإحسان في رمضان

يُنبه على خطورة البخل وضرورة الجود والإحسان في رمضان، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. البخلاء لا يكونون سادة الناس، والجود هو سبيل السعادة.

صفات أهل الإيمان والجود النبوي

يُبين فضل البذل والعطاء وخطورة البخل والشح، مستشهدًا بآيات القرآن وحديث النبي صلى الله عليه وسلم. كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، ويزداد جوده في رمضان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. وما بعد، فأيضا مما يذكر من أخلاق الصائم التي ينبغي أن تكون في الصائم وفي غيره، لكن بالصائم آكد، ولحث الشرع عليها أن يكون معنى أن يكون من أخلاقه أن يكون بادلاً معطيًا، جوادًا سخيًا، مُثَارًا. وكذلك أيضا ينبغي أن لا يكون فيه أو فيها بعض من أضداد الأخلاق السيئة كالبخل والشح وغيرها من هذه الأمور، فإنها لا ينبغي أن يكون الصائم بخيلا، لأنه يسمع ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من جود. وأيضا يسمع أيضا ما يعطي العبد يعطيه الله عز وجل من الخير والثواب، ويجود عليه رب العالمين سبحانه وتعالى، وهو الجواد جل وعلا. وأيضا كما جاء في الصحيحين في حديث ابن عباس: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود في الخير من الريح المرسلة». فهذا يدلك على أن الصائم يكون من أهل الجود، من أهل الإحسان، لا ينبغي أن يكون بخيلا يبخل بما آتاه الله عز وجل من فضله. فإن الله عز وجل قد حذر من البخل، قال الله عز وجل: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾. لا يحسب الإنسان عندما يجمع المال ويبخل به، يبخل به من النفقة الواجبة، نفقته على أولاده، على زوجته، أيضا الزكاة التي يخرجها من هذا المال يبخل بها. فالبخل هنا المراد به النفقة الواجبة، البخل على النفقة الواجبة التي أوجبها الله عز وجل. والجود والإحسان هو أن يتصدق بما معه من الفضل، أن يفعل أكثر من الواجب، فيجود بماله. والجود هو العطاء، ويدخل فيه أيضا السخاء والإيثار، هو أكبر من الجود، الإيثار هو أن يعطي ما هو محتاج إليه، كما قال الله عز وجل في الأنصار: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾. فلهذا يكون الصائم بادلاً، يبدل من ماله، يبدل من طعامه، يبدل مما ينضجه من الطعام، يعطيه جيرانه، ويعطيه هكذا، يحسن إلى الناس، يجود بهذه الأشياء. وأيضا جاء في حديث زيد بن خالد رضي الله عنه الذي أخرجه الإمام محمد الترمذي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من فطر صائما كان له مثل أجره، لا ينقص ذلك من أجورهم شيء». أن من فطر صائما كان له مثل الأجر الذي يتحصله الصائم، وتعلم أن الصائم في طاعات، في عبادات، في خير. وهذا الأجر الذي يتحصله يتحصله من فطره. وهذا أيضا كذلك يحث على الجود وعلى العطاء والبذل في هذا الشهر العظيم. فلهذا لا ينبغي للصائم أن يكون بخيلا شحيحا على ما عنده، لا يعطي، بل يحرص على أن يعطي. جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل: «أي الصدقة أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أنت صدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر». قال: «تخشى الفقر وتأمل الغنى»، معنى أنه عنده مال، لكن المال هذا قليل، قد يبخل على نفسه عنه، أن يبدله فيذهب عليك. فقال: «أنت صدق وأنت صحيح»، أي ليس مريضا، بل صحيح في عافيتك، وكذلك أيضا في حواسك صحيحة. «وأنت شحيح»، أي تظن أنك إذا بدلت هذا المال قد لا تجد غيره أو قد لا تجد ما يكفيك. فلهذا فهذا أفضل الصدقة أن الإنسان يبذل ما عنده. فتجد الصائم وخاصة في هذا الشهر العظيم يعلم هذا الشهر الجود والخير والإحسان للناس. وكما أنه كذلك أيضا ينبغي للصائم أن يبتعد عن ضد هذه الأشياء، البخل عباد الله من أدوى الأدواء، وأيضا مرض فتاك في العبد نفسه، أن يجعله يبخل حتى على الأشياء التي قد تكون عليه واجبة. لأن الإنسان إذا بخل بالإحسان إلى الناس، سيأتي عليه اليوم الذي يبخل أيضا بما أوجبه الله عز وجل عليه. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أنه لا يكون سيد الناس ومن له جاه عند الناس لا يكون أبدا بخيلا. لهذا جاء في صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا بني سلمة من سيدكم؟ قالوا: الجد بن قيس على أننا نبخله. قال عليه الصلاة والسلام: وأي داء أدوى من البخل؟ قال: بل سيدكم ذاك الجواد الأبيض عمر بن الجموح». فسماه النبي صلى الله عليه وسلم جوادا لأنه كان يضيف الناس في الجاهلية، وكذلك كان يضيف أضياف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا السيد الذي يجود والذي أيضا يعطي ويبدل وعنده إثار، فهذا هو السيد الذي ينبغي أن يكون. فلهذا عباد الله، فإن هذه الخصال ينبغي أو هذه الأخلاق، الأخلاق الحسنة تكون في الصائم، والأخلاق السيئة ما ينبغي أن تكون في الصائم، يبخل بما عنده. ولهذا قال الله لما قال الله عز وجل: ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله﴾ ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه الآية أن العلماء تأولوا هذه الآية على كل بخيل، ليس فقط البخل بالمال، بل على كل أمر عنده فضل. حتى قال: يدخل في ذلك العلم، يدخل في ذلك الإحسان، يدخل في ذلك أيضا غيرها من أبواب الخير. فلا ينبغي للمؤمن أن يبخل أو يحث الناس على البخل بعمله أو بقوله، ينصح، يحرص على مالك، لا تبذر مالك، لا تفعل كذا، يأتي إلى من يتصدق ويأتي إلى من يبذل لأن نفسه مريضة ونفسه بخيلة. فلهذا النفس تبخل أن تكون فقيرة، والنفس من طبعها أنها بخيلة وشحيحة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾. ومن يوق شح نفسه إذا وقع الإنسان في شح نفسه، جعلها نفسا باذلة وتعطي، وأذهب عنه هذا البخل والشح، فلا شك أن هذه النفس تفلح. والفرق بين الشح والبخل أن الشح أزيد من البخل، لأن الشح بخل مع حرص، بخل مع حرص أن يتحصل على ما كان عند غيره. فهذا الشح، وأما البخل فهو يبخل بما عنده، يبخل بما عنده من المال أو من غيره. فلهذا الله عز وجل قال: ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا أليما﴾. فلهذا المسلم يبتعد عن هذه الأمور، أي عن البخل والشح وغيرها، ويكون جوادا كريما سخيا، باذلا كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وكما كان الصحابة رضي الله عنهم وسلفنا الصالح. وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا كما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا للمتصدق وللبخيل، للمتصدق وللبخيل. فذكر أنهما كرجلين عليهما جبة من حديد، حتى أدخلت يديهما عند ثديهما أو عند ترقوتهما. فمثل النبي صلى الله عليه وسلم المتصدق والبخيل بهذين المثالين. فقال: «فأما المتصدق فكلما تصدق انفك شيء من هذا الجب حتى تظهر أنامله ثم تظهر يده». وهكذا حتى كلما تصدق كلما انفك من هذا الحديد حتى يتحرر بعد ذلك من هذا. فيكون بادلاً جوادا، معنى الإنسان إذا عود نفسه على البذل على العطاء، بعد ذلك بعد فترة يجد أنه يعطي بدون أن يشعر. حتى فكلما كان معطاه. وهذا قد تجده في بعض الناس، معنى تجد هذا في بعض الناس يعطي حتى الأشياء التي يريدها، التي هو محتاج إليها. وهو كما قال الله عز وجل: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. وقال الله عز وجل: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين﴾. هنا قوله: ﴿وآتى المال على حبه﴾، معنى هو يحب هذا المال، لكنه لما تعود على البذل لله عز وجل، فهو يبدله ويعطي حتى الأشياء التي يحبها. والمال الذي يحبه فهو يعطيه. وكذلك أيضا يبدله. وهذا بما تعود عليه. فجعل الله عز وجل من صفات أهل الإيمان أنهم يبذلون على حبهم لهذا الذي يبذلونه. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا المتصدق كلما تصدق انفكت حلقات هذا الجب أو السطر الذي كان عليه من الحديد». وأما البخيل فكلما أراد أن يتصدق أمسك، فتشبثت فيه حلقات، معنى كلما أراد أن يتصدق شحت نفسه عن هذا المال، وضن بهذا المال، فقبضه. فكأنه تتشبث فيه هذا السطر، ويجعل له أيضا معنى يزداد، يزداد تمسكا فيه. فلهذا فيحبس عن إنفاق المال. فبعد ذلك ما قلنا حتى أنه يبخل بالواجب، يبخل بالواجب لأن نفسه أطاعت جعلته يبخل بما عنده من المال أن يتصدق به. فبعد ذلك كلما ازدادت أو كلما زاد بخله كلما ازداد الحرص عليه. حتى أنه بعد ذلك يبخل بما أوجب الله عز وجل عليه. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام. وكما قلنا أن هذا شهر شهر البذل والعطاء والجود. وأيضا الإنسان عندما يقرأ القرآن ويتدارس القرآن ويسمع القرآن، يجد في قلبه لين في الطاعة، ولين في البذل والعطاء وغيرها. وهذا مما جاء في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يدارسه جبريل القرآن». فلرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «أجود في الخير من الريح المرسلة». والله تعالى أعلم، صلى الله على محمد وآل محمد والحمد لله رب العالمين.

شاركنا على