الدرس في كتاب الأطعمة والذبائح والصيد 2، ألقاها
يتناول هذا الفصل الأطعمة المحرمة في الإسلام مثل الأطعمة الضارة وسباع البهائم، كما يتناول آداب الأكل مثل التسمية والأكل باليمين.
يشرح هذا الفصل آداب الطعام مثل عدم الأكل متكئًا وعدم عيب الطعام، والتحذير من أكل البصل والثوم النيئين عند حضور المساجد.
يتناول هذا الفصل أحكام الذبائح وأنواع التذكية وحكمها، مشيرًا إلى شروط صحة الذبح المتعلقة بالذابح والمذبوح وآلة الذبح.
يشرح هذا الفصل شروط حلال الذبيحة، حيث يشترط في الذابح أن يكون عاقلًا مميزًا، وألا يذبح لغير الله أو على غير اسمه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلف فقه الله: ويحرم من الأطعمة أيضًا ما فيه مضرة، كالسم والخمر وسائر المسكرات والمفترات، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وقوله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. فما فيه مضرة على الإنسان، وقد يسبب في هلاكه وموته، فإنه يحرم أكله واستعماله، كالسم والخمر وسائر المسكرات والمفترات، كالمخدرات والحشيش بسائر أنواعها، فإنها تحرم لما فيها من الضرر العظيم في استعمالها. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ﴿وَهَذِهِ الْأَطْعِمَةِ تَكُونُ سَبَبًا فِي قَتْلِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ﴾، ويقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وهي مما تُهلك الإنسان. وإن كانت من حيث الطهارة ليست بنجسة على الصحيح، لعدم وجود الدليل الذي يدل على نجاستها، لكنها لما فيها من الضرر، وكذلك أيضًا إهلاك الإنسان لنفسه، فحرمت من أجل ذلك. قال: ما قطع من الحي، يعني أيضًا مما يحرم ما قطع من الحي، لحديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميته». والحديث رواه الإمام أحمد بمسنده، وأبو داود، والترمذي، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. إذا عندك شاة مثلًا، وهذه الشاة لها ذيل مليء بالشحم، فقلت: نقطع منه ما يتيسر ونعمل لنا مرقًا وهي حية، فما حكم هذا الشيء لتقطعه منها؟ الجواب أنه ميتة، لا يجوز استعماله، يعتبر ميتة محرمة، هذا معنى هذا الحديث: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة»، يعني في حكم الميتة، والميتة محرمة، حرمت عليكم الميتة والدم، فلا يجوز حينئذ استعماله. ويستثنى من هذا ما ميتته حلال، كالسمك والجراد. قال: رابعًا سباع البهائم، وهي التي تفترس بنابها، أي تنهش من حيوانات البر، كالأسد والذئب والنمر والفهد والكلب، لحديث أبي ثعلب الخشني رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «كل ذي ناب من السباع فأكله حرام». والحديث رواه الإمام مسلم، وحديث أبي ثعلب في الصحيحين. فسباع البهائم، وهي الحيوانات التي تفترس بنابها، يكون لها ناب وتفترس به، فهذه محرمة، كالأسد والذئب والنمر والفهد والكلب والثعلب، ونحوها من السباع، لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن كل ذي ناب من السباع. والحكمة كما قال أهل العلم، ومر معنا في الدروس الماضية: أن الطعام له أثر على صاحبه، فإذا أكل من لحوم السباع، صار عنده شيء من أخلاق السباع، وهو البغي والتعدي، فلأجل ذلك حرم أكل لحومها. قال: خامسًا سباع الطير، وهي التي تصيد بمخلبها، كالعقاب والباز والصقر والحدأ والبومة، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطيور. والحديث في مسلم. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، كما مر، وعن كل ذي مخلب من الطيور. والمخلب هو بمنزلة الظفر للإنسان، فالذي له مخلب من الطيور يفترس به، فهو أيضًا يكون محرمًا، لا يجوز أكله، كالعقاب والباز والصقر والحدأ والبومة، ونحوها من الطيور التي لها مخالب تفترس بها. والحكمة كما مضى في ذكر سباع البهائم: ما فيها من الافتراس والسبعية التي قد تؤثر على من أكل لحمها. قال: سادسًا يحرم من الطيور ما يأكل الجيف، كالنسر والرخم والغراب، لخبث ما يتغذى به، لكونها تأكل الجيف والميتات والنجاسات، فحرمت لأجل ذلك، لما فيها من خبث في غذائها وطعامها. قال: ويحرم كل حيوان ندب قتله، يعني دعي إلى قتله أو استحب قتله، فإنه يحرم أكله، كالحية والعقرب والفأرة والحدأ، لحديث عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خمس من الدواب كلها فاسق، يُقتلن في الحرم: الغراب والحدأ والعقرب والفأرة والكلب العقور». ولكونها مستخبثة مستقذرة. والحديث في الصحيحين. خمس من الدواب كلها فاسق، والفسق هو خروج الشيء عن نظيره، فهذه الدواب لكونها فيها أذية موذية، فخالفت غيرها من الحيوانات، فأذن الشرع في قتلها في الحل وفي الحرم، حتى لو كانت في الحرم، في حدود الحرم، وفي داخل الحرم، فإنه يجوز له أن يقتلها، أي المحرم، وليس عليه شيء. قال: ثامنًا حمر الأهلية، لما روى جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية. والحديث في الصحيحين. نهى النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وذلك لما أصاب الصحابة رضي الله عنهم الجوع، فعمدوا إلى الحمر فنحروها وذبحوها، فغلت بها القدور، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فأمر بإراقتها، ونهى عن أكلها. والحمر الأهلية هي التي تعيش بين الناس، ويستعملها الناس، يقال لها الأهلية، ويقال لها الحمر الإنسية، التي يستعملها الناس في الركوب، وفي حمل الأمتعة، فهذه لا يجوز أكلها. وأما الحمر الوحشية، فمر معنا أنها حلال. تاسعًا ما يستخبث من الأطعمة، كالفارة والحية والذباب والزنبور والنحل، لقول الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. واختلف أهل العلم في قول الله عز وجل: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، ما هو الضابط في معرفة الطيبات، وفي معرفة الخبائث؟ قال بعضهم: الطيب من الأطعمة ما استطابته العرب، حال رفاهيتها، والخبيث ما استخبثه العرب. ولا شك أن إرجاع الطيب والخبيث إلى استطابة الناس أو استخباثهم، هذا يختلف باختلاف الناس واختلاف أحوالهم، فمنهم من ربما يستطيب الخبيث، ومنهم من ربما يستخبث الطيب. وحينئذ لا ينضبط معرفة الطيب من الخبيث. ولهذا الصحيح: أن الطيبات ما أحلها الله جل وعلا، وأن الخبائث ما حرمها جل وعلا، فما أحله الشرع فهو طيب، وما حرمه فهو خبيث. وهذا الذي به ينضبط معرفة الطيب من الخبيث. عاشرًا الجلالة، وهي التي أكثر أكلها النجاسة، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة. ورواه أبو داود، وابن ماجه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. فالجلالة هي التي أكثر أكلها النجاسة، التي تأكل من الطيبات وتأكل من نجاسات، فالدجاج مثلًا أحيانًا يأكل من نجاسات الضأن، وهكذا أيضًا روم الإبل أو البقر أو الغنم في حال جوعها، فإذا حصل ذلك أن أكلت من النجاسة وأكثرت من ذلك، فإن حينئذ لا يجوز أكلها على هذا الحال. فما الذي يفعل؟ تحبس بعيدًا عن نجاسات، وتطعم الطعام الطاهر الطيب، حتى يغلب على الظن ذهاب ما أكلته من أثر هذه النجاسة، فحينئذ يحل أكلها. وسواء في ذلك الإبل والبقر والغنم والدجاج ونحوها، فإذا حبست بعيدًا عن النجاسات وأطعمت الطاهرات، حل أكلها. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يحبسها ثلاثًا إذا أراد أكلها، وقيل تحبس أكثر من ذلك، قيل: إن الغنم تحبس أربعين يومًا، والدجاج تحبس ثلاثة أيام أو نحوها، المهم تحبس بما يغلب على الظن حصول طهارتها وذهاب أثر النجاسة منها. قال: المسألة الرابعة ما سكت عنه الشارع، قال: ما سكت عنه الشارع ولم يرد نص بتحريمه، فهو حلال، لأن الأصل في الأشياء الإباحة. دل على هذا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿لَكُمْ﴾ يدل على الامتنان. والله يمتن على عباده بما خلق لهم في هذه الأرض بأن ينتفعوا به ويستعملوه، وهذا يلزم منه إباحته وطهارته. قال: وحديث أبي الدرداء رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن ينسى شيئًا». وتلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. والحديث أخرجه الحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة. الشاهد منه: «وما سكت عنه فهو عفو»، يعني ما لم يأت فيه تحريم، فالأصل أنه حلال، أنه معفو عنه، فلا بأس باستعماله. قال: المسألة الخامسة ما يكره أكله، قال: يكره أكل البصل والثوم، وما كان في معناه مما له رائحة كريهة، كالكراث والفجل، ولا سيما عند حضور المساجد وغيرها من مجامع الذكر والعبادة، لحديث جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل من هذه الشجرة المنتنة، فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس». والحديث في الصحيحين. يعني شجرة الثوم، وفي رواية: «حتى يذهب ريحها»، يعني إذا أكلها نيئة، ولا شك سيكون لها رائحة في الفم، فإن كان هذا في وقت بعيد من وقت الصلاة، فلا يأتي وقت الصلاة إلا وقد ذهبت الرائحة، لا بأس. أما إذا كان قبل الصلاة، كان يأكلها قبل الظهر أو بعد الظهر، ويأتي وقت العصر والرائحة في الفم، فحينئذ لا يقرب المسجد، حتى لا يتأذى منه الملائكة والناس. قال: فإن طبخ هاتين البقلتين حتى يذهب ريحهما، فلا بأس بأكلهما، لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «فمن أكلهما فليمتهما طبخًا». وفي رواية لجابر رضي الله عنهما: «ما أراه إلا نيئه»، يعني إذا كانت نيئة وأراد أكلها، فليطبخها، إذا طبخت ذهبت رائحتها. قال: المسألة السادسة آداب الأكل، قال: الأكل آداب ينبغي الحرص عليها، وهي أولًا: التسمية عند ابتداء الأكل، لحديث عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». فما زالت تلك طعمتي بعد. والحديث في الصحيحين. ومعنى «تطيش في الصحفة»: يعني يأكل من اليمين ومن الشمال ومن الأمام ومن الوسط، فلا تقتصر على موضع واحد. فلما فعل ذلك، قال له النبي صلى الله عليه وسلم مؤدبًا، وهو ربيبه، وهو ابن أم سلمة، وهي زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». قالت: ما زالت تلك طعمتي بعد، يعني هذه طريقة أكلي. والتسمية عند ابتداء الأكل، الصحيح أنها واجبة، وإن نقل الإمام النووي رحمه الله الإجماع على الاستحباب، لكن هذا ليس بصحيح، كما ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله، وذكر أن جماعة من أهل العلم ذهبوا إلى الوجوب، بل نص عليه الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة، وفي موضع آخر من كتابه «الأم»، نص على وجوب التسمية، وهو الصحيح: أن التسمية في ابتداء الطعام واجبة، لأمر النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك لإخباره: أن الشيطان يستحل الطعام الذي لا يذكر فيه اسم الله. وكذلك أيضًا الأكل باليمين، الصحيح أنه واجب، ويدل على الوجوب: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل بالشمال، وأخبر: أن الشيطان يأكل ويشرب بشماله، والتشبه بالشيطان لا يجوز، فيدل هذا على أن الأكل باليمين واجب. قال: ثانيًا الأكل باليمين، للحديث السابق، كما مر. ثالثًا الأكل مما يلي الشخص، للحديث السابق أيضًا، يعني قوله: «وكل مما يليك»، إلا إذا علم أن مجالسه لا يتأذى ولا يكره ذلك، فلا بأس أن يأكل حينئذ من نواحي القصعة، لحديث أنس رضي الله عنه في قصة الخياط الذي دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام، قال أنس: فرأيته يعني النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة. والحديث في البخاري. قال: رابعًا الحمد في الآخرة، يعني في آخر الطعام، لحديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفعت المائدة من بين يديه، قال: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مودع ولا مستغنى عنه ربنا». ولقوله: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها». حديث أبي أمامة في البخاري. قال: خامسًا الأكل على السفر، لحديث أنس بن مالك: قالت: «ما أكل نبي الله صلى الله عليه وسلم على خوان، ولا في سكرجة، ولا خبز له مرقق». قال: فقلت لقتادة: فعلى ما كانوا يأكلون؟ قال: «على هذه السفر». والحديث في البخاري. قال: سادسًا كراهية الأكل متكئًا، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، كل، جعلني الله فداك، متكئًا، فإنه أهون عليك، فأصغى برأسه حتى كاد أن تصيب جبهته الأرض، قال: «لا، بل أكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد». هذا الحديث أخرجه البغوي في شرح السنة، والإمام أحمد في الزهد، وهو من مراسيل الحسن البصري، ومراسيل الحسن البصري من أضعف المراسيل، وصحح أعلام الألباني رحمه الله بشاهد مرسل آخر. قالوا: لحديث أبي جحيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لا آكل متكئًا». والحديث في البخاري. والأكل متكئًا، من أهل العلم من قال: إن المراد به أن يأكل وهو متربع، ومنه من قال: الاتكاء الميل على أحد الجانبين. والصحيح: أن الاتكاء الميل على أحد الجانبين، يتكأ على مخدة أو وسادة، ويأكل على هذا الحال، هذا الاتكاء، وليس التربع. التربع ليس باتكاء على الصحيح، فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل على هذه الهيئة؛ لأنها من هيئات أهل الترف، وكذلك الغرور والكبر، وأيضًا ربما ليس فيه شيء من معاني التواضع، والنبي صلى الله عليه وسلم كان متواضعًا عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضًا ثبت بالطب: أن الأكل متكئًا قد يكون فيه شيء من مضرة على الإنسان، بعدم حصول هضم الطعام، أو وصوله إلى المعدة بطريقة سليمة، أو نحو ذلك مما قد يتأذى منه الإنسان. وعلى كل، فكراهية النبي عليه الصلاة والسلام هذه الهيئة، فيكره أن يأكل الإنسان متكئًا. قال: سابعًا عدم عيب الطعام الذي لا يريد أكله، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه». والحديث في الصحيحين. هذا أيضًا من الآداب: أن لا يعيب الإنسان الطعام إذا كان هناك طعام ما يريده أو ما أعجبه، فلا يعيبه، ما يقول: هذا الطعام كذا وكذا، إما إن أعجبه أكله، وإن كرهه تركه، هكذا كان خلق النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ثامنًا الأكل من جوانب القصعة، وكراهية الأكل من وسط القصعة، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوتي بقصعة من ثريد، فقال: «كلوا من جوانبها، ولا تأكلوا من وسطها، فإن البركة تنزل في وسطها». رواه الحاكم، والترمذي، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. إذا من آداب الطعام: الأكل من الجوانب، من جوانب القصعة، أو الصحن الذي تأكل منه، ما تذهب تأكل من الوسط، تأكل من الوسط، لا، هذا خلاف الأدب في الطعام، وهو سبب لذهاب البركة، البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، واتركوا وسطه، حتى تحصل البركة. قال: تاسعًا الأكل بثلاثة أصابع، ولعقها بعد الأكل، لحديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاثة أصابع، ولا يمسح يده حتى يلعقها. والحديث صحيح، رواه الإمام مسلم. فالأكل بثلاثة أصابع هذا من آداب الطعام، إذا كان الطعام يمكن أكله بثلاثة أصابع، كالخبز مثلًا مع الإدام، والفتات مثلًا، فتت الخبز مع شيء من الطعام، مع اللحم والثريد، أو مع غيره من الأدم. وإن كان الطعام يحتاج إلى أكثر من ثلاثة أصابع، لا بأس، كالرز مثلًا، الرز يحتاج أن يأكل بأربع أصابع، أو بأصابع الخمس، فلا بأس بذلك. وقوله: «ولا يمسح يده حتى يلعقها»، يعني إذا فرغ من الطعام، قبل أن يغسل يده، أو يمسحها بالمنديل، يلعقها بلسانه، فيأكل ما علق وتعلق بيده من الطعام، هكذا كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا الفعل من السنة، ومن آداب الطعام، وهو أيضًا فيه شكر لنعمة الله سبحانه وتعالى: ألا يذهب منها شيء. قال: عاشرًا أكل ما سقط منه أثناء الطعام، أو تناثر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا سقطت لقمة أحدكم، فليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان». رواه مسلم. إذا سقطت لقمة أحدكم، فليمط يعني يبعد عنها الأذى، إذا علق بها شيء، يبعده ويأكلها، ولا يدعها للشيطان، هذا أدب أيضًا من آداب الطعام: أن الإنسان إذا سقط شيء من الطعام، يأخذه يرفعه، ويزيل ما أصابه من الأذى، إذا كان هذا الأذى شيء يسير. قال: هذه عشر مسائل، قال: الباب الثاني أحكام الذبائح، وفيه مسائل. المسألة الأولى: معناها، وأنواع التذكية، وحكمها. قال: تعريف الذبائح لغة: الذبائح جمع ذبيحة، بمعنى مذبوحة. وشرعًا: الحيوان الذي تمت تذكيته على وجه شرعي، وسيأتي بيان الوجه الشرعي في التذكية. قال: والتذكية هي: ذبح أو نحر الحيوان البري المأكول المقدور عليه، بقطع حلقومه ومرئه، أو عقر الممتنع غير المقدور عليه منها. والعقر معناه الجرح. هذا معنى التذكية: ذبح أو نحر الحيوان الذي يحتاج إلى نحر، ينحر في لبته كالإبل، وما يذبح كالبقر والغنم والدجاج، فتذبح الحيوان البري، أي الذي يعيش في البر، المأكول الذي يوكل ويحل أكله، المقدور عليه، أي ليس متوحشًا ويعيش في الغابات، بل هو مما يكون عند الإنسان ويعيش معه، فهذا يذكى بقطع حلقومه ومرئه، وكذلك أوداجه كما سيأتي في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله، فكله». أو عقر الممتنع غير المقدور عليه منها، يعني بجرحه. عقر الممتنع الذي لا يقدر على تذكيته وذبحه أو نحره، فهذا يجرح، كالصيد كالغزال والأرنب التي تعيش في البر، وغيرها من حيوانات البر، الحمار الوحشي ونحوها، هذه تعقر بجرحها بالسهم أو بالرصاص، أو بالرمح، أو بنحو ذلك. ومنه أيضًا الحيوان المقدور عليه إذا صار غير مقدور عليه، كالإبل إذا توحشت، وما أمكن تذكيتها بالنحر، فحينئذ يجوز عقرها. قال: ثانيًا أنواع التذكية، وحيث أن الذبح يراد به الحيوان الذي تمت تذكيته على الوجه الشرعي، فإنه من المناسب بيان أنواع التذكية التي تبيح أكل الحيوان، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام، كما يتضح من التعريف السابق للتذكية. أولًا الذبح، وهو قطع الحلق من الحيوان بشروط. ثانيًا النحر، وهو قطع لبة الحيوان، وهي أسفل العنق، وهو التذكية المسنونة للإبل، لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. وهو أيضًا أرفق بها، النحر للإبل أرفق بها من الذبح، بخلاف البقر والغنم. ثالثًا العقر، وهو قتل الحيوان غير المقدور عليه من الصيد والأنعام، بجرحه في غير الحلق واللبة، في أي مكان من جسمه، لحديث رافع رضي الله عنه، أي رافع بن خديج، قال: «ند بعير، فأهوى إليه رجل بسهم، فحبسه». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ند عليكم، فاصنعوا به هكذا». والحديث في الصحيحين. ند أي هرب، هرب البعير، فما تمكنوا منه، ما استطاعوا أن يمسكوه، صار مثل المتوحش، فأخذ أحد الصحابة السهم ورماه به، عمله معاملة الصيد، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفعل، وأجازه، فقال: «ما ند عليكم، فاصنعوا به هكذا»، يعني ما هرب، وما استطعتم له، فلا بأس أن تعاملوه معاملة الصيد، تجرحوه في أي موضع من جسمه، مع التسمية، ويحل إذا مات منها من هذه الضربة، فإنه يكون حلالًا كالصيد. قال: ثالثًا حكم التذكية، قال: حكم تذكية الحيوان المقدور عليه أنها لازمة، لا يحل شيء من الحيوان المذكور بدونها، وذلك بلا خلاف بين أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَغَيْرُ الْمَذْكَى﴾. ميتة إلا السمك والجراد، وكل ما لا يعيش إلا في الماء، فيحل بدون ذكاة، كما مضى بيانه في الأطعمة. فتذكية الحيوان المقدور عليه أمر لازم، لا يحل هذا الحيوان إلا بذلك، إذا أردت أن تأكل شاة، فتتركها من غير تذكية، تأتي مثلًا تضربها بشيء ثقيل في رأسها حتى تموت، أو تصعقها بالكهرباء، كما يفعل بعض الكفار في بعض بلاد الكفر، يصعق الحيوان بالكهرباء حتى يموت، ثم يذبح، أو توضع في ماء حار، بعضهم يفعل هذا في الدجاج أيضًا، يوضع في ماء حار وتموت من ذلك، هذا كله يعتبر ميتة، لا يحل؛ لأنه لم يذكى، لا بد من ذبحه وإراقة دمه. قال: المسألة الثانية شروط صحة الذبح، قال: تنقسم هذه الشروط إلى أقسام ثلاثة: أولًا شروط تتعلق بالذابح، ثانيًا شروط تتعلق بالمذبوح، ثالثًا شروط تتعلق بآلة الذبح. أولًا الشروط المتعلقة بالذابح: أولًا أهلية الذبح، بأن يكون الذبح عاقلًا مميزًا، سواء كان ذكرًا أم أنثى، مسلمًا أم كتابيًا. قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾. وهذه الآية في ذبيحة المسلم. وقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. وهذه الآية في ذبيحة الكتابي. قال ابن عباس: «طعامهم ذبائحهم». أما سائر الكفار من غير أهل الكتاب، وكذا المجنون والسكران والصبي غير المميز، فلا تحل ذبائحهم. هذا الشرط الأول: مشروط المتعلق بالذابح الذي سيذبح: أن يكون أهلًا للذبح، بأن يكون الذابح عاقلًا مميزًا، عاقلًا، خرج به المجنون، فالمجنون لا تحل ذبيحته؛ لأنه لا قصد له، ولا عقل له، فهو لا يعرف ما يراد من هذا العمل، والمقصود منه. وهكذا التمييز مميزًا، خرج بذلك الصبي غير المميز، وسن التمييز بالغالب هو سن السابع، السن السابع، ولذلك علقت الشريعة توجيه الخطاب إلى الصبي بالصلاة في هذا السن، إذا بلغ سبع سنين؛ لأن هذا السن هو سن الغالب في التمييز. فإن كان دون ذلك، ابن ست سنين، أو خمس، أو أربع، ابن ست سنين، يأتي ويذبح، لا يحل ذبحه، ولا تحل تذكيته؛ لأنه غير مميز، ولا قصد له، والتذكية لا بد فيها من قصد، والله عز وجل يقول: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، فلا بد من قصد التذكية. قال: ثانيًا أن لا يذبح لغير الله عز وجل، أو على غير اسمه، فلو ذبح لصنم، أو مسلم، أو نبي، لم تحل، لقوله تعالى: عند ذكره المحرم من الأطعمة: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، يعني ما قصد به غير الله، ما قصد به غير الله، ولو ذكر اسم الله عليه. ولو ذكر اسم الله، قال: «باسم الله»، وهو يذبح لصاحب القبر، أو للولي الفلاني، أو يذبح للسلطان تقربًا إليه، أو يذبح للجن، هذا يعتبر مما أهل لغير الله، فلا يحل. وهكذا إذا ذكر غير اسم الله، إذا ذبح باسم الولي الفلاني، باسم الجيلاني، أو باسم العدروس، أو باسم النبي، فهذا أيضًا يعتبر مما أهل لغير الله به، فلا يجوز أكله، ولا يحل. فلا بد أن يقصد به الله جل وعلا، وكذلك أن يذكر اسم الله سبحانه وتعالى عليها، ولا يتقرب بها إلى غير الله، لا يتقرب بها إلى غير الله سبحانه وتعالى. قال: فإذا توافر هذان الشرطان في الذابح، وفي الذبح، حلت ذبيحته، لا فرق في الذابح بين أن يكون رجلًا أو امرأة، كبيرًا أو صغيرًا، حرًا أو عبدًا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.