الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 200، ألقاها
يتناول المقطع شرحه لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه الذي يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر سور مثل "السماء ذات البروج" و"السماء والطارق". يبين المقطع اختلاف روايات الحديث ومسائل متعلقة به.
اختلفت الروايات في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر، حيث جاء في بعضها أنه كان يقرأ بسورة السجدة، وفي أخرى أنه كان يقرأ قدر ثلاثين آية في الركعتين الأوليين. يدل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ أحيانا ويطيل القراءة، وأحيانا أخرى يقرأ بأواسط المفصل ولا يطيل.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الظهر والعصر بطرق مختلفة، حيث كان يطيل في الأوليين ويخفف في الأخيرتين، وقد وردت أحاديث تشير إلى قراءته في الأخيرتين أحيانا. كما وردت أحاديث تبين مقدار قراءته في العصر مقارنة بالظهر.
جاءت أحاديث متعددة حول كيفية قراءة النبي عليه الصلاة والسلام وطولها وقصرها. هذه الأحاديث تشير إلى تفاصيل قراءة النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال شيخنا مقبل بن هادي الوادي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله، وهو محمد بن عيسى بن سورة الترمذي البخاري: حدثنا أحمد بن منيع، وهو أبو جعفر البغدادي، البغوي أو أبو جعفر البغوي البغدادي، ويقال: أبو عبد الله المرهودي، وهو جد أبي القاسم البغوي جده لأمه، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، وهو أبو خالد الواسطي، حافظ من حفاظ الحديث، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر «بالسماء ذات البروج» و«السماء والطارق» وشبههما. قال أبو عيسى: حديث جابر بن سمرة حديث حسن صحيح. قال أبو عبد الرحمن: هو حديث حسن على شرط مسلم. والحديث أخرجه أبو داود، قال: إن ما كان على شرط مسلم حسن. للسماء ما نسيح. قلنا: إنه بعض العلم تكلم في حفظه. وعذا الحديث الله أعلم. أن الحديث أصله في مسلم. بل الظاهر أنه نفس الحديث، لكن فقط الصور التي تختلف. فقد رواه مسلم من طريق شعبة والسفيان والكوفي عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر «بإذا زلزلت» أو «إذا جاء» أو «إذا وقعت الواقعة» أو «إذا يغشى»، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر «بالليل إذا يغشى» ونحوها من السور. وهنا ذكر «والسماء ذات البروج» و«والسماء والطارق». وجاء في رواية أيضا من طريق محمد أو طريق سماك بن حرب عن جابر أنه كان يقرأ عليه الصلاة والسلام في الظهر والعصر «بسبح اسم ربك الأعلى». وجاء في حديث أنس: «كنا نسمع نغمة النبي صلى الله عليه وسلم بسبح اسم ربك الأعلى». فصح على النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ هذه السور. وفي هذا الحديث مسائل عدة. المسألة الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر، خلافا لما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. فابن عباس لما سأله رجل كما جاء في حديث عبيد الله بن عبد الله بن عباس سأله رجل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر والعصر، فقال: لا أدري، أكان يقرأ أم لا؟ وجاء في رواية: أنه قال: إنما كان يسكت. فقال له هذا الرجل: لعله يقرأ في نفسه. فقال: خمشا. على هذا المعنى كأنه يقول: أعظم من الأولى. فهذا أخذ من هذا أن ابن عباس يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يقرأ. ولم يأت عنه أنه يقرأ. وهذا خلاف ما قاله الصحابة الآخرون. قد خالفه أكثر من صحابي، منهم أبو قتادة، ومنهم عبد الله بن أبي أوفى، وأبو سعيد، وزيد بن ثابت، وجابر بن سمرة، وغيرهم من الصحابة الذين ذكروا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء في البخاري: أنه قيل للبراء بن عازب: أكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم. قال: فبما كنتم تعرفونه؟ قال: بالتحريك لحيته. قال: بالتحريك لحيته. فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ. فلهذا قول ابن عباس قد خالفه هؤلاء الصحابة، وهو أقرب للسنة، أي قولهم الذي جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. بل جاء في حديث أبي قتادة في الصحيحين: «أنه كان أحيانا يسمعنا الآية من صلاتي العشي»، يسمعنا الآية أحيانا من صلاة العشي أو صلاتي العشي، أي الظهر والعصر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمعهم الآية أحيانا، هذا يدل على قراءته. والمسألة الثانية: ما الذي كان يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر؟ فاختلفت الروايات في قراءته. فمنها ما جاء أنه كان يقرأ «بتنزيل السجدة». وهذا جاء في صحيح مسلم في حديث أبي سعيد. وجاء في حديث أبي سعيد أيضا في الصحيحين: «كان يقرأ قدر ثلاثين آية في الركعة الأولى والثانية، وكان يقرأ في الثالثة والرابعة أو الأخيرتين قدر نصفها»، أي خمسة عشر آية. فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ كثيرا. وجاء أيضا في حديث عبد الله بن أبي أوفى: أنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر، فيذهب الذاهب إلى البقية»، يذهب الذاهب إلى البقية، ثم يتوضأ ويرجع ويجد النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى. وجاء كذلك أيضا بعض الروايات حديث أبي قتادة مثله، يعني يذهب إلى البقية. البقية هي قريب من المسجد النبوي، يعني يحتاج الذاهب إليها عدة دقائق ويتوضأ. بل جاء في بعض الروايات: «ويذهب إلى أهله ويتوضأ ثم يأتي إلى المسجد ويدرك النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى»، مما يطيلها. وهذا ليس دائما، هذا من باب الجمع كما ذكر ذلك أهل العلم، الخطيب البغدادي، وأبو الخطابي، كذلك ابن عبد البر، والقاضي عياض، وغيرهم من الأئمة الذين جمعوا بين هذه الأحاديث، فقالوا: لعل النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ أحيانا يطيل فيها، وأحيانا يقرأ بأواسط المفصل كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة: «أنه كان يقرأ بأواسط المفصل». كذلك في حديث جابر بن سمرة، وحديث زيد بن ثابت، وحديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم. حديثانا سيدا: «أنه كان يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى». وكل هذه الأحاديث تدل على أنه كان يقرأ بأواسط المفصل. فلعل النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ أحيانا يطيل، وأحيانا يقرأ بأواسط المفصل ولا يطيل. وإذا عارضه عارضا فإنه يخفف. أشد من هذا إذا سمع بكاء صبي أو شيء من هذا فإنه يخفف. فهذه قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في مسألة طولها وقصرها. وأيضا في هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر. المراد به في الأوليين. وأما في الأخيرتين هل فيهما قراءة؟ فجاءت بعض الأحاديث أن فيهما قراءة، كما جاء في حديث أبي سعيد. وجاء في حديث سعد بن أبي وقاص: «لما اشتكى بعضهم إلى عمر، وقال: لا يحسن الصلاة». وقال عمر لسعد: «يا أبا إسحاق، إنهم شكوا حتى في الصلاة». وقال: «أما الصلاة فكنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أمد في الأوليين من صلاتي العشي، وأحذف في الأخيرتين»، أمد في صلاتي العشي في الأوليين وأحذف في الأخيرتين. أحذف معناه: لا أقرأ شيئا مع الفاتحة. وجاء كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة في الأوليين، كما جاء في حديث عبد الله بن أبي أوفى. ويفهم أيضا من حديث زيد بن ثابت. وأيضا حديث أبي هريرة الذي رواه سليمان بن يسار عنه. وأما الأخيرتان فكان أحيانا يقرأ فيهما، وهذا يتبين من حديث أبي قتادة. وحديث أبي قتادة قال: «وكان يقرأ في الأخيرتين قدر نصف الأوليين». وهكذا جاء مثله أو نحوه في حديث أبي سعيد الذي يخرجه الإمام مسلم، فدل على أنه يقرأ. قال: يقرأ بعد الفاتحة. يقرأ بعد الفاتحة في الأخيرتين، لكن أحيانا. لأنه قد جاءت كما قلنا أحاديث أنه لا يقرأ. فلهذا كما قلنا خلاصة ما يذكر في صلاتي الظهر والعصر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحيانا يطيل، كان يطيل فيقرأ قدر ألف أو السجدة «تنزيل السجدة»، وأحيانا يقصر فيقرأ أوائل المفصل «إذا السماء» كما جاء في هذا الحديث «إذا السماء» و«والسماء ذات البروج» وكذلك «والسماء والطارق». وجاء كذلك «إذا السماء شقت». جاء «سبح اسم ربك الأعلى» و«والليل إذا يغشى» ونحوها من السور. وأما العصر فهي على نصف من قراءة صلاة الظهر، على نصف من قراءة صلاة الظهر. بل بعضهم يقول كما جاء عن الإبراهيم النخعي: أن صلاة العصر مثل صلاة المغرب، صلاة العصر مثل صلاة المغرب، يقرأ بقصار مفصل. لكن لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في العصر بقصار مفصل. لكنها على نصف وعلى نصف ممكن تحمل أنه يقرأ بقصار مفصل أو يقرأ مثلا بما يشابه «التين والزيتون» وغيرها. لكن لم يثبت شيء يعين السور التي كان يقرأها. فهذا خلاصة إن شاء الله تعالى ما يذكر في قراءة صلاة الظهر كذلك صلاة العصر، ما جاءت من أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. جاءت عدة أحاديث كما قلنا في كيفية القراءة وفي طولها وفي قصرها، وكذلك في أنه كان عليه الصلاة والسلام يقرأ. والله تعالى أعلم.