الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 7، ألقاها
عقيدة أهل السنة والحديث أن القرآن كلام الله غير مخلوق، واستدلوا على ذلك بأقوال السلف وأئمة الإسلام. القرآن هو كلام الله المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
استدل الإمام أحمد وأهل العلم على عدم خلق القرآن بقول الله تعالى، واعتبروا القول بخلقه كفراً. أئمة الإسلام الأربعة صرحوا بأن القرآن غير مخلوق.
القرآن كلام الله غير مخلوق، بينما لفظ القارئ وصوت الإنسان مخلوقان. من يعتبر القرآن مخلوقا يعتبر كافراً عند أهل السنة.
من يقول بأن صفة من صفات الله مخلوقة يعتبر كافراً ولا تقبل شهادته، ويعامل معاملة المرتد عن الإسلام. هذا القول يعد كفراً لأنه يتنافى مع أصول الإسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله: قال القرآن كلام الله وتنزيله غير مخلوق. قال: ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله وكتابه وخطابه ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عنده. قالوا: القرآن الذي هو كلام الله ووحيه هو الذي نزل به جبريل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قرآنا عربيا لقوم يعلمون، بشيرا ونذيرا، كما قال جل وعز: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾. ثم ذكر فهنا في هذا المبحث ذكر المؤلف مسألة القرآن وأنه كلام الله عز وجل، تنزيله غير مخلوق. قالوا: ويشهد أصحاب الحديث، والمراد أصحاب الحديث أي عقيدة عقيدتهم، الذين اهتموا بهذا الحديث نقلا، وكذلك أيضا عملا، والمقصود أن هذه عقيدتهم، فمن اعتقد عقيدتهم فهو منهم، فهو من أهل الحديث، وهم أهل السنة. ولهذا قال في هذا الكتاب عقيدة أهل أصحاب الحديث، أو عقيدة السلف وأصحاب الحديث، عقيدة السلف وأصحاب الحديث. فقالوا: ويعتقدون أن القرآن كلام الله. القرآن يقال أنه سمي قرآن لأنه قرنت آياته بعضها البعض، قرنت آياته بعضها البعض، فسمي قرآنا. قال: أن القرآن كلام الله، وهذا اعتقاد السلف، قد صرح به جماعة من السلف، منهم عمر بن دينار من التابعين، ومنهم أيضا سفيان الثوري من أتباع التابعين، وكذلك أيضا شعبة، وكذلك غيرهم من الأمة، ومن الأمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي. وأما أحمد فقد اشتهر عنه ذلك، فهذه العقيدة هي عقيدة أئمة الإسلام، لم يكن أحد قبلهم غير ذلك إلا الجهمية، فإنهم نفوا أن يكون القرآن كلام الله. وهذه مقالة الجعد بن جرهب، ثم أخذها الجهم بن صفوان. قال رحمه الله: وكتابه وخطابه ووحيه وتنزيله غير مخلوق. والقرآن تنزيل من عند الله عز وجل، وهو صفة من صفاته، أي كلامه جل وعلا. ومما يدل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾، فسماه كلام الله. وفرق ربنا جل وعلا بين كلامه وأمره، بين كلامه وأمره، فجعل كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾، فجعل الخلق غير الأمر. ولهذا جعل القرآن من الأمر، كما استدل بذلك الإمام أحمد بقول الله عز وجل: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾. فقوله جل وعلا: ﴿كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾، فجعل القرآن من أمر الله، لأنه صفة من صفاته سبحانه وتعالى، فلهذا فهو ليس من خلق الله، بل من أمره سبحانه وتعالى، وأمره غير خلقه كما فرق في الآية جل وعلا. فلهذا أخذ بهذا السلف رحمه الله. وقال: من قال بخلقه واعتقده فهو كافر عنده. صرح بهذا جماعات من أهل العلم، منهم الإمام الشافعي رحمه الله، ومنهم كذلك أيضا جاء أبو حنيفة في الفقه الأكبر، وجاء أيضا عن وكيع وعن ابن المبارك وعن أيضا أحمد وسفيان ابن عيينة وعلي ابن المديني، وجماعات من السلف كفروا من قال أن القرآن مخلوق، ومن اعتقد أيضا أنه ليس كلام الله. وكذلك أيضا هو عقيدة أهل الشام ومقدمهم الإمام الأوزاعي رحمه الله، كذلك عقيدة أهل مصر في مقدمتهم الليث بن سعد، رحمة الله عليهم أجمعين، فهم كانوا أئمة الناس في ذلك الوقت، الأوزاعي بالشام، والليث من مصر، ومالك من المدينة، وسفيان بن عيينة في مكة، وسفيان الثوري في الكوفة، وكذلك شعبة وغيره في البصرة، وقبلهم أيوب بن أبي تميم السختياني، وأيضا كذلك صاحبه يونس بن عبيد، وغيره من أئمة الإسلام. قال: هو الذي نزل به جبريل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قرآنا عربيا لقوم يعلمون، بشيرا ونذيرا، كما قال عز وجل: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾. قال: وهو الذي بلغه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمته كما أمر به في قوله جل وعلا: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾. وكان الذي بلغهم بأمر الله تعالى، وفيه قال عليه الصلاة والسلام: «أتمنعوني أن أبلغ كلام ربي؟» وهذا الحديث صحيح قد خرجه الأئمة عن عدة من الصحابة، ومنهم جابر، خرجه الإمام أبو داود رحمه الله في سننه، وكذلك أيضا خرجه أحمد في مسنده، والبخاري في خلق أفعال العباد، وغيره من أئمة الإسلام بإسناد صحيح عن جابر. وجاء كذلك عن طارق بن عبد الله المحاربي، وجاء عن غيره من الصحابة. وكان يقول عليه الصلاة والسلام في المواسم في حجاز وغيرها: «هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي؟» قال: وهو الذي تحفظه الصدور وتتلوه الألسنة ويكتب في المصاحف، أي هذا كله قرآن، هو كلام الله المكتوب في المصاحف، والمتلو بالألسنة هو كلام الله. من قال غير ذلك فهو جهمي. قال: كيفما تصرف بقراءة قارئ ولفظ لافظ وحفظ حافظ وحيث تلي وفي أي موضع قرأ، معلوم أن هذا هو قرآن، سواء كان قراءة أو حفظا في مصحف أو حفظه الحافظ في صدره، وكل ذلك قرآن. وأراد أن يرد على الذين قالوا بأن لفظي بالقرآن مخلوق، وهذه دسيسة جاءت لبعض المميعين، فقال: لفظي بالقرآن مخلوق، وهذا كلام غير صحيح. لأنه في احتمال أن اللفظ بالقرآن الذي يخرج هو مخلوق، وهذا باطل، بل أن هذا القرآن الذي يتلوه القارئ هو كلام الله، لكن الصوت صوت القارئ مخلوق، وكذلك الورق الذي تكتب فيه المصاحف هو مخلوق، والمداد الذي يكتب به المصحف أيضا مخلوق، لكن الكلام الذي كتب به فهو كلام الله جل وعلا، كيفما تصرف بقراءة قارئ ولفظ لافظ وحفظ حافظ وحيث تلي وفي أي موضع قرأ أو كتب في مصاحف الإسلام وألواح صبيانهم وغيرها، كله كلام الله غير مخلوق. فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم. قال: سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ، ومحمد بن عبد الله بن بيع حافظ كبير، ومحافظ الإسلام، صاحب كتاب المستدرك، قال: يقول سمعت الإمام أبا الوليد حسان بن محمد، وهو أيضا إمام حافظ كبير، فقيه من فقهاء شافعية، أنه كان له علم الحديث. قال حسان بن محمد رحمه الله: سمعت الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. والإمام أبو بكر محمد بن إسحاق هو إمام الأئمة، صاحب كتاب الصحيح، ابن خزيمة رحمه الله. قال: قال القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن قال إن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، لا تقبل شهادته، ولا يعاد المريض، ولا يصلى عليه إذا مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وهذا إسناده صحيح، خرجه هنا الإمام الصابوني بهذا الإسناد العظيم، إسناد أئمة، وقول الإمام مشهود له بالإمامة. فذكر أن من قال بهذه المقالة هو كافر، لا تقبل شهادته، ولا يعاد المريض، لأنه في حد الكافر الذي ارتد عن الإسلام، فقال لصفة من صفات الله أنها مخلوقة، وهذا لا شك أنه كفر. ثم ذكر مسألة اللفظ، وسوف إن شاء الله تعالى نكمل الكلام عليها. فنكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.