صنائع المعروف 6

صنائع المعروف 6

فضل بر الوالدين وتوسل العمل الصالح

تستعرض الحلقة كيف أن بر الوالدين يُعد من أعظم صنائع المعروف التي تدفع المصائب وتنجي من الكرب، مستشهدة بحديث الثلاثة في الغار حيث كان أولهم باراً بوالديه الشيخين ففرج الله عنهم. وتؤكد أن التوسل بأخلص الأعمال الصالحة يُفتح به أبواب الفرج الإلهي.

بر الوالدين عند الكبر والعجز

يؤكد المقطع وجوب الإحسان للوالدين خاصة في حال الكبر والعجز، مستدلاً بالقرآن والسنة، ويضرب مثلاً بابن آثر راحة والديه على نفسه وأولاده مقارناً ذلك بإهمال كثير من الأبناء اليوم. كما يذكر قصة الرجل الثاني في حديث الغار الذي توسل ببر والديه فانفرجت الصخرة.

قصة الثلاثة في الغار: العفة والأمانات

يروي المقطع قصة الرجل الذي امتنع عن الزنا رغم رغبته وترك المال لله، والرجل الذي أدى أمانة الأجير فبارك الله في ماله، وكيف توسلوا بأعمالهم الصالحة ففرج الله عنهم. ويشير إلى تعظيم حرمات المسلمين وأداء الحقوق كسبيل للنجاة.

دعاء رفع الوباء وحفظ البلاد

يختتم المتحدث بدعاء الله تعالى أن يدفع الوباء والمرض عن بلده وبلاد المسلمين، وأن يجعلها طاهرة نقية من الأوبئة. ويختم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله.

التفريغ النصي الكامل

اخذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين صنائع المعروف للشيخ الفاضل أبي عبد الله محمد باجعالة البدرس بدار الحديث بالشحر صنائع المعروف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المستمعون الكرام، هذه حلقة جديدة من حلقات برنامجكم صنائع المعروف، التي من خلالها نتذاكر الحث والترغيب على اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف وقضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم، وأن هذه الأعمال وغيرها من أبواب المعروف تعتبر من أحب الأعمال إلى الله تبارك وتعالى وأعظمها أجرا وأجزلها ثوابا. وهكذا صنائع المعروف تعتبر سببا لدفع الله عز وجل عن العباد المصائب المهلكة ومصارع السوء المردية، فكم يدفع الله عز وجل عن البلاد وعن العباد النكبات والمصائب والفتن العظيمة بسبب صنائع المعروف التي يقوم بها من وفقه الله تبارك وتعالى، فجعله مفتاحا للخير مغلاقا للشر. ومما ورد في أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء ما جاء في الصحيحين من حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، قال: فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم». وهذا فيه التوصل إلى الله تبارك وتعالى بالعمل الصالح، وهو من أنواع التوصل المشروع الذي دلت عليه آيات القرآن وأحاديث السنة. وهكذا أيضا فيه ما سبق الإشارة إليه أن اصطناع المعروف وبذل الخير والمعروف والإحسان للآخرين يعتبر سببا من أسباب النجاة من المصائب ومن الكرب ومن الفتن العظيمة، فهؤلاء الثلاثة علموا أنه لا ينجيهم من هذه الكربة إلا أن يدعو كل منهم بأرجى عمل صالح قدمه يرى أنه أخلص فيه لله تبارك وتعالى، ويا لله كم يكون للعمل من أثر كبير وعظيم إذا وجد معه الإخلاص لله تبارك وتعالى. فقام الأول منهم فقال: «اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا». وقوله: «وكنت لا أغبق»، الغبوق هو شرب اللبن في وقت العشي، أي قبيل المغرب، فيذكر أنه كان لا يقدم على والديه أحدا من أهله أو ماله، لا زوجة ولا أولاد ولا خدم ولا عبيد ولا غيرهم. قال: «فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما». وقوله: «فنأى» أي بعد بي طلب الشجر، في ذلك اليوم كان المرعى بعيدا جدا، ولهذا قوله: «فلم أرح» أي لم أرجع عليهما حتى ناما. قال: «فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبث والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر»، أي حتى ظهر ضوء الفجر، «قال: والصبية يتضاغون عند قدمي»، أي يصيحون من الجوع ويريدون اللبن، لكن كره أن يقدم أحدا على والديه. قال: «فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة»، قال: «فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه». فهذا توسل إلى الله عز وجل ببره بوالديه وإحسانه مع أبويه، ولا سيما وقد بلغ من الكبر عتيا، فلهذا قدم الإحسان إلى الوالدين على غيرهما. وقد أرشد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى أن الوالدين هما أولى الناس بالإحسان وأولى الناس بالبذل، جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحق الناس بحسن صحابتي؟» قال: «أمك»، قال: «ثم من؟» قال: «أمك»، قال: «ثم من؟» قال: «أمك»، قال: «ثم من؟» قال: «أبوك». ويتأكد حق الوالدين إذا أصبحا كبيرين، إذا أصبحا عاجزين عن العمل، إذا أصبحا عاجزين عن الحركة، هنا يحتاجان إلى نفقة الولد وإلى معونة الولد وإلى خدمة الولد. وإلى هذا أشار ربنا تبارك وتعالى في قوله عز وجل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمَهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. فقوله عز وجل: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾، الكبر في السن والحال، فهنا يتأكد حاجة الوالدين إلى هذا الولد. وفي حديث أبي هريرة في صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه»، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، فلم يدخله الجنة». تأمل رعاك الله إلى حال هذا الولد الذي أتى باللبن فوجد والديه نائمين، فانظر إلى الأدب، كره أن يوقظهما وأن يقطع عليهما راحتهما ولذة نومهما، فبقي قائما ينتظر استيقاظ الوالدين، ينتظر استيقاظ الوالدين حتى برق الفجر، وصبيانه حوله يصيحون من الجوع، لكنه كره أن يقدم أحدا على والديه. لك أن تقارن بين هذا الموقف وبين موقف كثير من الأبناء اليوم، الذين لربما يشتري أحدهم العصائر الطازجة والأطعمة اللذيذة من السوق أو يأتي بها من المطعم، ولربما يمر بها بين يدي والديه ولا ينالهما من ذلك شيئا إلا الحسرة وإلا الندم وإلا الاشتهاء والرغبة في ذلك الطعام. وهكذا لربما تحايل البعض من الأبناء، فجعل بعض الأطفال الصغار من أولاده يصعدون بسرعة بذلك الطعام دون أن يراه الوالدان، أو لربما ألقاه من النافذة من الخارج. أيها الأحبة في الله، ينبغي أن نعلم أن الوالدين تعبا كثيرا لأجل أن نرتاح، وسهرا كثيرا لأجل أن ننام، وجاعا لأجل أن نشبع، كم حرما أنفسهما من أجل أن نتمتع نحن بالراحة وبالطعام والشراب والملبس. كم من الأبناء يشتري له ثيابا في العيد وغيرها، ولربما لا يكلف نفسه أن يشتري ولو شيئا يسيرا لوالديه، يشتري ثوبا لأمه ونعلا لها وعباية أو خمارا لأمه تكون هدية عظيمة بمناسبة العيد، يشتري إمامه، يشتري معوزا، يشتري شميزا، يشتري غيرها من الأشياء التي يحتاجها والده. فهذا من الأمور التي ينبغي الانتباه لها. فتوسل هذا الأول بإحسانه إلى والديه وبذله مع والديه، فانفرجت الصخرة شيئا، لكن لا يستطيعون الخروج منه. ثم قال الآخر: «اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إلي»، وفي رواية أنه قال: «كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء»، قال: «فأردتها عن نفسها فامتنعت»، أراد أن يزني بها، أراد أن ينتهك عرضها، لكنها امتنعت. قال: «فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين»، سنة من السنين أي نزلت بها سنة من السنين المجدبة، فاحتاجت حاجة شديدة إلى المال. قال: «فجاءتني فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت بسبب الحاجة وبسبب الظروف الصعبة، قبلت أن تبيع عرضها ويذهب شرفها». قال: «حتى إذا قدرت عليها»، وفي رواية: «فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه». المرأة تتألم حين ترى شرفها يضيع وعفتها وبكارتها تزول، فقالت هذه الكلمة التي خرجت من أعماق قلبها: «اتق الله»، وهذه كلمة تتصدع لهولها الجبال، وهكذا تتشقق لعظمتها الأرض. «اتق الله»، أي لا يجوز لك ولا يحل لك أن تفعل ذلك، ألا تستحي من الله عز وجل أن يراك على هذه الحالة وفي هذا المنظر؟ «ولا تفض الخاتم إلا بحقه»، وهذا كناية عن الفرج وعذرة البكارة، والمعنى: لا تزل عفافي إلا بالزواج المشروع إلا بحقه. قال: «فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها». «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه»، قال: «فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منه». فهذا توسل إلى الله عز وجل بعفته عن الحرام وبعده عن الزنا وانتهاك أعراض المسلمين، وأن هذه الكلمات التي ذكر بها كان لها أثر عظيم في نفسه وفي قلبه، فترك تلك المرأة ولم يقع في الفاحشة، ومع هذا كله ترك الذهب الذي كان قد أعطاها إياه، ما قال: بما أن الموضوع لم يتم والزنا لم يحصل إذن أعيدي إلي مالي، وإنما تركه لله ومن أجل الله تبارك وتعالى. ولك أن تقارن أيها الأخ الحبيب بين موقف هذا الرجل وبين من يبحثون بل ويلهثون في الأسواق وفي السواحل وفي الأندية وفي غيرها وفي غيرها من المواضع بحثا عن عورات المسلمين وانتهاك حرمات المسلمين، فلربما يقع أحدهم في الفاحشة ويستره الله عز وجل ثم يكشف ستر الله تبارك وتعالى عنه. فهذا الحديث فيه الحث على تعظيم حرمات المسلمين والبعد عن أعراضهم. قال الثالث: «اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب»، قال: «فثمرت أجره»، قد يكون أجر يوم أو أسبوع أو أيام، «قال: فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين»، أي بعد مدة وزمن، «فقال: يا عبد الله أدي إلي أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق»، أي العبيد المماليك. «فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: لا أستهزئ بك، قال: فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا». ما قال: حتى بسبب تعبك وبسبب عنائك وبسبب معروفك خذ هذه الناقة أو هذه الشاه أو تلك البقرة جائزة مني لك، وإنما أخذه كله فلم يترك منه شيئا. ولما كان عمل هذا الإنسان لله عز وجل لم يطلب منه شيئا، «إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا». قال: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه»، قال: «فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون». وهذا الثالث توسل إلى الله عز وجل بأداء الأمانات إلى أهلها وإعطاء الحقوق لذويها ومحافظته على الودائع وحقوق المسلمين، وهذا يعتبر من الأعمال العظيمة التي رغب فيها شرعنا. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة»، وذكر منهم: «ورجل استأجر أجيرا فلما استوفى منه لم يؤده أجره ولم يعطه أجره». وفي حديث ابن عمر عند ابن ماجة وحسنه الألباني قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». فهذه بعض خصال المعروف وبعض الصفات الحميدة التي اتصف بها هؤلاء، فكانت سببا لدفع البلاء ورفع البلاء عنهم وتفريج تلك الكربة عنهم بسبب هذا المعروف الذي اصطنعوه. وتذكر أخي الحبيب قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة». نسأل المولى تبارك وتعالى أن يحفظ بلدنا خاصة وسائر بلاد المسلمين عامة، وأن يجنبه الفتن والمصائب والأوبئة والزلازل والفتن ما ظهر منها وما بطن. نسأل المولى تبارك وتعالى أن يدفع عن بلدنا هذا خاصة وبلاد المسلمين عامة هذا الوباء وهذا المرض الذي انتشر في كثير من بلاد العالم، نسأل الله أن يجعل بلدنا خاليا طاهرا نقيا من هذه الأوبئة وهذه الأمراض، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين صنائع المعروف للشيخ الفاضل أبي عبد الله محمد باجعالة البدرس بدار الحديث بالشحر صنائع المعروف شكرا