يشرح المقطع قاعدة شرعية في تزاحم أفعال الخير، وهي تقديم الواجب على المستحب والأعلى نفعاً على الأدنى، مستدلاً بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في حق الجسد والزوج والضيف، وكلام سلمان الفارسي وأقوال العلماء كابن الملقن والسعدي. كما يضرب أمثلة عملية كنفقة الوالدين والأولاد قبل غيرهم.
يبيّن المقطع أصولاً عظيمة في المعاملة الإسلامية، منها تقديم الأقارب الأشد حاجة، وبر الجيران بالأقرب فالأقرب، ومحبة المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، ومعاملة الناس بما يحب أن يعامل به. ويؤكد أن الأصل في التعامل الرفق لا العنف، لأن الله رفيق يحب الرفق ويمنح عليه ما لا يمنح على الشدة.
يتحدث المقطع عن مكانة الرفق والإحسان في الإسلام، موضحاً أن الله يحب الرفق ويمنح عليه أجراً عظيماً، ويأمر بالإحسان إلى الناس والوالدين والزوجة والأولاد والأرحام والجيران وحتى الحيوان. ويستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تبين أن الرفق أصل من أصول الدين وسبب لمغفرة الذنوب ونيل الدرجات العلى.
يستهل المقطع بآية قرآنية تأمر بالعفو والأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين، ثم يُعرِّف بكتاب "صنائع المعروف" للشيخ الفاضل أبي عبد الله محمد باجعالة البدرس، المُدرَّس في دار الحديث بالسحر. ويشير إلى أهمية هذا الكتاب في جمع أبواب المعروف وصنائعه.
اخذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين صنائع المعروف الشيخ الفاضل أبي عبد الله محمد باجعالة البدرس بدار الحديث بالسحر صنائع المعروف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المستمعون الكرام، هذه الحلقة من حلقات برنامجكم صنائع المعروف التي نتذكر من خلالها بعض الأصول والقواعد المتعلقة باصطناع المعروف وإغاثة الملهوف والمسارعة إلى نفع المسلمين وتقديم المساعدة لهم. ومن هذه القواعد هذه الأصول النافعة: أن نعلم أنه إذا تزاحمت أفعال الخير في نفع العباد وغيره، فإننا نقدم ما كان واجباً أو كان أعظم نفعاً. وقد جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «إن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً» ومعنى لزورك: أي لضيفك عليك حقاً، «وإن لزوجك عليك حقاً». أكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا جاء عند الإمام البخاري وغيره من حديث سلمان الفارسي أنه قال لأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما: «إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعطي كل ذي حق حقه، فأعطي كل ذي حق حقه». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدق سلمان، صدق سلمان». ذكر الإمام ابن الملقن رحمه الله تعالى، كما في التوضيح لشرح الجامع الصحيح، قال: «وحق الجسم أن يترك فيه من القوة ما يستديم به العمل، لأنه إذا أجهد نفسه قطعها عن العبادة وفترت». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وينبغي عند تزاحم العبادات وعند كثرة أفعال الخير أن يقدم المسلم ما ظهر رجحان تقديمه على غيره، فيقدم الراجح على المرجوح، ويقدم كذلك الواجب على المستحب. وقد ذكر العلامة السعدي رحمه الله تعالى، كما في كتابه القواعد والأصول الجامعة، ذكر عند القاعدة الثالثة والثلاثين: «إذا تزاحمت المصالح قدم الأعلى منها، فيقدم الواجب على المستحب، والراجح من الأمرين على المرجوح». وهكذا ذكر رحمه الله تعالى أنه يجب تقديم من تجب نفقته على من تستحب وعلى الصدقة المستحبة، ويجب تقديم من تجب طاعته على من تستحب. وهذه القاعدة لها أمثلة كثيرة وعظيمة: فيقدم الإنسان النفقة على من تجب عليهم نفقتهم كالأولاد والزوجة، على من تستحب كالإخوان أو الأقارب أو غيرهم. وهكذا أيضاً إذا كان عنده أرحام، فيقدم من كان حاجته أشد على من كان عنده من الإيسار ما عنده، وعنده من المال ما عنده. وهكذا في الجيران: فأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها لما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن جيرانها، وأن لها جيران، فإلى من تهدي؟ فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم: «إلى أقربهن باباً، إلى أقربهن باباً». أكذا أمرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأيضاً من هذه القواعد وهذه الأصول التي ينبغي مراعاتها: أن من حسن معاملة المسلمين أن يحب لهم ما يحب لنفسه، أن يحب إخوانه المسلمين من الخير ما يحبه لنفسه. وقد جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». أخرجه البخاري ومسلم. «لا يؤمن أحدكم» أي: لا يكمل إيمانه، «حتى يحب لأخيه» أي: أخيه المسلم، «ما يحب لنفسه» أي: من الخير. وأيضاً قد جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما عند الإمام مسلم رحمه الله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه». وهذه قاعدة في التعامل مع الآخرين: «وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه». قال الإمام النووي رحمه الله تعالى، كما في شرحه على صحيح الإمام مسلم: «قوله صلى الله عليه وسلم: وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، قال: هذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم وبديع حكمه». وهذه قاعدة مهمة، ينبغي الاعتناء بها، وأن الإنسان يلزم أن لا يفعل مع الناس إلا ما يحب أن يفعلوه معه. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وهذا يعتبر أصلاً عظيماً، إذا قام به المسلمون وعملوا بمقتضاه تسود الألفة والمحبة والأخوة بين المسلمين. فكما أننا نحب من إخواننا أن يبذلوا لنا المعروف وأن يعاملونا بالإحسان، كذلك أيضاً ينبغي أن تكون معاملتنا معهم بالمعروف وهكذا بالخير. وهكذا أيضاً مما أو من هذه الأصول وهذه القواعد المتعلقة بالمعروف: هو أن نعلم أن الأصل في تعاملنا مع غيرنا من المسلمين أن يكون بالرفق، لا بالشدة والعنف. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول، كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: «يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه». يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه. والرفق مطلوب في جميع الأمور، سواء الرفق في التعامل مع الناس، أو الرفق في التعامل مع الحيوان، وهكذا غيرها. فالله تبارك وتعالى يحب الرفق، أمرنا سبحانه وتعالى بالإحسان: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. وهكذا أمر بالإحسان على كل شيء، كما جاء في حديث أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء». ويدخل في مقدمة هذا الإحسان: الإحسان إلى الناس، الإحسان إلى إخوانك المسلمين، الإحسان إلى والديك ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، الإحسان إلى الزوجة ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، الإحسان إلى الأولاد ﴿وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا﴾، الإحسان إلى الإخوة والأخوات، الإحسان إلى الأرحام من الأعمام والعمات والأخوال والخالات، وهكذا أبناؤهم، الإحسان إلى من بينك وبينهم مصاهرة أو بينك وبينهم مجاورة. الإحسان إلى المسلم يعتبر كما سبق من أحب الأعمال إلى الله تبارك وتعالى. وهكذا الإحسان حتى إلى الحيوان: قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته». إحسان إلى الحيوان لا يوجد في غير شريعة الإسلام مثله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «في كل كبد رطبة أجر». في كل كبد رطبة أجر. حتى ما تصنعه من معروف إلى البهائم والدواب والقطط والكلاب وغيرها، فإنك تؤجر على ذلك إذا احتسبت الأجر عند الله تبارك وتعالى. وهكذا مر معنا في قصة تلك البغي من بغايا بني إسرائيل حين أسقت كلباً، فغفر الله لها. وتلك المرأة الإسرائيلية التي حبست هرة، فلا هي أطعمتها ولا سقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، فدخلت النار بسبب ذلك. فالرفق يعتبر أصلاً من أصول هذا الدين، والله عز وجل يعطي من الأجور والجوائز والفضائل على الرفق ما لا يعطي على العنف، ما لا يعطي على العنف. قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. هكذا أمرنا ربنا تبارك وتعالى. فنسأل المولى تبارك وتعالى أن يهدينا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يجنبنا سيئ الأخلاق، لا يجنب سيئها إلا هو. نسأله تبارك وتعالى أن يملأ قلوبنا إيماناً ويقيناً وتوكلاً عليه سبحانه وتعالى. نسأله تبارك وتعالى أن يرزقنا الرفق والحكمة والإخلاص والسداد فيما نقول أو نعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. اخذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين صنائع المعروف للشيخ الفاضل أبي عبد الله محمد باجعالة البدرس بدار الحديث بالسحر صنائع المعروف