الصحيح المسند من أسباب النزول  55

الصحيح المسند من أسباب النزول 55

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 55، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أسباب نزول آيات الهجرة والفتنة والصبر في سورة النحل والنساء والعنكبوت

يتناول هذا المحور قصة المسلمين الذين أخفوا إيمانهم بمكة وأُكرهوا على الخروج مع المشركين في بدر، فنزلت آيات تعاتبهم على عدم الهجرة وتوبخ من فتن فرجع. كما تبشر الآيات من هاجر وجاهد وصبر بعد فتنته بمغفرة الله ورحمته الواسعة.

فوائد الحديث في وجوب الهجرة وترك موالاة الكفار وحسن الخاتمة

يستعرض المقطع فوائد من حديث الهجرة، منها وجوب الهجرة من بلاد الكفر وتحريم الإقامة فيها، وأن ليس كل فتنة تجاب إليها بل يصمد المؤمن. ويؤكد أن العبرة بخواتيم الأعمال حيث غفر الله لمن هاجر وجاهد أخيراً، مع الحث على نصيحة المقصرين بالقرآن والسنة.

سبب نزول آية العقوبة بالمثل وعفو النبي عن أهل مكة

يشرح المقطع سبب نزول آية ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ في سياق غزوة أحد وفتح مكة، وكيف أمر النبي ﷺ بالكف عن قريش إلا أربعة أهدر دماءهم. ثم يبين عفو النبي عن اثنين منهم مبيناً فضيلة العفو والإحسان على الاقتصاص.

أثر الأخلاق الطيبة في التأثير على الناس ودعوتهم

توضح الفقرة أن الأخلاق الحسنة هي وسيلة فعالة للتأثير على الآخرين، فقد يكسب الشخص الناس بأخلاقه أكثر مما يكسبهم بالكلام والوعظ. فالعمل أبلغ من القول، والأخلاق الطيبة تعكس طيب الله تعالى وتجذب القلوب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. قال ابن جرير رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن منصور، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا محمد بن شريك، عن عمر بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم وقتل بعض. فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاستغفروا لهم. فنزلت: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ إلى آخر الآية. قالوا: فيما كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض. قالوا: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ﴾ الآية. قال: وكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين هذه الآية، ولا عذر لهم. فخرجوا، فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة. فنزلت الآية: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ﴾ إلى آخر الآية. فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا وأيسوا من كل خير. ثم نزلت فيهم: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجاً. فخرجوا، فأدركهم المشركون، فقاتلوهم، ثم نجى من نجى وقتل من قتل. الحديث. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": رجاله رجال الصحيح غير محمد بن شريك، وهو ثقة. ومعنى الحديث: وهذا الحديث فيه ثلاثة أسباب من أسباب النزول في آيات مختلفة، كما سيأتي في شرحنا له. يقول ابن عباس: كان قوم من أهل مكة أسلموا، يعني في العهد المكي، وكانوا يستخفون بالإسلام، يعني لما خرج النبي عليه الصلاة والسلام مهاجراً وأمر أصحابه بالهجرة، هؤلاء المسلمون لم يهاجروا، بل أقاموا في مكة، لكنهم أخفوا إسلامهم، يعني يخرجون مع المشركين وكأنهم مشركون في الظاهر، لكن في الباطن هم مسلمون، أسلموا وآمنوا، لكن ضعفوا عن الهجرة فلم يهاجروا. فلما جاء النفير في يوم بدر، خرج هؤلاء مع المشركين، لأن المشركين استنفروهم، هم الآن محسوبون على المشركين في الظاهر، وما يعلم المشركون أن هؤلاء مسلمون، لم يعلموا بذلك، فأخرجوهم معهم ليقاتلوا المسلمين. فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فلما دارت المعركة، أصيب من هؤلاء المسلمين من أصيب، منهم من أصيب بل بعضهم قتل، لأنهم في صفوف المشركين، فبعضهم أصيب وبعضهم قتل. فعلم المسلمون بذلك، المسلمون الذين في المدينة، علموا بإصابة بعض هؤلاء وبموت البعض الآخر. فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاستغفروا لهم، يعني أنهم إنما خرجوا مكرهين، مكرهين، فلا حرج عليهم، يعني من قتل أو من قاتل مع المشركين وهو مسلم، فاستغفروا لهم. وهذا يدلك على سلامة صدور الصحابة، حتى في مثل هذا، فاستغفروا لهم. فنزلت هذه الآية التي تعاتب المسلمين، من أعذرهم واستغفر لهم، ومن خرج كذلك مع المشركين: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾، يعني تقبض أرواحهم، ممن قتل في غزوة بدر في صفوف المشركين، ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾، فالله عز وجل وصفهم بالظلم، ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾. قالوا: فيما كنتم؟ تسألهم الملائكة: فيما كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، يعني خرجنا مكرهين لأننا مستضعفين في بلاد الكفر. فردت عليهم الملائكة: قالوا: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ﴾، ما الذي منعكم من الهجرة، وأرض الله واسعة؟ فوجب عليكم الخروج مع من خرج من المسلمين، ولا يجوز لكم البقاء في بلاد الكفر، لا يجوز لكم البقاء في بلاد الكفر. فلذلك عاتبهم الله عز وجل، وبيّن أن هذا ليس بعذر لهم، ليس بعذر لهم. قال: وكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين هذه الآية. كتب، والله كتب، عندك ما كتب، يعني المراد أن هذه الآية أرسلت إلى مكة، إلى المسلمين ممن يخفي إسلامه، ممن يخفي أو يخفي إسلامه، فهذه الآية بعثت إليهم، وكتبت لهم، وأنه لا عذر لهم. فلما سمع أولئك المسلمون هذه الآية، خرجوا، خرجوا يريدون الهجرة، فلحقهم المشركون، يعني تبعوهم لما علموا بخروجهم، فخيروهم بين أمرين: إما أن يقاتلوا، وإما أن يجيبوهم إلى ما أرادوا، وذلك من ترك دينهم، من ترك دينهم والالتحاق بهم. فاختار هؤلاء الرجوع إلى مكة والاختلاط بالمشركين. فنزلت هذه الآية: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ﴾، بمعنى أنه لم يكن ثابتاً في الإيمان، ولم يكن راسخاً في العقيدة، فأجاب هؤلاء، وكان الواجب عليه أن لا يجيبهم، بل يفر بدينه، ولو بقتال هؤلاء، ولو قتل، ولكن لا يجيبهم إلى ما أرادوا من الفتنة، الفتنة عن الدين. فكتب المسلمون إليهم بذلك، أرسلوا لهم هذه الآية، فخرجوا وأيسوا من كل خير، يعني أيأسوا من كل ما لربما وجدوه في مكة، خلاص، قرروا قراراً جازماً بالخروج من مكة، الخروج من مكة. فنزلت هذه الآية فيهم: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجاً، خلاص لا تبقوا في مكة، ولو حصل لكم ما حصل، ولو قتلتم. فخرجوا، فأدركهم المشركون، يعني تبعهم المشركون، فقاتلوهم، يعني لم يستسلموا ولم يجيبوا إلى الفتنة كالمرة الأولى، بل قاتلوا، قاتلوا هؤلاء المشركين، فقتل منهم من قتل، ونجى منهم من نجى. فيكون معنى الآية كما قال ابن كثير: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا ﴾، قال: هؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة، مهانين في قومهم، فوافقوهم على الفتنة، كما جاء في الحديث الثاني، فوافقوهم على الفتنة، ثم إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة، يعني هاجروا، فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم، ابتغاء رضوان الله وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين، وصبروا، فأخبر تعالى أنه من بعدها، أي تلك الفعلة، وهي الإجابة إلى الفتنة، لغفور رحيم، أي غفور رحيم بهم يوم القيامة. فقوله: ﴿ مِنْ بَعْدِهَا ﴾ يعني من بعد الفتنة، فغفر الله لهم لأنهم جاهدوا، ولحقوا بالمسلمين، وصدقوا وأخلصوا، فغفر الله سبحانه وتعالى لهم. هذا هو معنى هذا الحديث، وفيه فوائد. فمن فوائد هذا الحديث: وجوب الهجرة من بلاد الكفر، وجوب الهجرة من بلاد الكفر، وأنه لا يجوز للمسلم أن يهين نفسه، وأن يهين ذريته بالمكوث والبقاء في أرض الكفر. ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أنا بريء من كل مسلم بين أظهر المشركين»، تبرى النبي صلى الله عليه وسلم ممن، ممن مكث في بلاد الكفر، أنا بريء ممن، يعني من كان بين ظهراني المشركين، تبرى النبي صلى الله عليه وسلم منهم، فهي كبيرة من كبائر الذنوب، فيجب عليهم أن يهاجروا. وكما قال الله عز وجل: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ﴾، فأرض الله واسعة. وهذا أمر مجرب، لمن هاجر وقوي إيمانه، فوجد في بلاد المسلمين السكنة، وكذلك المكوث، فماذا حصل له؟ الذين يجلسون في بلاد الكفر، إنما جلوسهم من أجل الدنيا لا غير. والله عز وجل يقول: ﴿ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ﴾، يعني أرزاقاً واسعة. هذا أمر مجرب، فكم من مهاجر فتح الله عليه في بلاد المسلمين بتجارة، بإعالة، وكذلك وظيفة، فالله عز وجل هو الذي تكفل بأرزاق العباد، وهذا المهاجر قد هاجر ابتغاء مرضات الله، فكيف يضيعه الله؟ لا يضيعه الله سبحانه وتعالى. فهذا من فوائد هذا الحديث. ومن فوائد هذا الحديث: أنه ليس كل موالاة للكفار يُعذر فيها صاحبها، وإن استقر الإيمان في قلبه. فانظر إلى هؤلاء الذين بقوا ومكثوا في مكة من المسلمين، ممن يخفون إسلامهم، لما خرجوا مع المشركين يوم بدر، وعذرهم المسلمون، وبينوا أنهم أكرهوا، فأنكر الله عز وجل عليهم ذلك، ولم يعد ذلك إكراهاً. فليس كل واقعة، ليس كل واقعة تكون إكراهاً، فالإكراه له ضوابطه، له ضوابطه وله أحكامه، وذلك عند العجز وعدم القدرة على هجرة، أو على مقارعة العدو، أو نحو ذلك، فينبغي التفريق بين الإكراه وبين غيره. وهكذا يدل هذا الحديث على أنه ليس كل فتنة يجاب إليها، بل ربما تكون الإجابة إلى الفتنة دليل على ضعف الإيمان، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ﴾، بمعنى أنه لم يكن ثابتاً في الإيمان، سرعان ما يستجيب. وقال له: لماذا حلقت لحيتك؟ قال: سينقص علي الراتب، أو سأفصل من وظيفتي. هذا يعبد الله على حرف، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ﴾، هذا حال ضعيف الإيمان، يخاف من الناس أكثر من خوفه من الله، ويجعل عذاب الناس كعذاب الله. فليس كل فتنة يجاب إليها، حتى في حال الاضطرار، لا بد أن يضبط بضوابطه الشرعية، ولا يجاب إلى كل فتنة، بل يصمد الإنسان والمسلم، ويقارن بين ما يجوز له في الإجابة إلى الفتنة، وما لا يجوز له، وهذا لا يكون إلا بالعلم والإيمان. فليس كل فتنة يجاب إليها. انظر في فتنة خلق القرآن، بعض العلماء أجاب، وبعضهم صمد وأبى، كالإمام أحمد، وصبر على الأذى، جلد وسجن، يجلد حتى يغمى عليه من شدة الجلد، لكنه ما أجاب إلى الفتنة أبداً، لماذا؟ لقوة إيمان، وكان يتذكر عذاب الله، هذا عذاب الدنيا، تذكر أن عذاب الآخرة أشد وأبقى. فليست كل فتنة يجوز للمسلم أن يقع فيها بحجة الإكراه أو الاضطرار، فينبغي التفريق، ينبغي التفريق. وفي هذا: أن المسلم يكون قوياً، فيتعاهد إيمانه، يتعاهد إيمانه. ربما يقال لك: إذا لم تأتِ إلى بلاد الكفر، ستأخذ منك الجنسية، أو ستأخذ تجارتك في تلك البلاد، لا تبالي، لا تقول: أنا مضطر، وكيف إن سأذهب؟ لا يضيعك الله، كن ذا إيمان ويقين بما وعد الله سبحانه وتعالى. وهكذا من فوائد هذا الحديث: أن الأعمال بالخواتيم، أن الأعمال بالخواتيم. فانظر إلى هؤلاء، بقوا في بلاد الكفر، وأجابوا إلى الفتنة، لكن لما كان آخر أمرهم الهجرة والخروج من بلاد الكفر، والجهاد في سبيل الله، والصبر، غفر الله لهم. فالعبرة بكمال النهايات، بكمال النهايات، لا بنقص البدايات. فمن كان آخر أمره على خير، فتوفي على ذلك، هذا من حسن الخاتمة، هذا من حسن، ماذا؟ الخاتمة. وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من قال لا إله إلا الله، خُتم له بها، دخل الجنة، ومن صام في سبيل الله، خُتم له به، دخل الجنة». حديث عند أحمد. فالعبرة بآخر ما كان عليه المسلم، فهؤلاء لما هاجروا وجاهدوا، غفر الله عز وجل لهم ما مضى. وهذا فيه دليل على سعة رحمة الله سبحانه وتعالى، مع أنه توعدهم في أول الأمر بالعذاب الأليم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ﴾ إلى آخر الآيات. فمع أنه توعدهم في أول الأمر، لأنهم لم يهاجروا، لكن لما كان آخر أمرهم الهجرة والجهاد، قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. وفي هذا الحديث أيضاً: الكتابة إلى المذنب والمقصر، والتذكير له، والوعظ. والصحابة رضي الله تعالى عنهم، لما تنزل هذه الآيات، سرعان ما يرسلونها إلى إخوانهم. في أول الأمر، في أول الآية، لما نزلت: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾، قال: وكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين هذه الآية. فأنت إذا رأيت أخاك قد زل وضعف وأذنب، فاكتب له، وراسله، وعظه، وذكره بآية من القرآن، أو بحديث من أحاديث خير الأنام عليه الصلاة والسلام. مثلاً: زل أخوك وضعف عن الهجرة، فتكتب له الآيات التي تأمر بالهجرة، والوعيد الشديد لمن لم يهاجر، تذكره بالله. فهذا من فعل الصحابة رضي الله عنهم. أو مثلاً: أخوك بدأ يتهاون في صلاة الجماعة، تكتب له في الأمر بالصلاة، والحث على ذلك: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾، تنصحه وتكتب له. وهذا من حق المسلم على المسلم، أن ينصحه، الدين النصيحة، ويقول جرير: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم». فكيف إذا كان هذا المسلم من إخوانك المقربين، ومن زملائك، أو من أقربائك؟ فهو أحق بالنصيحة، فهو أحق بالنصيحة. فهذا أيضاً مما يستفاد من هذا الحديث. ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾. قال التلميذي رحمه الله تعالى: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث، قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن عيسى بن عبيد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: حدثني أبي بن كعب، قال: لما كان يوم أحد، أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة، منهم حمزة، فمثلوا بهم. فقالت الأنصار: لَئِنْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ يَوْماً مِثْلَ هَذَا لَنُرَبِّيَنَّ. فلما كان يوم فتح مكة، أنزل الله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾. فقال رجل: لا قريش بعد اليوم. عندك: لا قريش، لا قريش، لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفوا عن القوم إلا أربعة». قال: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي بن كعب. قال: حديث مسند أحمد، من زوائد عبد الله، وابن حبان، كما في "الموارد"، والطبري بالكبير، والحاكم، وقال في الموضعين: صحيح الإسناد، وسكت عليه الذهبي. ومعنى الحديث: يقول أبي بن كعب: لما كان يوم أحد، وأصيب من الأنصار أربعة وستون رجل، يعني قتلوا، وأصيب هنا بمعنى قتلوا، ومن المهاجرين ستة، صار المجموع كم؟ سبعون رجلاً في غزوة أحد، قتل من المسلمين سبعون رجلاً، أربعة وستون من الأنصار، وستة من المهاجرين، ومن هؤلاء الستة حمزة، عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والمشركون مثلوا بهؤلاء الصحابة الذين قتلوا، ومعنى مثلوا: يعني شوهوا صورهم، بقطع بعض أعضاء أجسادهم. فلما رأى ذلك الأنصار، قالوا: ﴿ لَئِنْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ يَوْماً مِثْلَ هَذَا لَنُرَبِّيَنَّ ﴾، عندك بضم النون، ومعنى ﴿ لَنُرَبِّيَنَّ ﴾: يعني لنزيدن في التمثيل، أو القتل، في هؤلاء المشركين، فان الربا بمعنى الزيادة، الربا بمعنى ماذا؟ الزيادة، الزيادة. وهم قالوا: لنفعلن بهم أضعاف ما فعلوا بنا، هكذا المعنى، لنفعلن بهم أضعاف ما فعلوا بنا. فلما كان يوم فتح مكة، وذلك حين أعز الله الإسلام، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فاتحاً، وذلك في السنة الثامنة من الهجرة، فتذكر الأنصار ما وقع لرجالهم في أحد، فأرادوا أن يسخنوا، ويقتلوا في أهل مكة، أنهم قد دخلوا الآن، وفتحوا مكة، فهرب من هرب من المشركين، هرب من هرب من المشركين. فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾، يعني أمر الله عز وجل المسلمين بالعدل في الاقتصاص، والمماثلة في استيفاء الحق، يعني إن أردتم عقوبة هؤلاء المشركين، فعاقبوا بمثل ما عقبتم به، لا تزيدوا، ولا كذلك تظلموا، ولا تظلموا. ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾، أمرهم هنا بالفضل والإحسان، فبين لهم جواز الاقتصاص بالمثل، ولكن حثهم على ماذا؟ على العفو والإحسان، العفو والإحسان. فقال: ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ ﴾، ولم تأخذوا بحقكم، ﴿ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾، هذا أفضل، لتنالوا أجر الصبر، لتنالوا أجر ماذا؟ أجر الصبر. فقال رجل، يعني كأنه من الأنصار: لا قريش بعد اليوم، يعني سنبيد قريش، وسنقتلهم قتلة ذريعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفوا عن القوم»، لا تقتلوا أحداً، اعفوا عنهم، إلا أربعاً، استثنى أربعاً، أهدر النبي عليه الصلاة والسلام دماءهم، أهدر النبي عليه الصلاة والسلام دماءهم، دماءهم. من هم هؤلاء الأربعة؟ عبد الله بن خطل، وعكرمة بن أبي جهل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. هؤلاء الأربعة، أهدر النبي عليه الصلاة والسلام دماءهم، فقال للمسلمين: من وجدهم، فله أن يقتلهم، فله أن يقتلهم. فأما عبد الله بن خطل، ذهب وتعلق بستار الكعبة، فقتله سعيد بن حريث المخزومي، وأبو برزة الأسلمي، فقتلوه، وهو متعلق بأستار الكعبة، لأنه صلى الله عليه وسلم أهدر دمه. وأما مقيس بن صبابة، فأدركه الناس في السوق، فقتلوه أيضاً، قتلوه، قتلوه. وأما عكرمة بن أبي جهل، هرب وركب البحر، فثار به البحر، فقال له من في السفينة: أخلص، فدعا، وقال: «لَئِنْ أَنْجَانِي اللَّهُ لَأَذْهَبَنَّ إِلَى مُحَمَّدٍ وَلَأَضَعَنَّ يَدِي فِي يَدِهِ»، فنجاهم الله، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأسلم، عكرمة بن أبي جهل أسلم. وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فذهب إلى عثمان بن عفان، واختبأ عنده، ثم جاء به عثمان إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأخبره أنه أسلم، فتركه النبي عليه الصلاة والسلام، فأسلم، ولم يقتل. هؤلاء هم الأربع الذين أهدر النبي عليه الصلاة والسلام دمهم، ولكن إثنين منهم قتلوا، وأما إثنان فأسلموا. هذا هو معنى هذا الحديث، وهذا الحديث فيه فوائد عدة. فمن فوائد هذا الحديث: الحث على العفو والفضل والإحسان، وهذه الآية لها أمثال في القرآن كثيرة، يحث الله عز وجل على العفو، مع أنه يبين جواز، يبين جواز الاقتصاص، والأخذ بالحق، يجوز ذلك إذا كان بالمثل، لكن العفو والإحسان هو الأفضل، كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾، ثم قال: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾، فأجره على الله. وقال في آية القصاص والجروح: ﴿ قُصَاصٌ ﴾، ثم قال: ﴿ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ﴾، فأجاز القصاص، وحث على العفو، فمن تصدق، يعني عفى عن ذلك المقتص منه، فأجره على الله، يعني هذا أفضل، بما ينال من الأجر. وكما قال في هذه الآية: ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾. وفي هذا الحديث: فيه رحمة النبي عليه الصلاة والسلام، انظر كيف أن هؤلاء المشركين، أهل مكة، آذوه، بل وأخرجوه من أحب البقاع إليه، وقاتلوه، وآذوه، ومع هذا يعفو عنهم، ويقول: «من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن»، أمنهم. فلما رأوا من حسن أخلاقه، وطيب معاملته، وعفوه وإحسانه، دخلوا في دين الله أفواجاً، دخلوا في دين الله أفواجاً. فالأخلاق الطيبة القيمة، سبب للتأثير على الناس، فلربما تكسب الشخص بأخلاقك، أكثر من أن تكسبه بأقوالك، ووعظك، وإرشادك، فالفعل أبلغ من القول، الفعل أبلغ من القول. طيب، نكسب بهذا، وإلهنا طيب، نحن.