الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 76، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع سبب نزول الآية 23 حين طلب الصحابة القصص فنزلت مؤكدة أن القرآن أحسن الحديث، ووجوب اعتماد الوعظ على القرآن والسنة. كما يشرح سبب نزول الآيتين 53-54 في مشركين ارتكبوا الكبائر، مبيناً أن الله يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب وأن رحمته واسعة لا يقنط منها عاقل.
يؤكد المقطع أن الله يدعو حتى مرتكبي الكبائر والشرك إلى التوبة مستدلاً بآيات وقصة قاتل المائة نفس، وأن التوبة النصوح المشروطة بالندم والإقلاع والعزم مقبولة دائماً. كما يبين أن القنوط من رحمة الله يخالف الكتاب والسنة.
يتناول المقطع سبب نزول قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ عبر قصة هشام بن العاص الذي أسلم حين فهم أنها نزلت فيهم. ويذكر سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ عبر حديث اليهودي الذي أخبر النبي بعظمة الله فضحك تصديقاً، مبيناً أن المشركين لم يعظموا الله حق تعظيمه.
يناقش المقطع خلافاً في لفظ حديث ابن مسعود بين "فتلى رسول الله" و"فأنزل الله"، ويرد الشيخ مقبل على الحافظ السيوطي بأن اللفظين لا يتعارضان إذ يمكن أن تكون الآية نزلت ثم تلاها النبي. كما يبين جواز نزول الآية مرتين (مكية ومدنية) مستدلاً بآية إكمال الدين في سورة المائدة.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: ﴿ اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ﴾ [الزمر: 23]. قال: تقدم الكلام عليها في سورة يوسف لأنها اقترنت بآية في سورة يوسف، وهو قوله تعالى: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ ﴾ [يوسف: 3]، فاستغنى الشيخ أو اكتفى الشيخ رحمه الله بذكر سبب نزول هذه الآية من سورة يوسف، ولا بأس أن نرجع إليها من باب المراجعة. ففي سورة يوسف أورد الشيخ رحمه الله حديث مصعب بن سعد عن سعد في قول الله عز وجل: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ﴾ الآية، قال: أنزل الله القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زمانا، أي وقتا، تل النبي عليه الصلاة والسلام هذا القرآن على الصحابة، فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا، يعني ائت لنا بقصص حتى نغير من أسلوب الوعظ أو التعليم أو نحو ذلك، فأنزل الله: ﴿ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴾ [يوسف: 1] إلى قوله: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ﴾ الآية، قال: فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم زمانا، زمانا وهو يتلو عليهم هذه الآيات وهذه القصة، فقالوا: يا رسول الله لو حدثنا، ائت لنا بحديث، فأنزل الله: ﴿ اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ ﴾ [الزمر: 23]، هذا هو موضع الشاهد، هذا هو موضع الشاهد. وتقدم معنا في فوائد هذا الحديث أن خير ما يوعظ به الناس ويذكر هو القرآن لأنه أحسن الحديث وأصدق الحديث، ولقد قال ربنا عز وجل في كتابه: ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ﴾ [ق: 45]، فأعظم ما يذكر به هو هذا القرآن لأنه أحسن الحديث، فما يعمله بعض الوعاظ من ذكر قصص الناس وأخبار الناس، ولا يشبعون مواعظهم ولا خطبهم بالآيات القرآنية ولا بالأحاديث النبوية، فهذا خطأ كبير، هذا خطأ كبير، فينبغي للداعي إلى الله عز وجل أن يعتني في خطبه وفي مواعظه بذكر الأدلة من القرآن والسنة، وقد قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ﴾ [العنكبوت: 51]، وفيه كفاية وفيه غنية، ولذلك ذم السلف القصاصين، من هم القصاصون؟ الذين يذكرون الناس بالقصص والحكايات، ليس بقصص القرآن، وإنما بقصص وحكايات الخلق، فذم السلف ذلك لما في ذلك من ترك القرآن والسنة. وماذا قال الله عز وجل في خطبة الجمعة؟ سماها ربنا سبحانه وتعالى ذكرا له كما في سورة الجمعة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: 9]، قال: فاسعوا إلى ذكر الله، فإذا ينبغي في هذه الخطبة أن يذكر بالله، أن يذكر بالله، وذلك بذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. فانظر إلى الصحابة لما قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: حدثنا، أنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿ اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ ﴾، فهو أحسن الحديث. ثم قال شيخنا رحمه الله: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ﴾ [الزمر: 53-54] الآية. قال: قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثني إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني يعلى، أن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، يعني هل لما عملنا من هذه الأعمال الكبيرة العظيمة كفارة حتى ندخل في دعوتك وفي دينك؟ فنزل: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ﴾ [الفرقان: 68]، ونزل: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 53]، فهذا السبب له أكثر من آية نزلت فيه، التي في سورة الفرقان، والتي في هذه السورة، سورة الزمر. فيقول ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك كانوا مشركين، قد قتلوا وأكثروا، يعني قتلوا قتلا كثيرا، ما قتلوا شخصا ولا شخصين، إنما قتلوا كثيرا، وزنوا وأكثروا، يعني زنوا كثيرا، فأتوا محمدا، أتوا النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: إن الذي تقول وتدعي إليه لحسن، من الدعوة إلى الله، من الدعوة إلى التوحيد، هذا أمر حسن، لكن قالوا: لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، نحن قد زنينا كثيرا وقتلنا كثيرا، هل إذا دخلنا في دينك سيكفر عنا، أو تكفر عنا تلك السيئات، هل ستكفر عنا تلك السيئات؟ فنزلت هاتان الآيتان: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ ﴾ [الفرقان: 68-70]، فالله عز وجل رحيم غفور، فما ختم بهذين الاسمين هذه الآية، يعني آية سورة الزمر: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾، فختم الآية بهذين الاسمين، فهو غفور للذنوب، رحيم بالعباد، ومن رحمته أن دعاهم للتوبة مهما فعلوا، مهما فعلوا من الذنوب ومن الكبائر والعظائم، فمتى تابوا وأنابوا ورجعوا إلى الله عز وجل، فإن الله سبحانه وتعالى يغفر لهم، يغفر لهم. وفي آية الزمر انتبه إلى قوله: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا ﴾، أسرفوا، هذا لفظ يدل على الإكثار، يعني أكثروا على أنفسهم من الذنوب والآثام، ﴿ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾، لا تيأسوا، فرحمة الله واسعة، رحمة الله واسعة، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾، انتبه إلى قوله: ﴿ جَمِيعًا ﴾، ولو كان شركا، طالما أنه تاب وترك هذا الشرك، فإن الله عز وجل يغفر له، فلا يقنط العبد من رحمة الله وإن عظمت ذنوبه وكبرت، فإن باب الرحمة وباب التوبة واسع ومفتوح. الله عز وجل ذكر لنا في كتابه دعوته سبحانه وتعالى لأناس فعلوا الأفعال الشنيعة من الشرك، من عبادة غير الله، من الطعن فيه سبحانه وتعالى، قالوا: إن الله فقير، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وقالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وهكذا غير ذلك من العظائم والكبائر، ومع هذا دعاهم الله عز وجل إلى التوبة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ﴾ [المائدة: 74]، متى جاءت هذه الآية؟ بعد قوله: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ﴾ [المائدة: 73]، وقبلها قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، أشياء عظيمة قالوها وطعنوا في الرب سبحانه وتعالى، ومع هذا يدعوهم إلى التوبة وإلى الاستغفار والرجوع. وأكد الذين فتنوا المؤمنين فألقوهم في النار، دعاهم الله عز وجل إلى التوبة، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾ [البروج: 10]، دلت هذه الآية على أنهم لو تابوا لتاب الله عليهم، لو تابوا لتاب الله عليهم. انظر إلى رحمة الله وإلى سعة فضله وإلى كذلك سعة مغفرته لعباده، ولذلك يقول الحسن البصري كما نقل ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره: قال: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فرحمة الله واسعة. حديث أبي سعيد الخدري في الصحيح، حديث الرجل الذي قتل مئة نفس، مئة نفس، أولا قتل تسعة وتسعين، يريد أن يتوب، لكن استعظم هذه الجريمة الشنعاء، قتل تسعة وتسعين نفسا، تسعة وتسعين نفسا، استعظم هذا في نفسه، كيف يغفر الله له؟ أراد أن يسأل، أراد، أراد أن يسأل: هل له من توبة؟ فدل على راهب عابد في كنيسة، لكن ما عنده علم، فقال: فقال له: قتلت تسعة وتسعين نفسا، هل لي من توبة؟ فأجابه لجهله: قتلت تسعة وتسعين نفسا، ما أرى لك من توبة، فقنط هذا الرجل، فما كان منه إلا أن أكمل بها المئة، ولا يزال يبحث عن الرحمة، الرحمة، هل لي من توبة؟ يسأل من، من يفتيني؟ فدل على عالم، دل على عالم، فقال: إنه قتل مئة نفس، هل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ من يحول بينك وبين التوبة؟ باب التوبة مفتوح، ثم وجهه إلى ما يعينه على هذه التوبة، قالوا: إن في أرض كذا وكذا أرض خير، فذهب فيها، وناس يعبدون الله، فذهب فعبد الله معهم، فذهب، فجاء أجل، وفي الطريق، فمن رحمة الله سبحانه وتعالى أن جعله أقرب إلى الأرض الطيبة، أرض الرحمة والصلاح، فلما اختصمت فيه الملائكة، ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، تقول ملائكة العذاب: هذا مات وما عمل قط، ملائكة الرحمة قال: أنه أتى تائبا، فبعث الله إليهم ملكا يحكم بينهم بأن يقيس المسافة بين البلدين، ووجدوه أقرب إلى البلد الطيبة، فانظر كيف أن الله عز وجل لما علم صدقه، لما علم صدق هذا الرجل، تاب عليه وصار مرحوما، فأخذته ملائكة الرحمة، فرحمة الله واسعة، لا تقنط مهما فعلت في الجاهلية، أقصد في وقت جهلك وعدم استقامتك، ربما فعلت بعض المعاصي، ولو كان شركا، ولو كان زنا، ولو كان لواطا، ولو كان كذلك مخدرات أو فساد عظيم كنت عليه، إذا تبت تاب الله عز وجل عليك، ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾. وهذه الآية لا يصح حملها على غير توبة، يعني ما يقال: أن الله يغفر الذنوب جميعا وإن كان العبد لا يزال متلبسا بها وواقعا فيها، وإنما المراد بالآية لمن تاب، لمن تاب ورجع، فإن الله يتوب عليه، أما من لم يتوب، إن كان شركا فإن الله لا يغفر، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾ [النساء: 48]، وإما إن كان دون الشرك فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فهذه الآية إنما تحمل على التائب: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾، إذا تبتم إليه ورجعتم وندمتم على ما صدر منكم. ولذلك يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله، العالم لا يؤيس الخلق ويحجر عليهم باب التوبة وباب الرحمة، بل يبشرهم ويدعوهم إلى التوبة وإلى الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. فقد جاء عند الإمام أحمد وهو في "الصحيح الجامع" للشيخ الألباني من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «والذي نفسي بيده لو لم تخطئوا لجاء الله عز وجل بقوم يخطئون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم»، فالخطأ واقع من البشر لأن من طبيعتهم، فقد يزل الإنسان وقد يقع في الخطأ وفي الذنب، بل وفي الكبيرة، حتى قد يقع في الكبيرة، تزله الشيطان فإذا به يشرب خمرا أو يتعاطى مسكرا أو تدفعه شهوة إلى زنى أو إلى لواط أو إلى فاحشة أو نحو ذلك، قد يكون هذا، فهو بشر يخطئ، فليس الشأن كل الشأن أن لا يخطئ الإنسان، ولكن الشأن كل الشأن أن إذا أخطأ رجع وتاب وأناب، وهذا معنى قول الله عز وجل في كتابه الكريم مادحا عباده المؤمنين المحسنين: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 135]، لم يصروا على ما فعلوا، هكذا ينبغي أن يكون المؤمن، لا يصر على الذنب، وإنما إذا وقع في شيء يتوب ويأتي بشروط التوبة من الندم، من الإقلاع، من العزم على عدم العودة إلى هذا الذنب، وغيرها من الشروط التي بينها العلماء في قبول التوبة، وهي التوبة النصوح، وهي التوبة النصوح، فالبشر قد يقع في الخطأ، ولكن لا يقنط من رحمة الله، فيبادر ويسارع إلى التوبة وإلى الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. قال: وقال الحاكم: حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل القارئ، قال: حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، قال: حدثنا الحسن بن الربيع، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: وأخبرني نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر قال: كنا نقول: ما لمفتتن توبة، وما الله بقابل منه شيئا، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل فيهم: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ والآيات التي بعدها، قال عمر: فكتبتها بيدي، يعني هذه الآية، فرحا بها، قال: فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص، وكان في مكة ولا يزال على الشرك، قال هشام بن العاص: فلما أتتني جعلت أقرأها، بذيطها، أصعد بها فيه وأصود، يعني يقلبها ويحرص على فهم ما فيها، قال: ولا، ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم فهمنيها، قال: فألقى الله تعالى في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا، قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عليه الذهبي. حديث أيضا أخرجه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد": رواه البزار ورجاله ثقات. هذا وقد تقدم بعض من يتعلق بهذه الآية في سورة الفرقان، ومعنى قول عمر: كنا نقول ما، يعني من كان يفتن المؤمنين ويعذبهم، وكذلك يكون سببا في ربما قتلهم أو في كذلك عدم هجرتهم أو نحو ذلك، لعظم هذا الفعل كانوا يقولون: ما له توبة، وما الله بقابل منه شيئا، لأن فعله عظيم، فعله عظيم، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أنزلت هذه الآيات، وبعض العلماء يسمي هذه الآية بأنها أرجى آية في القرآن، أرجى آية في القرآن، لأن فيها: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾، جميعا هنا يفيد العموم، بخلاف آية الفرقان فإنها ذكرت ذنوبا وكبائر معدودة معلومة: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ﴾، ذكر عدد من هذه الفواحش وهذه الكبائر، لكن في هذه الآية عمم ربنا سبحانه وتعالى فقال: ﴿ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾، فيدخل في هذا الشرك والزنا وقتل النفس وشرب الخمر، وكذلك جميع الفواحش والموبقات، فمن تاب منها تاب الله عليه، فهي أرجى آية في القرآن، ولذلك ختمها بهذين الاسمين: ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾، غفران مع رحمة، فمن رحمته أن الله عز وجل يغفر لهذا العبد، من يغفر لهذا العبد على ما صدر منه وإن كان شيئا عظيما. فالصحابة استعظموا فعل هذا الذي، الذي يفتن المؤمنين، وقالوا: ليس له توبة، وما الله بقابل منه شيئا، كانوا يظنون ذلك حتى نزلت هذه الآية، فعلموا أن باب التوبة مفتوح لأي أحد، فعمر فرح بهذه الآية فبعثها لهشام بن العاص، كان لا يزال مشركا في مكة، فأخذها وبدأ يقرأها، فيريد أن يفهمها، يقلبها، يصعد ويصوب فيها، فلم يفهمها حتى دعا الله أن يفهمها، فألقى الله تعالى في قلبه فهم هذه الآية، وأنهم هم المعنيون بها، هم المعنيون بها، فرجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، إلى المدينة، وأسلم، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. هذا هو معنى هذا الحديث، وفيه نزول هذه الآية. قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ [الزمر: 67]. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، قال: وعبد الله بن مسعود قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم، أبلغك أن الله عز وجل يحمل الخلائق على أصبع، وأصبع فيها ثلاث لغات: أصبع وإصبع وأصبع، كل هذه لغات واردة في اللغة، قال: والسماوات على أصبع، والأراضين على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ الآية. قال: الحديث رجاله رجال الصحيح، وأخرج ابن خزيمة في كتاب التوحيد، وابن جرير، والبيهقي في الأسماء والصفات، وقد أخرج أحمد والترمذي وصححه، وابن خزيمة في التوحيد، والطبري من حديث ابن عباس نحوه، وفيه عطاء بن السائب، ومختلط. أولا: معنى الآية: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾، يعني ما قدر المشركون الله حق قدره، وما عظموه حق تعظيمه، وذلك أنهم عبدوا غيره، فهو العظيم الذي لا أعظم منه، وهو القادر على كل شيء سبحانه وتعالى، وكل شيء تحت قهره وقدرته، فكيف بعد ذلك يعبد غيره؟ فمن عبد غير الله وعظم غير الله فما قدر الله حق قدره، ما قدر الله حق قدره. وهذا الحديث يبين هذا المعنى، وهذا الحديث يبين هذا المعنى، فجاء هذا الرجل من أهل الكتاب، وأهل الكتاب كان عندهم علم أنزل في كتبهم، فمن هذا العلم ما ذكره هذا الحبر من أهل الكتاب، فجاء وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: يا أبا القاسم، أبلغك، يعني هل أوحي إليك وأعلمت بما سأقول لك، أن الله عز وجل يحمل الخلائق على أصبع، والخلائق هنا يحمل على الأشياء التي لم تذكر في هذا الحديث، من الأراضين، ومن الشجر، ومن الثرى، لأن هذه كلها من الخلائق التي خلقها الله، أليس كذلك؟ فيراد بالخلائق ما عدا هذه الخلائق من السماوات، ومن الأراضين، ومن أثر، ومن أثر. فضحك النبي عليه الصلاة والسلام، وضحك النبي عليه الصلاة والسلام تصديقا لهذا الرجل، وتعجبا من كون هذا الرجل يستعظم، من كون هذا الرجل يستعظم قدرة الله سبحانه وتعالى، فسؤاله هذا وإبلاغه هذا للنبي عليه الصلاة والسلام استعظاما منه لقدرة الله، لقدرة الله سبحانه وتعالى، فلذلك ضحك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تصديقا لقوله وتعجبا من كونه يستعظم قدرة الله سبحانه وتعالى، فما قدروا الله حق قدره، وما عظموه حق تعظيمه، فهو سبحانه وتعالى الذي الأرض قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون. وقوله هنا: ﴿ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ﴾، النواجذ هي الأضراس التي إذا ضحك الإنسان ظهرت، وقيل هي الأنياب، وما وردت في حديث العرباض: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهدين، عضوا عليها بالنواجذ»، يعني مبالغة في شدة التمسك بالسنة، وهكذا في هذا الحديث: حتى بدت نواجذه، يعني من ضحكه عليه الصلاة والسلام بدت أنيابه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونزلت هذه الآية، ونزلت هذه الآية. وهذا الحديث فيه أن أهل الكتاب يعلمون الحق ولكنهم يكذبون ويجحدون، وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ [البقرة: 146]، وهم يعرفون مما أوحى الله إلى أنبيائهم في كتبهم كثيرا من الحق، ولكنه الكبر والجحود. وفي هذا الحديث أيضا أن المسلم يقبل الحق من أي جهة جاءه، من أي جهة جاءه الحق فإنه يقبله، ولو كان من عدو، ولو كان من كافر، فالنبي عليه الصلاة والسلام أقر هذا، أقر هذا اليهودي على ما قال، لأنه حق، لأنه حق وصدق، ومثل ذلك ما جاء في تعليم الشيطان لأبي هريرة آية الكرسي، فقال: لما النبي عليه الصلاة والسلام: «صدقك وهو كذوب»، فصارت قراءة هذه الآية عند النوم حرزا للشيطان، حرزا للشيطان، لأنه قال: «لا يقربك شيطان»، أعلمك آية إذا قرأتها عند النوم لا يقربك شيطان، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة: «صدقك وهو كذوب». لكن ليس معنى هذا أن تذهب إلى الكافر أو إلى الفاسق أو إلى المبتدع وتتعلم منه بحجة أننا نقبل الحق من أي جهة جاءنا، لا، لأن أهل البدع يريدون هذه الشبهة، يقولون: أنتم يا أهل السنة، لو حد قام تكلم قمتم وما جلستم، أو إذا أعطيتم كتابا أو شريطا لمن يخالفكم لا تقبلونه ولا تضعونه في مكتباتكم، مع أن فيه حق، فنقول لهم: الحق الذي فيه هو هو عند أهل السنة وزيادة، وأما هذه الأحاديث فتحمل على من لم يتعمد ولم يقصد أخذ الحق من هؤلاء، إنما جاءه من غير قصد ومن غير سعي، مثل ما ورد في هذا الحديث، هذا الرجل هو الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة، هل النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إليه ليتعلم؟ لا، وكذلك حديث أبي هريرة، هل أبو هريرة ذهب إلى الشيطان ليتفقه من الشيطان؟ لا، وإنما هو الشيطان الذي جاء وأخذ من مال الصدقة، فلما قبض عليه المرة الأولى والثانية والثالثة أراد أن يفلت من أبي هريرة فذكر له هذا العلم، فينبغي أن تفهم النصوص على حقيقتها، ولا يلبس عليكم ملبس المبتدع، لا يسمع له ولا يدرس عنده، ولو كان عنده علم وعنده فقه، فعند أهل السنة ما عند هذا وزيادة، ولله الحمد والمن، فهذا أمر ينتبه، لا بارك الله فيكم، أهل السنة دعوتهم واضحة، لا يستمعون لأهل البدع، ولا يدرسون عندهم، ولا يكثرون سوادهم، ولا يكثرون سوادهم. قال: تنبيه: قال الحافظ السيوطي في الإتقان: الحديث في الصحيح بلفظ «فتلى رسول الله» وهو أصوب، فإن الآية مكية، يعني يريد أن هذا الحديث ما وردت فيه لفظ «فأنزل الله»، إنما جاء لفظ «فتلى رسول الله»، وإذا أخذنا بقول السيوطي إذن ننتقد على الشيخ مقبل رحمه الله إرادته لهذا الحديث في أسباب النزول، لأنه إذا قلنا: «فتلى رسول الله»، هذا ما، هذا ما في سبب النزول، الآية قد نزلت أصلا، الآية قد نزلت، فالحافظ السيوطي يقول: الذي جاء في الحديث بلفظ «فتلى رسول الله» وهو أصوب، فإن الآية مكية، الآية مكية، يعني نزلت قبل الهجرة، هكذا يقول. لكن الشيخ هنا رد على قول الحافظ السيوطي، فقال: وأقول: لفظ «تلا» الواقع في الصحيح لا ينافي أنها نزلت ثم تلاها الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني جاء في الصحيح بلفظ «فتلا»، وجاء في لفظ في هذا الحديث، حديث عبد الله بن مسعود عند الإمام أحمد، بلفظ «فأنزل الله»، فلا تعارض، الشيخ يقول: لا تعارض بين الروايتين، فتحمل الرواية التي في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم تلاها بعدما نزلت، يعني نزلت الآية ثم النبي عليه الصلاة والسلام تلاها على هذا اليهودي، فلا تعارض بين الروايتين. قال: وأما كونها مكية، فإن ثبت شيخنا، يعني لم يجزم، قال: فإن ثبت نزولها، أعني هذه الآية، بمكة، فلا مانع من نزولها مرتين، كما أخذنا في الدرس الماضي هذه القاعدة، أن الآية الواحدة قد تنزل مرتين، مرة مثلا في مكة ومرة في المدينة، وإن، وإن لم يثبت نزولها بمكة بالسند الصحيح، يعني هذه الآية، فقد تكون السورة مكية إلا آية، إذا كانت هذه السورة، سورة الزمر، مكية، فلا يمنع من أن آية منها أو آيتين مدنية وليست مكية، وهذا قلنا موجود في القرآن، وأمس ذكرنا مثالا، من يذكره؟ أن آية، أن سورة مكية وفيها آية مدنية، سورة المائدة، وهي: قال الله عز وجل: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، هذه الآية نزلت بعد الهجرة، لحجة النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عمر، فلا مانع، فإذن لا تعارض، فيكون ما ذكره شيخنا وأورده في هذا الكتاب اعتمادا على هذا الحديث وهو صريح في سبب نزول هذه الآية: فأنزل الله عز وجل ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر، شكرا.