الصحيح المسند من أسباب النزول  84

الصحيح المسند من أسباب النزول 84

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 84، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

بدء مفاوضات الحديبية ووصول سهيل بن عمرو

يستعرض المقطع أحداث مفاوضات صلح الحديبية بدءاً بموقف مبعوث كنانة ثم مجيء مكرز بن حفص ووصول سهيل بن عمرو لبدء الكتابة. تفاوض سهيل على البسملة ونسب النبي صلى الله عليه وسلم واشترط رد من يأتي مسلماً من قريش فاعترض المسلمون على ذلك.

تنازلات النبي ﷺ في بنود الصلح وشرط رد الرجال

يصف المقطع تفاوض سهيل بن عمرو مع النبي ﷺ حيث تنازل النبي عن كتابة «بسم الله الرحمن الرحيم» و«محمد رسول الله» حقناً للدماء. وافق النبي على شرط رد الرجال المسلمين إلى قريش وطبقه فعلياً مع أبي جندل رغم استنكار الصحابة.

قصة أبي جندل واستياء الصحابة ونزول الفتح

يتناول المقطع قصة أبي جندل بن سهيل الذي جاء مسلماً مقيداً فطالب أبوه برده وفق الشرط الشفهي فأمضى النبي الشرط تلطفاً بسهيل. أثار ذلك استياء عمر بن الخطاب وسؤاله عن إعطاء الدنية في الدين فأجابه النبي بأنه رسول الله لا يعصي ربه ونزل القرآن مؤيداً للصلح وسمّاه فتحاً مبيناً.

استدلال العلماء بصلح الحديبية على أحكام الأيمان وموقف أبي بكر

يشرح المقطع كيف استدل العلماء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية على أن من حلف على فعل دون تحديد مدة لا يحنث إلا بانقضاء عمره. يبين موافقة أبي بكر الصديق للنبي في رد عمر رضي الله عنه معتبرين ذلك من أعلام النبوة ودليلاً على فضل أبي بكر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فما زلنا في أحداث ما وقع في صلح الحديبية، وقد ذكر شيخنا الوادعي رحمه الله هذه القصة مطولة كما جاء في صحيح البخاري. وصلنا عند قوله رضي الله عنه: قال معمر: قال، فقال رجل: «بنيك لا ندعوني آتيه»، فقالوا: «أتيه». فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له». فبعثت له، واستقبله الناس يلبون. فلما رأى ذلك، قال: «سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت». نعم، أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه، قال: «رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت». فقام رجل منهم يقال له مكرز - هكذا ضبطت بكسر الميم - قال: «يقال له مكرز بن حفص». فقال: «دعوني آتيه»، فقالوا: «آتيه». فلما أشرف عليهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا مكرز، وهو رجل فاجر». فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد سهل لكم من أمركم». قال معمر: قال الزهري في حديث: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: «هاتي، أكتب بيننا وبينكم كتاباً». فدعى النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم». فقال سهيل: «أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب: باسمك اللهم». ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله». فقال سهيل: «والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله». قال الزهري: وذلك لقوله: «لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به». فقال سهيل: «والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا... أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل». فكتب. فقال سهيل: «وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا، إلا رددته إلينا». قال المسلمون: «سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟». فبينما... فبينما هم كذلك، إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: «هذا يا محمد، أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليه». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نقضِ الكتاب بعد». قال: «فوالله إذا لم... إذن». قال: «فوالله إذن لم أصالحك على شيء أبداً». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأجزه لي». قال: «ما أنا بمجيزه، ما أنا بمجيزه لك». قال: «بلى، فافعل». قال: «ما أنا بفاعل». قال مكرز: «قال مكرز: بل قد أجزناه لك». قال أبو جندل: «أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما قد لقيت؟». وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله. طيب، الجيلة - إن شاء الله - نحاول أننا نأخذ معاني هذا الجزء الذي قرأناه، والفوائد مستفادة منه. رجع إليهم وهم في الحديبية: عروة بن مسعود، وهو أول من جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن لم يتفق مع النبي عليه الصلاة والسلام، وقد مرت أحداث خبره، أو مر أحداث خبره. ثم جاء رجل من بني كنانة، من بني كنانة، فقالوا: «أتيه»، يعني: يذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الرجل كان يحب الإبل، والنبي عليه الصلاة والسلام كان عائشاً فيما بينهم يعرف أشخاصهم وأوصافهم، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن». البدن: جمع بدنة، وهي الإبل، وهي الإبل. فكان يحب الإبل ويعظم الإبل، خصوصاً إذا كانت هدياً ومبعوثة إلى الحرم. فإنهم كانوا يعظمون بعض بقايا إبراهيم عليه السلام من شعائر الحج، وكانوا يعظمون ذلك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فابعثوها له». لماذا؟ حتى يعلم أن هؤلاء ما جاءوا مقاتلين، وما جاءوا محاربين، إنما جاءوا معظّمين للبيت، ببعثهم لهذه الإبل إلى بيت الله الحرام. فلذلك قال لهم نفسه: «فابعثوها له»، أي: أثيروها دفعة واحدة، وهي كثيرة. قال: «أثروها أمام عينيه دفعة واحدة». ففعلوا، فبعثت له، واستقبله الناس ملبين: «لبيك اللهم لبيك». يريدون العمرة، ما يريدون القتال، وهو ينظر، وهو ينظر. فلما رأى ذلك، علم وعلم مقصد مجيء النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت»، لأنهم جاءوا معظّمين للبيت بهذه الهدايا وبتلبيتهم ونحو ذلك. فرجع إلى أصحابه، إلى قريش، وقال: «رأيت البدن قد قلدت وأشعرت». تقليد الإبل: يجعل لها علامات تدل على أنها هدايا للحرم، فلا يمسها أحد ولا يؤذيها أحد. فكانت تقلد، تقلد: يعني تجعل لها علامات، أثواب أو نحوها، حتى تعرف. وأشعرت: الإشعار هو قطع جلد هذه الإبل شيئاً يسيراً حتى يخرج شيء من الدم اليسير، وهذا فيه... وهذا فيه علامة كذلك أنها هدايا للحرم، وهو هدي، ما يسمى بالهدي. فلما رأى البدن، يعني الإبل، قد قلدت وأشعرت، قال: «فما أرى أن يصدوا عن البيت». هذا رأيه، قال لقريش: «ما أرى أن يصدوا عن البيت، بل يدخلون ويعتمرون». فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص، فقال: «دعوني آتيه»، إذن: آتي أن أذهب إلى محمد عليه الصلاة والسلام. فقالوا: «اذهب، آتيه». فلما أشرف عليهم، قال: «هذا مكرز بن حفص، وهو رجل فاجر». وقبل هذا، في قصة هذا الرجل الذي من بني كنانة، يستفاد جواز المخادعة في الحرب، وإظهار إرادة الشيء والمقصود غيره، والمقصود غيره. فالنبي عليه الصلاة والسلام تعمد إثارة هذه الإبل وإظهارها أمام هذا الرجل، لأنه كان يحب البدن والإبل، وهذا فيه شيء من المخادعة. لأن كثيراً من المشركين كانوا يعظمون حرمات الله، يعظمون الإحرام والحرم، وينكرون على من يصدع ذلك، وهذا من تمسك بعضهم ببقايا دين إبراهيم، ببقايا دين إبراهيم. وقوله هنا: «هذا مكرز، وهو رجل فاجر»، أي: كان معروفاً بالغدر. هذا الرجل كان معروفاً ومشهوراً بالغدر، كان رجلاً غادراً يغدر، وفيه هذه الخصلة وهذا الخلق الذميم. فجاء يكلم النبي، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، مرسل من قريش. فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام، قال للصحابة: «قد سهل لكم من أمركم». واستدل العلماء بهذا أن سهيل بن عمرو كان رجلاً عاقلاً متفهماً، سهلاً، سهلاً. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «قد سهل لكم من أمركم». قد سهل لكم من أمركم. وهذا فيه من التفاعل بالاسم، فاسمه سهيل، وقال عليه الصلاة والسلام: «قد سهل لكم من أمركم». فجاء سهيل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «هاتي، أكتب بيننا وبينكم كتاباً». هات شيئاً نكتب عليه، ونعمل بنوداً لهذا الصلح، بنوداً لهذا الصلح نكتبه كتابة. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب، وجاء في بعض الروايات أن الكاتب هو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، علي بن أبي طالب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم». وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في مراسلاته، وفي مخاطباته، وفي كتاباته، يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، إيماناً وتبركاً بهذا الاسم، بسم الله العظيم. فقال سهيل: «أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هي»، لأنهم كانوا لا يؤمنون بأسماء الله، ومنها الرحمن، كما قال الله عز وجل في سورة الفرقان: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ﴾. قالوا: «وما الرحمن؟» فهذا منهم كفر بهذا الاسم. فقال: «ما أدري ما هي»، لأنهم ما كانوا يؤمنون بذلك. «ولكن اكتب: باسمك اللهم». أنهم كانوا يؤمنون بالله، ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله، ليقولن الله. وكانوا يكتبون كذلك: «باسمك اللهم». ولذا قال: «كما كنت تكتب»، كما كنت تكتب عنه من قبل، لما كنت في مكة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اكتب: باسمك اللهم». وهذا فيه أن المسلم يتنازل عن شيء من الحق إذا كان في ذلك مصلحة عظمى، فتقديم المصلحة الكبرى على الصغرى من الحكمة، ومن كذلك مخادعة العدو. فالنبي عليه الصلاة والسلام يعلم أن الله هو الرحمن، ولكن من أجل أن يتم هذا الصلح الذي فيه من المنافع ومن الفوائد الشيء الكثير، تنازل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، وقال: «اكتب: باسمك اللهم». ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله». هذا يعني: ما سيأتي في هذا الكتاب، فاسم الإشارة هنا يشير إلى شيء سيأتي، سيأتي فيما بعد. فقال سهيل: «والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن نكتب: محمد بن عبد الله». ما أراد أن يكتب «رسول الله» لأنهم لا يؤمنون بذلك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «والله إني لرسول الله»، هذه الحقيقة، «وإن كذبتموني». وماذا سيغني عدم كتابته «رسول الله» في هذا الكتاب، والحقيقة أنه رسول الله؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله». تنازل عن ذلك، لكن في الكتابة فقط، لكن في الحقيقة أنه يؤمن بأن الله الرحمن الرحيم، ويؤمن بأنه رسول الله، ولكن من أجل الصلح تنازل عن هذه الكتابة وهذا اللفظ. قال الزهري: وذلك لقوله: «لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». يعني: أنه لا يريد القتال في الحرم. فلو دخل كما تقدم هو وأصحابه إلى الحرم وإلى مكة، لصارت مفاسد عظيمة، ومنها: قتل المؤمنين الضعفاء الذين لم يستطيعوا الهجرة وهم في مكة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةُ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، يعني: تقتلونهم وأنتم لا تعلمون، تظنونهم أنهم من الكفار. فمفاسد عظيمة سيحصل من هذا. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». وهذا يعد فتحاً ونصراً. فدخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة فاتحاً في السنة الثامنة من الهجرة، دون قتال، دون قتال. انظر إلى الحكمة: لو دخل في هذا الوقت إلى مكة، لا شك أن المشركين مستعدون، مستعدون بعددهم وعددهم ومقاتليهم. فلذلك سماه الله عز وجل فتحاً، مع أنهم لم يدخلوا مكة، لكن كأنهم دخلوها لما في ذلك من المنافع، ومنها: كما تقدم، عدم انتهاك حرمة البيت، وهكذا دخول الناس في الدين، لأنه اختلط المسلمون بالمشركين، وأمن بعضهم بعضاً، حتى ذكر بعض أهل السير أن الذين دخلوا في فترة الصلح إلى الإسلام، كالذين كانوا مسلمين من قبل، يعني: تضاعف عدد المسلمين بالدعوة، ودخول المسلمين مع المشركين، فهذا لا شك أنه يؤثر، ومنافع كثيرة ذكرها العلماء، وقد نبهنا على بعضها في درس ماض. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به». يعني: تتركون أن ندخل البيت، نطوف ونخرج، ما نعمل شيئاً غير ذلك. فقال سهيل: «والله لا تتحدث العرب أن أخذنا... أن أخذنا ضغطة». ضبطها الشراح بضم الضاد: «ضغطة»، بضم الضاد، بضم الضاد: «ضغطة». ومعنى «ضغطة»: يعني قهراً بالقوة، وهذا فيه مذلة لقريش، تقول العرب: «ضغط المسلمون على الكفار وعلى قريش حتى قضوا حاجتهم وطافوا واعتمروا». فحتى لا تتحدث العرب بذلك، لا... لا تدخلوا هذا العام البيت، ولا تعتمروا هذا العام. ولذلك قال: «لا تتحدث العرب أن أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل». يعني: تعالوا السنة الثانية واعتمروا، أما هذا السنة فترجعون، ولا تعتمرون، ولا تعتمرون. فكتب النبي عليه الصلاة والسلام، أعطاهم ما يريدون، لأنه قال: «لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». فكتب. فقال سهيل: «وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، رجل، وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا». يعني: لو جاء أحد من مكة مسلماً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لا يقبله النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما يرده إلى مكة، يرده إلى مكة، ولا يقبله، ولا يقبله. هذا ما أراده سهيل. فقال المسلمون: «سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟». كيف هذا الشرط؟ الرجل جاء مسلماً، فر من المشركين، ونجا من تعذيبهم، ومن اضطهادهم، ومن استهزائهم، ثم يرد إلى المشركين؟ يعني: شرط فيه شيء من الإجحاف، فيه شيء من الإجحاف. فقال المسلمون: «سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟». فبينما هم كذلك... عاد: ما كتب الكتاب، وإنما يتناقشون في هذا البند، وفي هذا الشرط، ويتحدثون فيه. فبينما هم كذلك، إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو، ولد صاحب... ولد الذي أرسلته قريش لكتابة الصلح، وهو سهيل بن عمرو، ولده جاء من مكة مسلماً، يرسف في قيوده. ومعنى «يرسف»: أن يمشي مشياً بطيئاً بسبب القيد، مقيد في رجليه، فهو يمشي مشياً بطيئاً جداً، لأنهم عذبوه وقيدوه لما علموا بإسلامه، لما علموا بإسلامه. فجاء وهو يرسف، يرسف: يعني يمشي مشياً بطيئاً. قال: «وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين»، مسلماً، في الحديبية. فقال سهيل: «هذا يا محمد، أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليه». وقد اشترطنا أن من جاءك منا مسلماً ترده إلينا، وهذا جاء الآن مسلماً، لا تقبله، لابد أن ترده إلينا. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إنا لم نقضِ الكتاب بعد». ما كتبوا هذا الشرط، يعني: لم نفرغ من كتابة هذا الشرط، ما زلنا نتناقش فيه. قال: «فأجزه لي». خلاص، هذا اتركه، لأنه ما كتبنا الشرط بعد، ومن جاء بعده، خلاص نرده، على هذا الشرط الذي أردته. فهذا معنى كلام النبي عليه الصلاة والسلام: «فأجزه لي»، يعني: رده، وامضِ لي فيه، فلا أرده إليك، ولا أستثنيه من هذه القضية، يعني: استثنيه لي من هذا الشرط، هذا يستثنى، ومن جاء بعده يطبق عليه هذا الشرط. هذا معنى كلامه. فقال سهيل: «ما أنا بمجيزه لك»، يعني: أبداً ما سأعطيك، لا، لابد أن ترده إليّ. استدل العلماء بهذا أن الاعتبار في العقود بالقول، ولو تأخرت الكتابة والإشهاد. ولذلك في النهاية أبو جندل رد، رد إلى قريش، إلى مكة، مع أن الشرط لم يكتب بعد، ولكن قد قيل هذا الشرط، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمضاه. فاستدل العلماء... فاستدل العلماء أن الشرط إذا تكلم به، ولو تأخرت... ولو تأخرت الكتابة والإشهاد، فيكون شرطاً معتبراً. وقوله: «إنا لم نقضِ الكتاب بعد»، قال العلماء: هذا من باب... هذا من باب تلطف النبي صلى الله عليه وسلم معه، تلطف النبي صلى الله عليه وسلم مع سهيل بن عمرو، هذا من الحكمة: إذا أردت شيئاً أن تلين وتتلطف حتى يتم الأمر، حتى يتم الأمر. فقال مكرز: «بل قد أجزناه لك». لكن سهيل بن عمرو ما أجازه، فلم يقبل كلام مكرز، لم يقبل كلامه أبداً. قد يقول قائل: هذا قد يورد إشكالاً. ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في مكرز؟ قال: إنه رجل... فاجر. والآن هو الذي قال: «أجزه، أجزناه لك». فكيف فاجر، وفي هذه القصة وقف مع النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «قد أجزناه لك»؟ الشاهد والجواب: أجاب العلماء أنه لا يلزم ألا يقع من الفاجر شيء من البر نادراً، فهو من باب: «قد يجود البخيل». البخيل الأصل فيه البخل، لكن هل يمكن أحياناً يكون جواداً؟ يمكن، هكذا في السنتين مرة، في العشر سنين مرة. وهذا من هذا الباب: يعني الأصل فيه الغدر، الأصل فيه الغدر، لكن في هذه الحال نادراً جاد بهذا الشيء. وذكر بعضهم أيضاً أنه قال ذلك نفاقاً، وهو يعلمون أن سهيل لا يرضى بهذا، فقال ذلك نفاقاً، وفي باطنه خلافه، وفي باطنه خلافه. ومنهم من قال: أنه لعله سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنه رجل فاجر، فأراد أن يبعد هذه التهمة عن نفسه، ففعل هذا الشيء الذي يدل على عدم فجوره. وكل هذه الأجوبة محتملة، كل هذه الأجوبة محتملة، والله أعلم. قال: «ألا ترون؟» قال أبو جندل: «أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟» وقد جندل... قال لهم: «كيف تردوني إلى المشركين، وأنا ما أصدق أن آتي إليكم، وها هي القيود في رجلي، كيف أرد إلى المشركين؟ ألا ترون ما قد لقيت من العذاب ومن البلاء؟». وكان قد عذب، وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله، أي: في مكة. وهذا فيه صبر الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. انظر: مكبل، مقيد بالقيود، ما جريمته، ما ذنبه؟ لأنه آمن بالله العظيم. ومن أبيه كان هذا العذاب، وكان هذا البلاء من أقرب الناس إليه، ومع هذا كان صابراً محتسباً، ثابتاً على دينه. ولما رجع إلى مكة، ما كان هذا الموقف سبباً لضعفه، أو لتركه للإسلام، بل ازداد صلابة، وسيأتي معنا أنه لحق فيما بعد بمن كان من المسلمين، لما اجتمعوا في مكان واحد، كل من آمن جاء إلى هذا المكان، فكان منهم كذلك أبو جندل، كما سيأتي معنا. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم: ذو ثبات على الحق، مهما ابتلي في الله، لا يزيده هذا الابتلاء إلا ثباتاً وتمسكاً بالحق الذي علمه. قال: «وكان... وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله». طيب. قال: قال عمر بن الخطاب: «فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فعلى ما نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري. قلت: أوليس كنت تحدثنا أن سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى. فأخبرتك أن نأتيه العام. قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به، أو مطوف به». قال الزهري: قال عمر: «فعملت لذلك أعمالاً». طيب، نقرأ معنى هذه الألفاظ التي وردت في هذا الجزء من هذا الحديث. لا شك أن هذه الشروط أوقعت شيئاً في نفوس الصحابة، إن فيها من الغضاضة عليهم. كيف يعني: من جاء من المسلمين يرد إليهم؟ بل وفي هذا أيضاً بند: أنه من جاء من المسلمين الذين في المدينة إلى المشركين لا يرد، لا يرد إلى المسلمين. وهذا أمر سهل، لماذا؟ لأن المسلم لا يقع منه الارتداد، فيما نذر، إلا فيما نذر. ولذلك يعني: من دخل في هذا الدين فإنه يستمسك به، ولا يرتد، ولا يرتد عن دينه. لكن الشرط الذي وقع في نفوس الصحابة: أن من جاء مسلماً من مكة إلى المسلمين في المدينة، يرد إلى المشركين، يرد إلى المشركين. فعمر وجد في نفسه من هذه الشروط، فراجع النبي صلى الله عليه وسلم، وراجع أبا بكر، بحثاً عن تفسير لهذه الشروط التي فيها من... يعني فيها شيء من الشدة على المسلمين، الشدة على المسلمين، في ظاهرها، في ظاهرها. فعمر رضي الله تعالى عنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «ألست نبي الله حقاً؟» هذا يسمى سؤالاً تقريرياً، يقرر النبي عليه الصلاة... والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «بلى»، لأن الجواب في السؤال المنفي يكون بـ «بلى» إذا أردت إثباته. فقال له: «بلى». قلت: «ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟» هل أحد يشك في هذا؟ لا أحد يشك في هذا. فقال عمر... فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بلى». نعم، نحن على الحق، وعدونا على الباطل. قال عمر: «فعلى ما نعطي الدنية في ديننا إذن؟» الدنية: قيل هي النقيصة، هي النقيصة. فلماذا... فلماذا نعطي النقيصة في ديننا، ونحن على الحق، وهم على الباطل، وأنت رسول الله حقاً؟ إذن لا نرضى بهذه الشروط. هذا معنى كلام عمر رضي الله عنه. فرد عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم... وعلى آله وسلم بقوله: «إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري». استدل العلماء بهذا على أنه عليه الصلاة والسلام لم يفعل هذا الصلح إلا بالوحي، لأنه قال: «ولست أعصيه». معنى: أن هذا ليست معصية لله، ما وقع في هذا الصلح ليس معصية لله. وهذا ما نزل به الكتاب فيما بعد، أيد الله عز وجل هذا الصلح، وسماه فتحاً: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، وسماه فتحاً. فاستدل العلماء بهذا أنه عليه الصلاة والسلام لم يفعل من ذلك شيئاً إلا بالوحي، لم يفعل من ذلك شيئاً إلا بالوحي. قال عمر: «قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟» جاءت بعض الروايات عند ابن إسحاق: أن الصحابة كانوا لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني: ابن إسحاق رأى أنه سيدخل... ماذا؟ مكة. سيدخل مكة. كيف الآن نرجع؟ كيف الآن نرجع ولا ندخل؟ فوجدوا في نفوسهم، فدخلهم من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا يهلكون. هكذا جاء في هذه الرواية. وقد أشار الله عز وجل إلى ذلك في سورة الفتح: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ الآية. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحدثهم أنه سيدخل البيت. لكن ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: «بلى، فأخبرتك أننا نأتيه العام». قلت لك: أننا سندخل ونطوف بالبيت هذا العام. ما جاء تحديد الدخول بهذا العام، فحسب، وإنما جاء مطلقاً، جاء مطلقاً. لذلك يستدل بهذا أن... يستدل من هذا جواز... أو أن من حلف، يستدل من هذا على أن من حلف على فعل شيء، ولم يذكر مدة معينة، لم يحنث حتى تنقضي أيام حياته. لو قال مثلاً: لو قال مثلاً: حلف، وقال: «أنا والله سأسافر إلى بلدي كذا، سأسافر إلى بلدي كذا»، وما حدد متى هذا السفر، بعد سنة، بعد سنتين، بعد عشر سنين، ما حدد. هل نطالبه بالسفر اليوم، أو هذا العام، أو بعد عامين؟ لا نطالبه بالسفر مدة حياته، أي وقت في حياته يسافر، فقد وفى بقسمه، وفى بقسمه. فلو قيل: «لو أنت حلفت أنك ستسافر، لماذا ما سافرت؟» له الحق أن يقول لهم: «وأنا قلت لكم متى سأسافر؟ خلاص، أنا سأسافر، أنا ما زلت حياً، ما دمت أنني حي، فإنني سأسافر»، فيكون حلفه مفتوحاً. فاستدل العلماء بهذا على هذه المسألة: أن من حلف على فعل شيء، ولم يذكر مدة معينة، لم يحنث حتى تنقضي أيام حياته، حتى تنقضي أيام حياته. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لعمر: «نعم، أخبرتك أننا سنطوف البيت، لكن هل أخبرتك أننا سنطوف هذا العام؟ لا». ولذلك جاء في الصلح أنهم سيعتمرون العام القادم. قال: «قلت: لا». قال: «فإنك آتٍ ومطوف به». قال العلماء: هذا فيه علم من أعلام نبوته، وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. ما وجهه؟ آمن... يجيب: ما وجهه قول النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: «إنك ستأتي، أو إنك آتٍ ومطوف به»؟ هذا قالوا فيه: علم من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام. ما هو وجهه؟ نعم، لم يمت، ولم يتخلف، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن شيء غيبي. وهذه قاعدة عند العلماء: إذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشيء غيبي، ثم تحقق هذا الشيء، هذا يعد من أعلام نبوته، لأنه لا يعلم الغيب عليه الصلاة والسلام إلا ما أطلعه الله عليه، فهو رسول الله حقاً وصدقاً. ذكروا من ذلك قول الله عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، قالوا: هذا فيه علم من أعلام نبوته، لأن أبا لهب مات على الكفر، مات على... ماذا؟ على الكفر. وهكذا أدلة كثيرة ذكرها شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة». قال عمر رضي الله تعالى عنه: «قلت... وقال: فإنك آتٍ مطوف به». قال: «فأتيت أبا بكر». ذهب بعد ذلك إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال العلماء: ولم يكن أبو بكر حاضراً لمراجعة عمر رضي الله تعالى عنه للنبي عليه الصلاة... لأنه لو كان حاضراً، لما سأل عمر أبا بكر مرة ثانية، لأنه قد سمع الجواب. فقال العلماء: توافق جواب أبي بكر مع جواب النبي عليه الصلاة والسلام. فلذلك هنا جواب أبي بكر كجواب النبي عليه الصلاة والسلام. لما قال له عمر: «يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقاً؟» قال: «بلى». قلت: «ألسنا على حق، وعدونا على الباطل؟» قال: «بلى». قلت: «فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟» ماذا قال له أبو بكر؟ قال له: «أيها الرجل، إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه». انظر: نفس جواب النبي عليه الصلاة والسلام: «وليس يعصي ربه، وهو ناصره، وهو ناصره». ولذلك ذكر العلماء رحمهم الله أن جواب أبي بكر لعمر فيه... يعني: بنظير ما أجابه النبي عليه الصلاة والسلام، فيه دلالة على أنه، أي: أبو بكر رضي الله عنه، أكمل الصحابة، وأعرفهم بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم بأمور الدين، وأشده موافقة لأمر الله تعالى، وأنه رضي الله عنه لم يكن موافقاً لعمر ومن معه من الصحابة ممن وجدوا في أنفسهم. فكان أبو بكر قوله كقول رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم يجد في نفسه، لأنه يعلم أنه رسول الله حقاً، وأنه لا يعصي ربه. فلذلك اطمأن أبو بكر رضي الله عنه لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، فأنكر على عمر ما وجد في نفسه. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل بقية الحديث إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.