الصحيح المسند من أسباب النزول  68

الصحيح المسند من أسباب النزول 68

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 68، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أسباب نزول آيات البر بالوالدين والأنفال وتحريم الخمر في قصة سعد بن أبي وقاص

يتناول المقطع مواقف سعد بن أبي وقاص التي كانت سبباً في نزول آيات البر بالوالدين، وآية الأنفال في قسمة الغنائم، وآيات تحريم الخمر. ويؤكد القاعدة الشرعية "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" حتى مع الوالدين.

أحكام طاعة الوالدين في المعروف وبرهما وقصة سعد مع آية الأنفال

يبين وجوب طاعة الوالدين في المعروف فقط، مستدلاً بثبات سعد على دينه رغم إكراه أمه، ويذكر حديث الثلاثة في الغار وعظمة حق الوالدين حتى لو كانا مشركين. كما يروي طلب سعد السيف من الغنيمة ونهي النبي صلى الله عليه وسلم له، ونزول آية الأنفال بياناً لحكم الغنائم.

أحكام الوصية والصدقة وقصة سعد بن أبي وقاص مع الخمر

يشرح حكم الوصية بأنها لا تجوز بأكثر من الثلث استدلالاً بقصة سعد، ويفرق بين الصدقة في الحياة والوصية بعد الموت. ويسرد قصة شرب سعد للخمر قبل تحريمها ونزول آيات التحريم، مستخلصاً فوائد في بر الوالدين الكافرين والصبر على الابتلاء وأحكام الغنيمة.

هدي النبي في التربية والتحذير من المسكرات

يوضح أن النبي ﷺ استخدم الشدة أحياناً للضرورة التربوية مع أن الأصل الرفق، وأن سكوت النبي عن وصية سعد بالثلث دل على إقراره. ويحذر من مخاطر المسكرات والمخدرات التي تزيل العقل وتورث العداوة والعنف والسرقة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الواجعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سورة العنكبوت، سبع نزول. قوله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ﴾ [العنكبوت: 8]. قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالا: حدثنا الحسن بن موسى، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا سماك بن حرب، قال: حدثني مصعب بن سعد عن أبيه، وأبوه هو سعد بن أبي وقاص، قال: أنه نزلت فيه آيات من القرآن. قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب. قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد. فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [العنكبوت: 8]. وفيها: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان: 15]. قال: وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف، فأخذته فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أنفلني هذا السيف، فأنا من قد علمت حاله. فقال: «رده من حيث أخذته». فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض، لامتني نفسي، فرجعت إليه، فقلت: أعطنيه. قال: فشد لي صوته: «رده من حيث أخذته». قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [الأنفال: 1]. قال: ومَرِضَ، فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاني. فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت. قال: فأبى. قلت: فالنصف. قال: فأبى. قلت: فالثلث. قال: فسكت، فكان بعد الثلث جائزاً. قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعالى نطعمك ونسقيك خمراً، وذلك قبل أن تحرم الخمر. قال: فأتيتهم في حش، والحش البستان، عندكم بالكسر. قال: والحش البستان. قال: فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزق من خمر. قال: فأكلت وشربت معهم. قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: قال: فذكرت هكذا عندك في تسكين التاء بالفتح. قال: فأتيتهم في حش، والحش البستان، فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزق من خمر. قال: فأكلت وشربت معهم. قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. فأخذ رجل أحد لَحَيَيْ الرأسي فضربني به، فجرح أنفي. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأنزل الله عز وجل في... يعني نفسه، شأن الخمر: ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 90-91]. قال: الحديث أخرجه الترمذي منه الخصرة الأولى. قال: الحديث أخرج الترمذي منه الخصرة الأولى، وأشار إلى بقيته، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأحمد بتمامه في الموضعين. وفي الموضع الأول ذكر الآية التي في سورة لقمان. والطيالسي والبخاري في الأدب المفرد، وفيه آية لقمان. فإما أن تكونا نزلتا معاً، وإما أن يكون اضطرب فيه سماك بن حرب، سماك بن حرب، فإنه رحمه الله يضطرب في كثير من الأحاديث، والله أعلم. معنى هذا الحديث: يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: نزلت فيه آيات من القرآن، يعني كانت سبب نزولها حوادث ومواقف وقعت لسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فأول هذه الآيات: قال: حلفت أم سعد ألا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه. وكانت كافرة، فأسلم سعد، فعلمت بذلك فغضبت، فحلفت ألا تكلمه أبداً، تهجره حتى يرتد عن دينه، حتى يكفر. وحلفت أيضاً أن لا تأكل ولا تشرب، تضرب عن الطعام والشراب. وزعمت... وزعمت يعني ظنت أن الله... قالت: زعمت أن الله، أو زعمت، قالت: زعمت، يعني ظننت، تخاطب سعداً، تقول له: زعمت أن الله وصاك بوالديك، يعني ببر والديك وبطاعتهما والإحسان إليهما. تقول لسعد: دينك الذي أنت تعتنقه يأمرك بذلك، وأنا أمك، يعني إحدى والديك، وأنا آمرك بهذا، يعني آمرك بأن تكفر وترتد عن دينك. فتريد أن تقول: إذن مما يأمرك به هذا الدين أن تطيعني في ذلك. وكما تعلمون أن الطاعة إنما تكون بالمعروف، طاعة المخلوق، ولو كان والداً أو أماً، لا يكون إلا بالمعروف، لا يكون إلا بالمعروف. قال: مكث ثلاثاً، يعني لا تأكل ولا تشرب، مضربة عن الطعام والشراب، حتى غشي عليها من الجهد، يعني من التعب ومن الضعف. ثلاثة أيام ما تأكل ولا تشرب. فقام ابن لها، ابن آخر، أخ لسعد، يقال له عمارة، اسمه عمارة، فسقاها، رحمها، أتى بماء فسقاها هذا الماء. قال: فجعلت تدعو على سعد، تدعو على سعد. وهذا الدعاء اعتداء، اعتداء، اعتداء في الدعاء، فلا يقبل. إنما الدعاء الذي يكون مقبولاً إذا لم يكن فيه اعتداء وظلم. فقام... فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾، يعني أن يحسن إلى والديه. ثم قال: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ ﴾، يعني اجتهدا في أن تشرك بالله، فلا تطعهما، كما تقدم. إنما الطاعة في المعروف، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فالوالدان لهم حق عظيم من الطاعة والبر والإحسان، ولكن هذه الطاعة تكون في طاعة الله، ما فيها محذور شرعي، ما فيها مخالفة للشرع، ما فيها معصية، ما فيها محرم. فهنا يجب على الابن أن يطيع والديه، أن يطيع والديه. أما إذا كانت هذه الأوامر من الوالدين فيها معصية، فلا، ولا شيء على هذا الابن إذا أبى أن يطيعهما، ما في ذلك. فهذه الآية صريحة في هذا. وقد يقول قائل: إنما هذه الآية نزلت في الشرك. نعم، إذا دعاك أبوك أو أمك إلى الشرك لا تطعهما. لكن في غير ذلك يجب عليك الطاعة. يقال له: نعم، هذا فهمته وأنت من الآية، لكن أهل السنة عندهم كتاب وسنة، عندهم كتاب وسنة، ولا يتعارض الكتاب مع السنة. الآية ذكرت الشرك، والسنة ذكرت غير الشرك. قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». مهما كان هذا المخلوق، ما هو المخلوق الذي حقه أعظم وأوجب؟ هما الوالدان، هما الوالدان. فإذا أمراك بمعصية لا تطعهما. قال: الأب... قال لك: احلق لحيتك، لا تطعه. لا تقول: هذا أبي، وأنا إذا خالفته سيغضب، وإذا خالفته سيدعو علي أو نحو ذلك. لا، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. أمرك أن تختلط بالنساء والدخول على النساء، لا طاعة له. أمرك بأن تشتري له شيئاً محرماً من سجائر أو قات أو نحو ذلك، لا طاعة له. وأما سوى ذلك من أمور الدين والدنيا فيجب عليك. وقال لك: اذهب اشترِ لي تفاحاً أو صيداً أو لحماً أو فاكهة، هذا يجب عليك، أن هذا ما فيه معصية. إذا قال لك: خذني إلى مكان كذا، تذهب به، أريد كذا وكذا مما أحل الله، تأتي به. وهكذا ينبغي أن يجمع بين الآية وبين السنة. وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة في المعروف». شيء معروف، ما فيه منكر، فتجب الطاعة، طاعة المعروف، سواء كان الوالدان أو غيرهم، أو غيرهما من الأرحام أو الأقارب أو الأصدقاء أو الأولاد أو الزوجات أو نحو ذلك. فانظر إلى ثبات سعد، وإلى فهمه لدين الله عز وجل، فلم يتراجع، ولم كذلك يستجيب لأمه، بل ثبت على دينه، فثبته الله سبحانه وتعالى. قال: وفيها: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾. انظر إلى حق الوالدين، ولو كانا مشركين، لا تتركهما ولا تعاديهما، بل صاحبهما في الدنيا معروف. أمر الله عز وجل بمصاحبتهما على ما فيهما من الكفر والشرك، دليل على عظم حق الوالدين، على عظم حق الوالدين. فكيف إذا كان الوالدان مسلمين، بل من أهل السنة والاستقامة؟ فلا شك أن صحبتهما في الدنيا معروفاً من أوكد وأوجب الواجبات، من أوكد وأوجب الواجبات. فيكون له حق الأبوة والأمومة، وحق الإسلام، وحق الاستقامة والسنة، فتكون الطاعة بهما أوجب وأوكد. فلا تنفر عليهما، ولا تؤذيهما، ولا ترد لهما طلباً تستطيع أن تقوم به وأن تؤديه. وهذا من تمام البر إلى الوالدين، من تمام البر. انظر إلى ذاك الرجل كما في حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت في الغار. فقال أول هؤلاء الثلاثة، بعدما قالوا: كل واحد يتوسل فيما يعلم من صالح عمله، ما هو العمل الصالح الذي كان يعمله، ويظن أنه من أفضل أعماله، ومن أجل وأعظم أعماله؟ فقال الأول: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا ولداً ولا مالاً. والغبوق هو شرب العشي. يعني ما كان يقدم عليهما أحداً من أهله، لا زوجة، ولا ولد، ولا عبد، فسر المال بالعبيد، فكان يقدمهما على غيرهما. قال: فنأيت بطلب الشجر يوماً، يعني بعد به، ما وجد شجراً قريباً، فذهب بعيداً. قال: فلم أرح، يعني لم أرجع، إلا وقد ناما، وهما نائمان، تأخر عنهما. قال: فكرهت أن أوقظهما. انظر، بلغ به البر أنه ما يريد أن يؤذيهما باستيقاظهما، هذا ربما يزعجهما. قال: وكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً أو ولداً أو مالاً. كرهت أنني أعطي أو أسقي أحداً قبلهما. قال: فوقفت عليهما، وقف عليهما طيلة الليل حتى بزغ الفجر، حتى الفجر، حتى ظهر ضوء الفجر، وهو واقف بالإناء على والديه. قال: والصبية يتضاغون، تصايحون، يريدون هذا الغبوق، وهو منتظر لقيام والديه. غاية في البر والإحسان. فهكذا ينبغي أن يكون الواحد منا مع أبويه، حقهما عظيم. قال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أبوك». ذكر الأم ثلاثاً لأن حقها أعظم من حق الأب، ثم ذكر بعدها الأب، ولم يذكر أحداً قبلهما. ما ذكر الزوجة، وما ذكر الأولاد، وما ذكر أحداً من الأرحام. حق الناس بحسن صحابتك هم الوالدان. ربما بعض الناس ينبسط إلى أصحابه أو زوجته، وأما مع والديه فهو لا ينبسط إليهما، ولا كذلك يحسن صحبتهما. وهذا من الخطأ. وهذا هو وجه الشاهد من إيرادي هذا الحديث، لأنه سبب نزول هذه الآية التي نحن بصددها، والتي هي في سورة العنكبوت. ثم قال: وأصاب... هذه الآية الأولى التي نزلت في سعد. الآية الثانية سيذكرها. قال: وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة. الغنيمة: وما يأخذه المسلمون من الكفار بالقتال. يقاتل المسلمون الكفار فيغنمون الأموال، من الأسلحة، أو من المركوبات كالإبل ونحوها، أو من الألبسة أو نحو ذلك، هذا تسمى غنيمة. إذا كانت عن قتال. أما إذا لم تكن عن قتال، يعني كسب المسلمون من الكفار مالاً لكن من غير قتال، خاف الكفار فهربوا وتركوا أموالهم، فجاء المسلمون وأخذوها دون أن يتقاتل المسلمون مع الكفار، ماذا يسمى هذا؟ ﴿ فَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ﴾ [الحشر: 7] الآية. يسمى فيء. وأيضاً الغنيمة لها اسم آخر وهي الأنفال. كذلك الأنفال هي بمعنى الغنيمة، كما سيأتي في هذا الحديث. قال: وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف. في هذا الغنيمة سيف. قال سعد: فأخذته فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أنفلني هذا السيف، يعني اجعله من نصيبي. لأن الغنيمة لا يجوز للمقاتل أن يأخذ منها شيئاً قبل القسمة. كل ما يغنمه المسلمون يجمع ثم يوزع على المقاتلين بما يراه الإمام، فيعطي الراجل سهماً، والراكب سهمين، الذي معه مركوب سهم له وسهم لمركوبه، فيوزعه الإمام. فقبل القسمة لا يجوز أخذه. ومن أخذ شيئاً قبل القسمة، ماذا يسمى؟ من أخذ شيئاً من الغنيمة قبل القسمة يسمى غلول، يسمى غلول. ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة. فسعد رأى هذا السيف الغنيمة، فأخذه، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، استأذنه في أخذه، وأن يكون من نصيبه. فقال: فقلت: أنفلني هذا السيف، فأنا من قد علمت حاله، يعني أنني أحتاج إلى هذا السيف في القتال والجهاد. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «رده من حيث أخذته»، يعني لا تأخذه لأنه لم تقسم الغنيمة بعد. قال: فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض، يعني في ما جمع من الغنيمة، لامتني نفسي، يعني قال: كيف أرده وأنا اشتقت إلى هذا؟ سأرجع مرة ثانية إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لامتني نفسي. قال: فرجعت إليه، رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فقلت: أعطنيه. قال: فشد لي صوته، يعني رفع النبي صوته المرة الثانية: «رده من حيث أخذته». قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾، يعني الغنائم. قلنا: الأنفال يأتي بمعنى الغنائم. فتتمت الآية: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ [الأنفال: 1]. الآية هذه الآية الثانية التي نزلت في... ممن؟ في سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه. قال: ومَرِضَ، فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاني. أرسل إلى النبي من أجل أن يسأله، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إليه. قال: فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت. قال النبي صلى الله عليه وسلم: عندي مال، وأنا الآن مريض، فلعل هذا المرض هو مرض موتي، فسأقسم ما معي من مال. مقسم هذا المال كله، مقسم هذا المال كله. انظر على إيمان وتوكل ورغبة في الآخرة، رغبة في الآخرة. فأبى، يعني رفض النبي عليه الصلاة والسلام أن يقسم جميع ماله. قلت: فالنصف. إذن إذا هو كل المال كثير، سأقسم نصف هذا المال، والنصف الآخر سأحتفظ به عندي، ونصف أقسمه وأوزعه. فقال: فأبى، أبى النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: فالثلث. قال: إذن سأخرج الثلث، وسأبقي الثلثين، وسأبقي الثلثين. قال: فسكت، أي النبي صلى الله عليه وسلم. فكان بعد الثلث جائزاً. إنما قال له النبي عليه الصلاة والسلام ذلك لأن حال سعد بن أبي وقاص حال موصٍ بعد موته، لأن هذا الموت، لأن هذا المرض مرض خاف سعد من أن يكون سبباً لوفاته. فاستدل العلماء بهذا على أن الوصية لا يجوز أن تكون أكثر من الثلث، لا يجوز أن تكون أكثر من الثلث. والوصية: هو ما يوصي به العبد بعد موته. إذا أنا ميت، أخرج ثلثاً من مالي صدقة، وإن حددها تخرج على ما حدد، هذا تسمى وصية. مثلاً: إنسان عنده أموال، ثم مرض مرض مرض، فقال: أريد نصف مالي صدقة. يقال له: لا، ما يجوز، لأنك أنت الآن صورة... صورة هذه الصدقة صورة ماذا؟ وصية. في حال صحتك ما تصدقت، وإنما لما مرض وخفت الموت أردت التصدق، فهذا حكم، وحكم الوصية. لكن لو إنسان صحيح وما عنده مرض ولا شي، فتصدق بنصف ماله، هل يجوز؟ نعم يجوز، حتى لو كل ماله، لأنه تصدق به في حياته، ولا توجد هناك قرينة تدل على وفاته. فهنا يجوز له أن يتصدق. أبو بكر رضي الله عنه، كما عند أبي داود، لما حث النبي عليه الصلاة والسلام على الصدقة، أتى أبو بكر بكل ماله، بجميع ماله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ماذا أبقيت لأهلك؟» قال: «أبقيت لهم الله ورسوله». يعني ما ترك لهم شيئاً، أتى بجميع ماله. فقال... فقال... فقال علماء: هذا يجوز إذا لم تكن صورته صورة الوصية، إذا لم تكن صورته صورة الوصية. أما إذا كان صورته صورة الوصية، فهذا لا... بعض الناس الآن تحايل، إذا مرض قال مثلاً: يريد أن يحرم أحد الورثة من المال، فيقول: أنا أريد أتصدق بنصف مالي، هذا لفلان مثلاً، يكون من أرحامه أو من أصدقائه أو نحو ذلك، فهذا لا يجوز، لأن صورته صورة وصية، ليست صورة صدقة. نعم، إذا هو صحيح أراد أن يتصدق لأي أحد، له ذلك. فهنا استدل العلماء بهذا الحديث على أنه جاء في الوصية. ولذلك من شروط الوصية: ألا تكون أكثر من الثلث. كان ولا بد موصياً فليوصِ بالثلث. بل استحب بعض العلماء أن تكون الوصية بأقل من الثلث، من باب الاستحباب. ورد هذا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: وددت لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع. لأن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات قال: قال لسعد بن أبي وقاص: «الثلث، والثلث كثير». قال له: الثلث، والثلث كثير. فأجاز له الثلث، واستكثر. فدل ذلك على أن الأفضل أقل من الثلث. وفي رواية: قال لسعد: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». أعطوهم أو منعوهم. فهذا يدل على أن الموصي خاف من الموت، خاف من الموت، فأوصى، فيوصي بالثلث أو أقل، وليس له أن يوصي بأكثر من ذلك. قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمراً، وذلك قبل أن تحرم الخمر. لأن الخمر جاء تحريمها متأخراً، تدرج الشرع في تحريم الخمر. فأولاً ذم هذه الخمر، وبينا أن إثمها أكبر من نفعها. ثم حرم الخمر في الصلاة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ [النساء: 43]. تدرج في تحريم الخمر إلى أن جاء التحريم الصريح العام للخمر في الصلاة وفي غيرها. قال: فأتيتهم في حش، والحش البستان، يعني هم جالسون في بستان. فإذا رأس جزور مشوي، يعني إبل، عندهم، وزق من خمر، يعني إناء. قال: فأكلت وشربت معهم. قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، يتحدثون بعدما شربوا الخمر. فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. وهذه المسألة قد ذكرها العلماء، والأمر كما قال سعد، لسابقتهم وجهادهم ونحو ذلك. قال: فأخذ رجل أحد لَحَيَيْ الرأس، يعني عظم الرأس، أحد جانبيه، يكون في اللحا، فضرب... فضربني به، فجرح أنفي. ضرب سعد بهذا العظم حتى جرح أنفه. ولعل السبب في ذلك الإسكار، الإسكار. قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، أنه وقع كذا وكذا. فأنزل الله عز وجل في... يعني نفسه، في سعد، شأن الخمر: ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ * فَانْتَهُوا ﴾ [المائدة: 90-91]. وقال: انتهينا، انتهينا. فهذا هو المعنى الإجمالي لهذا الحديث. والحديث فيه فوائد كثيرة، ننبه على بعضها. فمن فوائد هذا الحديث: فيه الإحسان إلى الوالدين، وإن كانا كافرين، مع عدم طاعتهما في المنكر وفي المعصية. ومن فوائد هذا الحديث: أن دعاء الوالدين إذا كان فيه اعتداء وظلم، فإنه لا يضر، فإنه لا يضر. فأم سعد دعت عليه، لكنه باعتداء وظلم. ومن فوائد هذا الحديث: فيه ثبات سعد، مع ما تعرض له من ابتلاء من قبل أمه. وهكذا ينبغي للمسلم، ألا يضره... ألا يضره الابتلاء، وإن كان من أقرب الناس إليه. فقد تبتلى بأب معاند مشاكس، يؤذيك فيما وفقت الله إليه من الاستقامة، ومن كذلك لزوم السنة. فلا تبالي، وداره، وتلطف معه، وأحسن إليه، فالله عز وجل... وادعو له، فالله عز وجل يثبت... فالله عز وجل يثبت. فلا يكن الابتلاء، ولو كان من الوالدين، سبباً لانحرافك، أو لتركك للحق الذي تعلمه. فهذا يدل على ضعف الإيمان، إذا استجبت للوالدين فيما فيه معصية لله عز وجل. وكذلك من فوائد هذا الحديث: فيه ما تقدم من بعض أحكام الغنيمة، وأنه لا يجوز لأحد أن يأخذ منها قبل القسمة. وكذلك من فوائد هذا الحديث: الشدة أحياناً فيما يحتاج إليه إلى شدة. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لسعد: «رده من حيث أخذ»، أن هذا يخالف أحكام الغنيمة. ولما جاءه مرة أخرى، رفع صوته عليه الصلاة والسلام، قال: فشد لي صوته. فشد أحياناً لا بأس بها، وإن كان الأصل أن يكون المربي ليناً حكيماً رحيماً بتلاميذه. فالنبي عليه الصلاة والسلام شد على أسامة لما قتل الرجل بعدما قال: لا إله إلا الله. قال: وقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله... قال: «أشققت عن قلبه؟». وكذلك معاذ، لما كان يصلي بالناس فيقرأ لهم من سورة البقرة ويطيل عليهم، فاشتكى ذلك الأعرابي. قال له النبي عليه الصلاة والسلام... وقال معاذ: أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت؟ شد عليه، لأن الموطن يحتاج ذلك. وكذلك أبو ذر، لما عير رجلاً بأمه، فقال له: «إنك امرؤ فيك جاهلية». فالشد أحياناً فيمن خالف من التلاميذ لا بأس بها، وهذا من هدي النبي عليه الصلاة والسلام. وإن كان الأصل في الدعوة، والأصل في المعاملة، الرفق واللين. ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159]. وكذلك من فوائد هذا الحديث: فيه أن السكوت علامة الرضا أحياناً. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قال له سعد: الثلث، فسكت، قال: فكان بعد الثلث جائزاً. وهذه قرينة تدل على أن السكوت في هذا الموضع علامة الإقرار. لأنه لما أراد أن يتصدق بجميع ماله، أبى النبي عليه الصلاة والسلام، يعني رفض. فلما أراد أن يتصدق بالنصف، رفض النبي، أبى. وهكذا لما أراد أن يتصدق بالثلث، سكت، فدل ذلك على إمضاء ذلك. وفي هذا الحديث أيضاً: خطورة المخدرات، من الخمور، ومن شراب الآن من الحشيش والحبوب والقات ونحو ذلك. فهذه أيضاً تورث ما يورثه الخمر، بل بعضها أشد، كالمخدرات، فإنها تزيل العقل، وتجعل متعاطيها مثل المجنون. فانظر إلى هؤلاء الصحابة، لما شربوا هذه الخمر، صار منهم هذا الكلام، بل والفعال. فأخذ رجل أحد لَحَيَيْ الرأس، رأس هذا الجزور، فضرب به سعداً، حتى جرح أنفه. فعلوا شيئاً عن غير تعقل، بسبب هذا المسكر. وهكذا ما كان بمعنى... والعلة واحدة. فهذه المسكرات المنتشرة الآن، وهذه المخدرات المنتشرة الآن، تورث العداوة، بل والقتل، وكذلك الاعتداء والغصب ونحو ذلك، لأن صاحبها يكون مثل المجنون، ربما قتل أخاه، قتل أمه، ربما... يعني سرق الأموال، الأموال الكثيرة، حتى يشتري... مبتلى به. فيحذر المسلمون من هذا، ويحذرون من هذه المسكرات. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.