التعليق على مقدمة سنن الدارمي 79

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 79، ألقاها

تحذير السلف من مخالفة حديث النبي

يذكر أهمية اتباع حديث النبي صلى الله عليه وسلم وإنكار السلف على من خالفه برأيه أو بقول غيره. يحذر من تتبع رخص العلماء وزلاتهم.

أهمية اتباع التشريع النبوي

يؤكد على أهمية اتباع كتاب الله وسنة رسوله في التشريع وحرمة مخالفة الأحاديث النبوية. يشير إلى أن الرأي يجب أن يستند إلى الأدلة الشرعية.

وجوب اتباع السنة وحرمة مخالفتها

يؤكد على وجوب اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وحرمة مخالفتها مستشهدا بالقرآن وحديث عمر بن الخطاب وسعيد بن المسيب.

ختام الباب بالصلاة على النبي

تم الانتهاء من قراءة هذا الباب وقد ختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين. صلى الله عليه وسلم، وقول غيره عند قوله صلى الله عليه وسلم، سيذكر في هذا الباب بعض الآثار الواردة في ذكر إنكار السلف رحمهم الله على من خالف حديث النبي صلى الله عليه وسلم برأيه وبعقله. قال: أخبرنا موسى بن خالد، وموسى بن خالد روى عنه ثلاثة، وثقه ابن الحبان، وقد أخرج له مسلم في صحيحه، ومن طريقه حديث: «نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل». قال: حدثنا معتمر، وابن سليمان بن طرخان، كان يلقب بالطفيل، وهو ثقة، وثقه ابن المعين، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، عن أبيه، وهو سليمان بن طرخان أبو المعتمر التيمي. وقال فيه شعبة: ما رأيت أصدق منه، كان إذا حدث تغير لونه، وكان يقوم الليل ويصلي الفجر بوضوء العشاء، وكان يقول رحمه الله: «لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله». نعم، لأن العلماء وإن عظمت منزلتهم، وكذلك عظم قدرهم، فإن العالم بشر يصيب ويخطئ ويعلم ويجهل، فربما تتتبع رخص العلماء، فهذا يرخص في أمر من الأمور، وذلك يرخص في شيء آخر، تتبع رخصهم، فيجتمع فيك الشر بما يقع من أهل العلم من هذه الرخص. والواجب على المسلم أن يتحرى الحق والصواب، لا أن يتحرى الرخص، وكذلك أيضا زلات أهل العلم. قال أي سليمان بن طرخان: «ليتقى من تفسير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يتقى من تفسير القرآن». والأثر صحيح. اللي يتقى من تفسير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يتقى من تفسير القرآن، أي كما أنه يجب أن يتقى من تفسير القرآن، أي لا يفسر الإنسان كتاب الله جل وعلا برأيه وعقله، وإنما ينظر في تفسير القرآن إلى ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، أو كذلك ما صح عن الصحابة رضوان الله عليهم، أو التابعين، أو كذلك قبل ذلك ما يفسر القرآن من كتاب الله جل وعلا، فهكذا أيضا ينبغي أن يتقى من تفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يتجرأ المسلم بتفسير حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام بغير علم وبغير معرفة ورجوع إلى أهل العلم في ذلك، فيفسر بعقله ورأيه، وفيقع في ذلك في الخطأ والزلل. قال رحمه الله: أخبرنا صدقة بن الفضل، وهو كما قال الذهب رحمه الله صاحب سنة واتباع. قال: حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه سليمان بن طرخان، قال: قال ابن عباس: «أما تخافون أن تعذبوا أو يخسف بكم أن تقولوا: قال رسول الله، وقال فلان». والأثر صحيح. وجاء في مسند الإمام أحمد بلفظ: «أراكم ستهلكون: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر». وهذا أيضا تحذير من هذا الصحابي الجليل والعالم الحبر عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما من مخالفة حديث النبي عليه الصلاة والسلام ومعارضة حديثه عليه الصلاة والسلام وقوله مع قول غيره من البشر. قال: أما تخافون أن تعذبوا أو يخسف بكم أن تقولوا: قال رسول الله، وقال فلان، أي تجعلون قول النبي عليه الصلاة والسلام كقول غيره من البشر، أو تعرضون قوله بقول غيره من البشر، مهما بلغت منزلتهم ومهما عظمت قدرهم، ولو كانوا من أهل العلم والفضل، فإنه لا يجوز أن يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم بقول أي أحد من البشر. فهذا ابن عباس ينكر على من رد قول النبي عليه الصلاة والسلام بقول أبي بكر وعمر، ومن أفضل من أبي بكر وعمر، فهما أفضل هذه الأمة باتفاق السلف بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فمن دونهم من باب أولى أنه لا يعارض قول النبي عليه الصلاة والسلام بقولهم. قال رحمه الله: أخبرنا الحسن بن بشر، قال: حدثنا المعافى عن الأوزاعي، وهو الإمام عبد الرحمن بن عمر إمام أهل الشام، قال: كتب عمر بن عبد العزيز: «إنه لا رأي لأحد في كتاب الله، وإنما رأي الأئمة فيما لم ينزل فيه كتاب ولم تمض به سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا رأي لأحد في سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم». وهذا الأثر حسن، والحسن بن بشر والمعافى من الثقات، والإمام الأوزاعي إمام ثقة. فعمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: «لا رأي لأحد في كتاب الله»، يعني لا يقول أحد في كتاب الله برأيه بعقله، الرأي المجرد عن الدليل. قال: «وإنما رأي الأئمة فيما لم ينزل فيه كتاب ولم تمض به سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم»، يعني أن الرأي رأي العلماء في الأمر الذي ليس فيه آية من كتاب الله جل وعلا أو حديث من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنما يقولون بذلك برأيهم، وليس المراد الرأي المجرد الذي هو اتباع للهوى، وإنما الرأي المستند إلى عمومات الأدلة وإلحاق النظير بنظيره والمثيل بمثيله، فإن الشريعة لا تفرق بين مجتمع ولا تجمع بين مفترق. قال: «ولا رأي لأحد في سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم»، يعني إذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام حديثا أو قولا أو سنة، فلا يجوز لأحد أن يعارضها برأيه مهما كانت منزلته، فحديث النبي عليه الصلاة والسلام وقوله مقدم. قال رحمه الله: حدثنا موسى بن خالد، قال: حدثنا معتمر بن سليمان عن عبيد الله بن عمر، وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عثمان أحد الفقهاء السبعة، وهو ثقة، وثقه النسائي وابن معين وغيرهم، بل قال ابن معين رحمه الله: عبيد الله عن القاسم عن عائشة. والذهب المشتبك بالدر، يعني هذه السلسلة. قال: «أن عمر بن عبد العزيز خطب، فقال: يا أيها الناس، إن الله لم يبعث بعد نبيكم نبيا، ولم ينزل بعد هذا الكتاب الذي أنزل عليه كتابا، فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا وإني لست بقاض ولكني منفذ، ولست بمبتدع ولكني متبع، ولست بخير منكم، غير أني أثقلهم حملا، ألا وإنه ليس لأحد من خلق الله أن يطاع في معصية الله، ألا هل أسمعت». الأثر صحيح، صحيح إن كان عبيد الله بن عمر سمع من عمر بن عبد العزيز أو لقيه. والشاهد من هذا الأثر أنه لا يجوز لأحد أن يتقدم بين يدي كتاب الله جل وعلا أو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، فليس لأحد أن يحلل أو يحرم برأيه وهواه ويخالف ما ثبته في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما الواجب على العبد والمسلم هو الاتباع والاتباع، لا المخالفة والابتداع. قال رحمه الله: وأخبرنا عبيد الله بن سعيد، وهو اليشكري ثقة، وثقه أبو حاتم وأبو داود والنسائي. قال: حدثنا سفيان بن عيينة، وهو إمام، الإمام سفيان أبو محمد الهلالي، عن هشام بن حجير، وهشام بن حجير ضعف ابن معين، وقال الإمام أحمد: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، يعني في الشواهد، فمثله يكون حسنا الحديث في أقل الأحوال، والله أعلم. قال: «كان طاووس يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له ابن عباس: أتركهما. قال: إنما نهي عنها أن تتخذ سلما». قال ابن عباس: «فإنه قد نهي عن صلاة بعد العصر، فلا أدري أتعذب عليها أم تؤجر». لأن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. قال سفيان: «تتخذ سلما» يقول: يصلي بعد العصر إلى الليل. نعم، هذا الأثر صحيح، فطاووس رحمه الله كان يصلي ركعتين بعد العصر، فأنكر عليه ابن عباس، فقال له: أترك هما. فقال طاووس: «إنما نهي عنها أن تتخذ سلما»، يعني أن النهي عن الصلاة بعد العصر حتى لا تكون ذريعة إلى الاستمرار في الصلاة إلى الليل وغروب الشمس. فقال ابن عباس: «إنه قد نهي عن صلاة بعد العصر، فلا أدري أتعذب عليها أم تؤجر»، يعني لا أدري هل ستأجر بهذه الصلاة أو صلاتك هاتين ركعتين هل تكون مما يؤجر أو مما يعذب، لأنك تخالف حديث النبي عليه الصلاة والسلام وتخالف نهي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام في الصحيحين أنه قال: «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس»، ثم أنت تأتي وتصلي، فإنك حينئذ تخالف حديث النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شك أن مخالفة حديث النبي عليه الصلاة والسلام وأمره ونهيه مما يوقع العبد في العقوبة واستحقاق العقوبة. ثم ذكر قول الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، فيبين له أن الواجب على المسلم والمؤمن أن يتبع أمر الله ورسوله، وليس له خيار فيما قضى الله جل وعلا أو قضى رسوله عليه الصلاة والسلام، وإنما الواجب أن يتبع. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا ابن نمير عن مجالد عن عامر عن جابر: «أن عمر بن الخطاب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنسخة من التوراة، قال: يا رسول الله، هذه نسخة من التوراة. فسكت، فجعل يقرأ، ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير. فقال أبو بكر: ثكلتك الثواكل، ما ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فنظر عمر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله صلى الله عليه وسلم، رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد النبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حيا وأدرك نبوتي لاتبعني»». وهذا الأثر السند فيه ضعف، مجالد فيه ضعف، لكن الأثر له متابعات، يعني لمجالد متابعات في السنن، وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله في المشكاة. فهذا الأثر في أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بنسخة من التوراة، ومعلوم أن التوراة قد نسخت بنزول القرآن على النبي عليه الصلاة والسلام، فجعل عمر رضي الله عنه يقرأ منها، والنبي صلى الله عليه وسلم يتغير وجهه غضبا من ذلك. فقال أبو بكر: «ثكلتك الثواكل»، وهذه كلمة تقولها العرب ولا تريد ظاهرها، ومعنى «ثكلتك الثواكل»: يعني فقدتك من تحن عليك أمك ونحوها. ثم قال: «ما ترى بوجه رسول الله؟» فلما نظر عمر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم ورأى فيه الغضب، كف عن ذلك، فقال: «أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حيا وأدرك نبوتي لاتبعني»، يعني لو أن موسى ظهر بزمن النبي عليه الصلاة والسلام واتبعه الناس وتركوا اتباع النبي عليه الصلاة والسلام، لو وقعوا في الضلال. فإذا كان هذا في حق موسى عليه الصلاة والسلام، وهو يعني من أفضل أنبياء بني إسرائيل، فكيف باتباع الكتاب الذي أنزل عليه وقد حرف وغير وبدل، بل ونسخ ما فيه بالقرآن؟ لا شك أن ذلك من الضلال. ثم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن موسى لو كان حيا وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم ونبوته لازمه أن يتبعه. ولذلك أخذ الله عز وجل الميثاق على جميع الأنبياء: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، فدل هذا الأثر على أنه لا يجوز لأحد أن يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم بقول أحد من البشر. قال رحمه الله: حدثنا قبيصة، قال: أخبرنا سفيان عن أبي رباح، وأبو رباح مجرور حال، لكن له متابعات. قال: شيخ من آل عمر، قال: «رأى سعيد بن المسيب رجلا يصلي بعد العصر ركعتين يكثر، فقال له: يا أبا محمد. فقال: يا أبا محمد، أعذبني الله على الصلاة؟ قال: لا، ولكن يعذبك الله بخلاف السنة». فسعيد بن المسيب رحمه الله أنكر على الرجل يصلي بعد العصر ركعتين ويكثر من ذلك، أي من الصلاة من صلاة ركعتين بعد العصر. فقال: «يا أبا محمد، أعذبني الله على الصلاة؟» يعني هل سأعذب وأنا أصلي لله؟ فقال له سعيد: «لا، ولكن يعذبك الله بخلاف السنة». فإن مخالفة السنة توجب على العبد العقوبة، وهذا كثير فيما يقع فيه بعض الناس هداهم الله ممن يفعل المخالفات والبدع، وهو يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فيقول: هل نعذب بذلك؟ سواء كان في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام بطرق المبتدعة، أو كذلك بعض الصلوات المحدثة. فنقول: يعذبكم الله جل وعلا على خلاف السنة، فإن مخالفة السنة مما يوجب العقوبة، والواجب على المسلم كما سمعنا أن يكون متبعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن لا يخالفها برأيه ولا بهواه. وبهذا نكون انتهينا من قراءة هذا الباب إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على