السماحة

الدرس في السماحة، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تعريف السماحة وأدلة مشروعيتها

يتناول المحور تعريف السماحة لغةً وشرعاً بأنها البذل والتيسير في المعاملات، ويستعرض أدلة القرآن الكريم كآية العفو وآية التيسير على المعسر، والسنة النبوية كحديث جابر بن عبدالله في السماحة بالبيع والشراء والاقتضاء، مؤكداً أنها خلق محمود ينبغي للمسلم التحلي به.

فضائل السماحة والنموذج النبوي في التطبيق

يبيّن المحور فضائل السماحة العظيمة من خلال الأحاديث النبوية؛ فمن كان هيناً سهلاً حرم على النار، والتاجر المتسامح غفر الله له، ويضرب المثل الأعلى بتعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع خادمه أنس بن مالك عشر سنين دون تقريع، داعياً للرفق بالعمال والأهل وتوسيع مفهوم السماحة ليشمل قضاء الحوائج والمعاملات المالية.

الدعوة للتحلي بالسماحة وخاتمة الدرس

يختتم الدرس بالدعوة العملية للتحلي بالسماحة وتجنب الغلظة في شتى المعاملات من بيع وشراء وقضاء حوائج، مع التأكيد على أن التيسير على المعسر يجلب الرحمة والبركة، ويختم المتحدث بالدعاء بالتوفيق وصلاح الأحوال للمسلمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة فيما يتعلق بي من مدرسة الأخلاق وجميل الأوصاف التي دعانا إليها ديننا الإسلامي الحنيف، حديثنا في هذه أو في هذا المجلس حول خلق جميل ووصف حسن نحن أحوج ما نكون إلى أن نتحلى به، ألا وهو ما يتعلق بالسماحة، أن يكون الإنسان سمحاً سمحاً. والسماحة كما عرفها بعض أهل العلم أنها بذل ما لا يجب تفضلاً، يتفضل الإنسان فيبذل من الأشياء ما لا يجب عليه بذله، ما لا يجب عليه بذله، فهذا يعتبر من السماحة. وهكذا ذكروا لها معنى آخر في معنى التسامح مع الغير في المعاملات المختلفة، ويكون ذلك بتيسير الأمور والملاينة فيها، أن يكون الإنسان ميسراً وأن يكون ليناً فيها، التي تتجلى فيها التيسير وعدم القهر وعدم القهر. والناظر في آيات القرآن وأحاديث السنة يجد الحث والترغيب على السماحة، فربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]. ذكر العلامة السعدي رحمه الله تعالى قال: هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع الناس وما ينبغي في معاملتهم، فالذي ينبغي أن يعامل به الناس أن يأخذ العفو، أي ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، ويتجاوز عن تقصيرهم، ويغض طرفه عن نقصهم. وهذا كما ترى يعتبر من ماذا مما يحصل به السماحة في التعامل مع الناس، التعامل مع الناس. وكذلك أيضاً ربنا تبارك وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 159]. وكذلك قوله تبارك وتعالى في حق الديون وقضائها: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ﴾ [البقرة: 280]، سماحة عند الاقتضاء، ﴿ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 280]. هذه الآية الكريمة وجه الله فيها الدائنين إلى التيسير على المدينين وعلى المعسرين، فعلمهم الله عز وجل بذلك سماحة النفس وحسن التغاضي عن المعسرين. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث ويرغب على أو في السماحة، فجاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما عند الإمام البخاري وغيره قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى». رحم الله رجلاً، وهذا فيه الدعاء بالرحمة من النبي صلى الله عليه وسلم لأهل السماحة: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى رضى». وهذا من الأمور التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم، عند أن يبيع شيئاً لا يكن ثقيلاً ولا يكن شديداً، وهكذا إذا أراد أن يشتري شيئاً، وهكذا أيضاً في حال الاقتضاء، سيتقاضى ديناً أو أجراً أو غير ذلك، ينبغي أن يغلب عليه السماحة. وجاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بمن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار؟ على كل قريب هين سهل». على كل قريب هين سهل، وقوله عليه الصلاة والسلام: «على كل قريب» أي من الناس بمجالستهم في مجالس الطاعة، وهكذا المجالس المباحة، وملاطفتهم على قدر المستطاع، على قدر المستطاع. وقوله: «سهل» أي في قضاء حوائجهم، أي في قضاء حوائجهم، أو كذلكم أيضاً يدخل في هذا أن يكون سمح القضاء وسمح الاقتضاء، وهكذا سمحاً في البيع والشراء كما سبق الإشارة إلى ذلك، كما سبق الإشارة إلى ذلك. وكذلك أيضاً من باب الحث على السماحة ما جاء في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما عند البخاري ومسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً أتى الله به، أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً، آتاه الله مالاً، فقال هذا الرجل، أو فقال الله لهذا الرجل: ماذا عملت في الدنيا؟ قال: ولا يكتمون الله حديثاً، الناس في ذلك اليوم لا يستطيع أحد أن يكتم الله عز وجل شيئاً، فقال هذا الرجل: يا رب، آتيتني ما لك، فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز، كان من خلقي الجواز، فكنت أتيسر على الموسر وأنظر المعسر. هذا كان من عادته ومن تعامله وأخلاقه مع الآخرين، قال: فقال الله: «أنا أحق بذا منك، تجاوزوا عن عبدي، تجاوزوا عن عبدي». وهذا فيه أن الجزاء يعتبر من جنسي العمل، جزاء وفاق، كان يتجاوز عن عباد الله عز وجل ويتعامل معهم بالسماحة، فجازاه الله عز وجل بذلك أن تجاوز عنه وسامحه ربنا تبارك وتعالى. ومما يتعلق بالسماحة هناك صور للسماحة ينبغي أن يحرص عليها العبد منا، من هذه الصور التي تدخل فيها أو تحتاج إلى شيء من السماحة في التعامل مع الآخرين: إذا أراد الشخص أن يتعامل مع غيره، وتكون السماحة في التعامل مع الآخرين بعدم التشديد، لا تشدد على الناس في تعاملك معهم، وهكذا أيضاً عدم الغلظة في تعاملك مع الآخرين، حتى ولو كان هذا الآخر قد يكون عاملاً عندك، اشتغل في محل عندك، بحار يشتغل في قارب لك، مزارع يشتغل في مزرعة لك، خادم يعمل عندك في بيت، إلى غير ذلك، فالمطلوب هو أن يتعامل مع هذا بالسماحة. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلمنا هذا الخلق كيف نتعامل مع الآخرين، فقد جاء في حديث أنس بن مالك في الصحيحين قال أنس رضي الله تعالى عنه: قال: ما شممت، يقول أنس رضي الله تعالى عنه: قال: ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، عشر سنين، أي منذ أن هاجر إلى أن مات عليه الصلاة والسلام، قال: ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أفٍ قط، ولا قال لشيء فعلته: لما فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا. يعني شاب أو غلام صغير كأنس بن مالك قد قد يحصل منه أخطاء، يرسله النبي صلى الله عليه وسلم لقضاء بعض الحوائج فيجده يلعب مع الصبيان، مع الغلمان، فما كان يعنف عليه، وما كان يشدد عليه ويلومه، كلمة أفٍ ما سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: لشيء فعلته: لما فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا. وهذه يا إخوان تربية، وهذه يا إخوان تعليم كيف يتعامل الإنسان مع الغير، قد يكون هذا الغير زوجه في البيت، كيف تتعامل مع زوجتك بسماحة؟ قد يكون هذا الغير أخاً في البيت، قد يكون أولاداً بنين وبنات، كيف تتعامل مع أولادك بسماحة؟ ليس كل ما يصدر من الأولاد يستحق التعنيف ويستحق الغضب ويستحق الضرب، وإنما ينبغي أن يكون الشخص في بيته سمحاً، وقد يغض الطرف عن بعض الأخطاء ويتجاوز عن بعض التقصير، فهذا من الأمور المطلوبة. أيضاً من صور السماحة: السماحة في البيع والشراء، وقد مر معنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى». اليوم يا إخوان بعض الناس يظن أن التفقيل في مسألة البيع والشراء يظنها كما يعبرون شطارة وذكاء، إذا أراد أن يشتري سلعة لابد يتعب البائع، بكم قال له: بثلاثمائة كيلو، أيها بعدين كم آخر كلام، كم بتعطينا إياها؟ لربما يبقى ربع ساعة يتحاور مع البائع على كيلو تفاح أو كيلو بصل أو كيلو عنب، إلى غير ذلك، المماكسة لا، بس كم آخر كلام تعطينا إياها 250. لكن التفقيل يا إخوان لربما يفقد الإنسان السماحة، لربما يفقد الإنسان السماحة التي دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأهلها بالرحمة، لأهلها بالرحمة. وكذا فيما يتعلق بالبيع، سيبيع شيئاً ينبغي أن يكون سمحاً، بكم قال له: والله بعشر آلاف سعودي، قال له: إيش رأيك عشر أو خمسمية؟ الإنسان ينبغي أن يكون سمحاً، فمن باب السماحة قال: الله يبارك، طلباً للبركة وطلباً لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة، هذا إذا لم يكن هناك مضر على الإنسان، إذا لم يكن هناك مضر على الإنسان ينبغي أن يسهل الإنسان فيما يتعلق بباب البيع. وأشهر أيضاً السماحة في قضاء الحوائج، فالذي يقضي حوائج الناس فتجده ينفس كربهم ويسر على معسرهم، فهذا يسر الله عنه في الدنيا والآخرة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى. أخيراً: السماحة فيما يتعلق بالاقتضاء، لك على إنسان دين، عنده دين وجاء وقت الوفاء، أي يا أبا فلان، عبر شهر، صبرنا عليك كثير، وين المال الذي عندك؟ قال: والله الظروف صعبة ما عندي شيء، كيف تبغيني أعمل؟ يا إخوان هنا يأتي دور السماحة، ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ﴾، أكد يقول الله تعالى: ﴿ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 280]. أمر الله عز وجل صاحب الدين أن ينظر وأن يصبر على المعسرين، ولو أسقط عنهم شيئاً كان ذلك خيراً، عنده عشر آلاف، قال: خلاص يا أبا فلان، الألفين مسامح فيها، يلا شد حيلك في ثمانية آلاف، دبرها بأسرع فرصة، ﴿ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾. أيها الأحبة في الله، السماحة هذا من الأمور المطلوبة التي ينبغي أن يعود الإنسان نفسه عليها، لا لا يكون ثقيلاً، لا يكون شديداً، لا يكون ماذا، غليظاً في تعامله مع الآخرين، سواء كان في البيع والشراء أو في قضاء الحوائج أو فيما يتعلق بالاقتضاء، إلى غير ذلك. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يوفقني وإياكم لكل خير، وأن يدفع عنا كل شر وضير، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.