الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 19، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشرح بتوضيح أهمية حديث حذيفة بن اليمان في الحث على الاستقامة واتباع الصراط المستقيم، ويبرز دور العلماء في ذلك. يُظهر المقطع الأول كيف يستدل الإمام محمد بن عبد الوهاب على وجوب الدخول في الإسلام كاملاً.
يُناقش هذا الجزء أهمية الاستقامة على دين الله واتباع منهج العلماء، ويُفسر أثر حذيفة رضي الله عنه في الحث على الاستقامة، ويستنبط منه وجوب اتباع الصراط المستقيم وفضل العلماء، ويحذر من الابتداع.
يتناول هذا الفصل خطورة الانحراف عن الصراط المستقيم حتى للعلماء، ويبرز أهمية الاستقامة والقدوة الحسنة لمن كان في محل نظر الناس، ويحث على تربية النفس والاستعاذة بالله من الحور بعد الكور.
يتضمن هذا الجزء دعاءً بأن ينفع الله بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر الاعتراف بقدرة الله وولايته على كل شيء، ويُنهي بالتأكيد على علم الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: يا معشر القراء استقيموا، فإن استقمتم فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالًا فقد ضللتم ضلالًا بعيدًا. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الأثر في باب وجوب الدخول في الإسلام، وكان كعادته رحمه الله تعالى أنه يبدأ أولًا بعد ذكر الباب ما يتعلق بآيات القرآن، وبعد ذلك ما جاء عن السنة عن سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك يعرِّج بأقوال الصحابة كما صنعها هنا. وفي قول المؤلف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح، وهذا الأثر أخرجه البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الاعتصام من صحيحه، وقوله عن حذيفة رضي الله تعالى عن حذيفة من أفاضل الصحابة. وفي هذا إشارة إخواني في الله إلى أن المرأة يعتني عناية عظيمة بالآثار المروية عن السلف الصالح، وخاصة عن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذ أنها حوت على علم كثير وعلى فائدة غزيرة كهذا الأثر الذي بين أيدينا. قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: يا معشر القراء، ولفظ القراء هنا إنما يعني به حذيفة العلماء، وهذا هو المعمول في لسان الشرع أنه يطلق على العلماء ويطلق كذلك على من تفقها في دين الله من الفقهاء، ويدخل في ذلك طلبة العلم والدعاة. قال رحمه الله تعالى: يا معشر القراء استقيموا، استقيموا فعل أمر من الاستقامة أي إلزموا الاستقامة واثبتوا عليها، والاستقامة هي لزوم طاعة الله سبحانه وتعالى. الناس جميعًا إخواني في الله مطالبون بالاستقامة، ليست هي خاصة لفئة دون فئة، بل ما من أحد رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد عليه الصلاة والسلام نبيًا ورسولًا إلا وينبغي ووجب عليه أن يستقيم. قال سبحانه: ﴿فاستقيموا إليه واستغفروه﴾، وفي الحديث: "قل آمنت بالله ثم استقم، قل آمنت بالله ثم استقم"، فالناس جميعًا مطالبون بالاستقامة، لكن الأجدر والأولى والأحرى بالاستقامة من كان ينتسب إلى العلم إلى حملة العلم. فهم الواجهة والناس إنما الأنظار في أمور الدين ترمو وترمق إليكم، ثم قال رحمه الله تعالى: يا معشر القراء استقيموا، فإن استقمتم فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالًا فقد ضللتم ضلالًا بعيدًا. قول المؤلف رحمه الله تعالى: فإن أخذتم يمينًا وشمالًا كناية عن الخروج عن الصراط المستقيم، لأن الخروج عن الاستقامة حقيقة هو خروج عن الصراط المستقيم. وقد مر معنا أن الصراط المستقيم وصراط واحد اتجاه واحد، فمن خرج عن الصراط المستقيم إنما سيخرج يمنة أو يسرة، ومر معنا ما رواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما خط خطًا في الأرض. فخط خطوطًا عن يمينه وخطوطًا عن شماله، وأشار إلى هذه الخطوط المعوجة: "هذه سبل ما من سبيل إلا وعليها شيطان"، فالذي يخرج عن الاستقامة هو في الحقيقة سيخرج إلى سبل الشيطان، وهذا هو الضلال. فهذه وصية جامعة نافعة من حذيفة رضي الله تعالى عنه لمعشر القراء من العلماء والفقهاء والدعاة، وهنا إخواني في الله تأتي مسائل مستفادة من هذا الأثر. من أوائل ما يستفاد إخواني في الله وجه إدخال هذا الأثر تحت هذا التوويب، المؤلف هو شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، بواب هذا الباب باب وجوب الدخول في الإسلام، ثم استدل بهذا الأثر الذي سمعتموه. فما العلاقة بينهما؟ هناك عدة احتمالات في إدخال هذا الأثر تحت هذا الباب، منها أولًا أن يقال بأن العلماء وهم القراء هم من أعلم الناس بدين الله جل وعلا، فهم إن استقاموا استقاموا على الدين استقاموا على الإسلام. فإذا علم ذلك علمنا أن جميع الناس عليهم أن يلزموا غرز العلماء فلا يخرجون عنهم ولا يبتعدون عنهم وعن منهجهم لأنهم هم الذين ساروا على الصراط المستقيم، فالناس لهم تبع. هذا وجه في وجوب الدخول في الإسلام وإنما يكون ذلك بالتمسك بغرز العلماء، إذ أنهم من أفقه وأعلم الناس، ومن أمسك الناس بشرع الله فلا يخالفهم أحد، ومن خالف إلا ضل. وجه آخر في إدخال هذا الأثر تحت هذا التبويب إخواني في الله أنه إذا كان العلماء وهم من هم في علمهم وفقههم أمروا بالاستقامة على دين الله، وهو بين قوسين بالاستقامة على الإسلام جل على أن من دونهم أولى بالاستقامة. فإذا كان هذا القارئ وهو من أعلم الناس بشرع الله يؤمر بأن يستقيم، استقم يا عبد الله استقم أيها العالم استقم يا من آتاه الله فقها وعلما في الدين تمسك بدين الله وسر على الصراط المستقيم. فما ظنك بالذي دونه؟ إذا دلّى ذلك على أن الكل وجب عليه أن ينصاع لهذا الدين ولهذا الصراط المستقيم فلا يخالفه، وخاص إذا كان هؤلاء الجمهرة وهؤلاء الزمرة من أهل العلم أمروا بأن يستقيموا، فإن غيرهم من باب أولى. ومما يستفاد إخواني في الله كذلك من هذا الأثر فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إذ أن حذيفة رضي الله تعالى عنهم يخاطب من يخاطب من هم في زمنه من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام أنهم هم الأصل. فإن استقمتم فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، أي الناس من بعدكم سيمشون على ميوالكم، ولهذا فسر هذا الأثر عند جماعة من العلماء أنهم قالوا: إنما وجه لهم هذا التوجيه لأنه من أوائل من دخل في الإسلام. فهم القدوة وهم الذين الفوج الأول والناس من بعدهم تبع، ففيه فضل الصحابة وفيه كذلك إخواني في الله خطر الابتداع في الدين، لأن المسلم كما في هذا الأثر ملزم بماذا؟ بالاستقامة. وأنت لو نظرت إلى معنى الاستقامة هو أنك تسير تستقيم على هذا الصراط المستقيم، فهل بالله هذا الكلام يعني يجعل لك فرصة في أنك تزيد أو تضيف شرع الله ما ليس منه أبدًا؟ لأنك لم تؤمر بأن تضيف. وما قال حذيفة زيدوا في الصراط المستقيم، ما أمر بالزيادة وما أمر بالإضافة، وإنما أمر بالاتباع، ويظهر ذلك يا عبد الله في أنك تسير على خط الاستقامة، وربنا جل وعلا جعل لنا صراطًا مستقيمة فنحن نمضي عليه. وهذا كما يقال من أعظم الأدلة من أقوال السلف الصالح أنهم يحذرون من البدع، ولهذا هذا الأثر كان مما يستدل به العلماء على أن الصحابة يحذرون من المحدثات. كذلك في هذا الأثر من الفائدة إخواني في الله فيه فضيلة العلم لصاحبه، وخاصة إذا جمع بين العلم وبين الاستقامة، فحديث رضي الله تعالى عنه يكلم من؟ يكلم العلماء يخاطب الفقهاء يا معشر القراء استقيموا. فإذا كان هذا العالم استقام ماذا يكون شأنه؟ قال: فقد سبقتم سبقًا عيدًا، أي سبق ما أحد يدرككم، لماذا؟ لأن هذا الشخص حاز على مقامين عظيمين من مقام الدين مقام العلم ومقام الاستقامة. وقليل من عباد الله من يوفق لهذين المقامين، نعم خلت تجد أحدًا من الناس مستقيم على شرع الله لكنه بعيد عن العلم الشرعي ما عنده فقه في دين الله، وبالمقابل نعم قد تجد من هو من مسلك أهل العلم. ومن حملة العلم ومن طلبة العلم لكنه في باب الاستقامة عنده ضعف في هذا الباب ضعف تجد عليه خلل في باب الآداب أو في باب الأخلاق أو في باب المعاملات أو في باب العبادة، ما يكمن تجد عنده خلل. وأما أكثر الخلق هم ممن ضيعوا الاستقامة وضيعوا العلم، أكثر الخلق ما بقي إلا النادر وهو الذي وفق بأن يجمع بين العلم وبين الاستقامة، فمن حاز عليهم فكما قال حذيفة فقد حاز على الخير كله. فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، أي ما أحد أحد يستطيع أن يدرك هذا المقام الذي وصلتم إليه، ومن هذا الأثر كذلك نستفيد فائدة ألا وهي خطورة الانحراف، خطورة الانحراف فإن الانحراف وهو الخروج عن الصراط المستقيم ظاهرة. ظاهرة ما من أحد إلا وهو عرض في الوقوع فيها، إذ أن القلوب بين أصابع الرحمن جل في علاه يقلبها ويحركها كيف شاء سبحانه وتعالى، حتى لو أن الرجل بلغ من العلم مبلغًا عظيمًا. وها هو حذيفة يخاطب من؟ يخاطب معشر القراء معشر العلماء، ومع ذلك يقول: وإن أخذتم يمينًا وشمالًا فقد ضللتم ضلالًا بعيدًا، إذن يخاطب علماء فهل علماء معصومون؟ الجواب لا ما هناك أحد معصوم. ولو كان عالم ولو كان من أكبر من آتاه الله علمًا وورعًا، قال سبحانه: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾، يحكي المفسر عند هذه الآية عن رجل آتاه الله علمًا لكن لم يدم له فانسلخ منها فيسقط الرجل يسقط. فإذا كان العالم وهو عالم من أعلم الناس بشرع الله ومع ذلك تقع منه هنى وزل وخطى، بل ربما انحراف ينحرف عن الجادة، فمن باب أولى وأحرى أن دونه وعرضه، وخاصة من أتى باب الانحراف وذلك بتتبع سبل الضلال. فهذا فائدة عظيمة تربوية أن أحدًا منا لا يأمن ولا يضمن لنفسه البقاء على الصراط المستقيم، ولهذا كان من دعائه عليه الصلاة والسلام أنه كان يستعيذ بالله من الحور بعد الكور. أي يستعيذ بالله من النقص بعد الزيادة بعد كماله وزيادة إيمانه أن يصل به الحال إلى النقصان، قال علماء ولا يكون النقصان إلا بالانحراف، وهذا دلال على أن الإنسان يستعيذ بالله دائمًا من أن الله يسلب هذا الهدى من صدره. ويدعو الله جل وعلا بالاستقامة والثبات على الدين دائمًا وأبدًا، وختامًا الإخوان في الله في هذا الأثر كذلك فائدة عظيمة وهي الاهتمام بالقدوة، وهذا الاهتمام لابد أن يكون من شقين اثنين. من شقين اثنين الأول من انتصب واجهة على الناس داعية أو عالم أو شيء عليه أن يراعي مراعاة عظيمة في أن يستقيم في نفسه، صحيح أن هذا يصعب لكن هكذا ينبغي الله جل وعلا رفعك بهذا العلم. فكان ينبغي عليك أن تعتني بهذا العلم أو رفعك الله بالعبادة أو رفعك الله بالاستقامة أو رفعك الله بالالتزام فكن يا عبد الله خير قدوة، لأن الناس إذا أرادوا الاستقامة نظروا إليك أنت واقع حي. أنت واقع حي في استقامتك في التزامك في شرع الله جل وعلا، فإذا أنت انحرفت أو خرجت عن الجادة قالوا هكذا الاستقامة هي، فأصبحت شوه الدين يا عبد الله بخروجك عن شرع الله جل وعلا. ولهذا كان ينبغي على من كان في محل نظر الناس من أهل الاستقامة والاستجابة ومن أهل العلم والدعوة أن يعتني بتربية نفسه، بل ربما أداه ذلك إلى أن يترك أشياء أباحها الله له يترك، حتى لا يساء به الظن لكي يكون قدوة عند أعين الناس. وبالمقابل الجهة الثانية وهي ما عليه الناس، على الناس أن يعلموا أن ليس كل من تلبس أو تقمص زي العلماء يكون قدوة، فهذا حذيفة رضي الله تعالى أخبرك على أن هناك من العلماء من استقام. وهذا الذي قد سبق سبقًا عظيمًا، ومن العلماء من لربما يذهب يمنة ويسرى، فهذا قد ضل ضلالًا مبينًا، إذا فيه من العلماء من هم يتبعون، ومن استقام على الجادة وهناك من العلماء من لا يتبعون. وإن تمسكوا وتلبسوا وتقمصوا زي العلماء، وهؤلاء الذين خرجوا عن الجادة فخاتوا بالكتاوى الزائغة التي تدعو إلى الشبهات أو الذي تدعو إلى الشهوات. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.