الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 28، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح كيف تتجسد الأعمال الصالحة يوم القيامة وتشفع لصاحبها، مستندًا إلى أحاديث نبوية. يُبين أهمية الأعمال الصالحة في الآخرة.
يفصل في كيفية تجسد الأعمال الصالحة والسيئة يوم القيامة وتأثيرها على أصحابها، مشيرًا إلى أن الجزاء من جنس العمل. ويذكر معنى اسم الله السلام.
يُبرز الإسلام كفيصل يوم القيامة، حيث يُميّز بين الناجين والخاسرين. يُفصّل في أهمية انقياد الباطن والظاهر للإسلام.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله السامعين ويجعلهم من أهل الخير، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تجيء الأعمال يوم القيامة، فتجيء الصلاة، فتقول: يا رب، أنا الصلاة، فيقول سبحانه: إنك على خير، فتجيء الصدقة، فتقول: يا رب، أنا الصدقة، فيقول الله: إنك على خير، ثم يجيء الصيام، فيقول: يا رب، أنا الصيام، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال على ذلك، فيقول الله جل وعلا: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام، فيقول: يا رب، أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول الله: إنك على خير، بك اليوم آخذ وبك أعطي». قال الله عز وجل في كتابه: ﴿ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. هذا الحديث، إخواني في الله، في طوله، أورده المؤلف رحمه الله تعالى، رواه أحمد في مسنده، وأبو يعلى، والطبراني، إلا أن هذا الحديث قد تكلم فيه من جهتين اثنتين، أي من حيث الإسناد، ففيه عباد بن راشد، وقد تكلم فيه، وهو ضعيف، قد ضعفه الأئمة كابن معين، وأبي داود، والعقيلي، وابن حبان، والنسائي طعنوا فيه. وهناك علة أخرى، إذ أن هذا الحديث من طريق الحسن عن أبي هريرة، وهو لم يسمع منه، ولهذا أكثر العلماء على تضعيفه. وقد أورده شيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الضعيفة. وقد قال الهيثمي رحمه الله تعالى في المجمع، بعد أن أورد هذا الحديث، قال: رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في الأوسط، وفيه عباد بن راشد، واثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح. فالخلاص أن هذا الحديث معلوم، لكن بما أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذا الحديث مع ضعف إسناده، إلا أن ما ذكر فيه من مسائل قد دلت عليها الأدلة. ولهذا فإني في هذا المقام لأشير إلى ثلاثة مسائل جاء ذكرها في هذا الحديث، وجاء التأييد والتأكيد لها في نصوص أخرى. أولى هذه المسائل ما قد سمعتم من مجيء الأعمال، هذه الأعمال التي وردت، تأتي الصلاة، تقول: أنا الصلاة، يأتي الصيام، يقول: أنا الصيام، وتأتي الصدقة، تقول: أنا الصدقة، وتأتي الأعمال جميعًا، ما المراد من ذلك؟ المراد من ذلك أن هذه الأعمال تريد أن تشفع لصاحبها، تشفع لصاحبها. وشفاعة الأعمال لأصحابها قد دلت عليها الأدلة الصحيحة. فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد، وجاء عند البيهقي بإسناد صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام والقيام يشفعان للعبد يوم القيامة». فهذه من شفاعة الأعمال. قال عليه الصلاة والسلام: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: يا رب، منعته الطعام والشراب، فشفعني فيه، ويقول القرآن: يا رب، منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، فيشفعان». هذا فيما ذكر معنا في هذا الحديث من أن الأعمال تأتي تشفع، تدافع، تنافع لصاحبها. وهنا تأتي مسألة، وهذا المجيء لهذه الأعمال، هل بمعنى أن الثواب والأجر هو الذي ينتفع به صاحبها، أم أن الأعمال هي بنفسها تأتي، تتجسد على صورة جثمان، على جسد؟ ثم تأتي على قولين، والصحيح، والذي عليه المحققون من علماء أهل السنة: الثاني، من أن الأعمال تتجسد، تتجسد بنفسها، تتجسد بقدرة الله جل وعلا، فتأتي بنفسها تنافع وتدافع. والقول بهذا هو الذي ينبغي أن يقول به الناس، لماذا؟ أولًا تمسكًا بظاهر الحديث، فليس عندي أن أثر الصيام، أو أن ثواب الصيام يأتي، أو أن ثواب القرآن يأتي، لا، الصيام والقرآن والأعمال هي تأتي بنفسها. إذن نبقى على ظاهر النص أولًا، وثانيًا أن هذا الذي ذكر من مجيء الأعمال يعتبر من أمور الغيب، وأمور الغيب ما ينبغي أن يسلط عليها التأويل، لأنك إن أولتها أخرجتها من مسائل الغيب إلى مسألة الحضور، هذا لا يمكن، الغيب يبقى غيب، نؤمن بأن الأعمال تجيء كما أمر الله، وكما قال: كيف تجيء؟ الله أعلم، لكن تأتي، فهذا إبعادًا للتأويل لأنه يخرجها عن حقيقة الغيب. زد على ذلك ما جاء في الأدلة الشرعية من أن الأعمال تتجسد، من ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب، من أن الميت، سواء كان صالحًا أو كان فاجرًا، يأتي إليه رجل وهو في قبره، فإن كان صالحًا يأتي إليه رجل حسن المنظر، حسن الوجه، طيب الريح، فيقول المؤمن الميت: من أنت؟ فوجهك الذي يأتي بخير، يقول: أبشر، أنا عملك الصالح. الصالح يجسده الله، يتجسد على صورة رجل بقدرة الله سبحانه وتعالى. وهكذا العكس في حق الفاجر والكافر، يخرج عليه رجل، فهو في قبره، منتن الريح، خبيث المنظر، فيقول: أبشر، أنا عملك الخبيث، فوالله ما علمتك إلا بطيئًا في طاعة الله، سريعًا في معصيته. الحديث فالشاهد أن الأعمال، إخواني في الله، تتجسد يوم القيامة لأصحابها. وهنا مناسبة، إخواني في الله، وهي مسألة مهمة، العلاقة بين الأعمال وبين أصحابها، فالصيام يأتي لمن يأتي يشفع لمن يأتي لأهله، ممن هم يكثرون من الصوم والقيام، والقرآن يأتي لمن لأصحابه، ومن أصحابه الذين يقومون به، وهكذا قس كل عبادة. كما أن العبد في هذه الدنيا حريص على أداء هذه العبادة، مثاله كان من أمره أنه حريص على حضور حلقات العلم والذكر، لا تفوته، وآخر يحرص كل الحرص على الصدقة وعلى النفقة، وآخر يحرص على الإكثار من ذكر الله جل وعلا. فلما كان هذا العبد يكثر من أداء هذه الطاعة بعينها، ويحرص عليها، كان الجزاء من جنس العمل، أن هذا العمل كذلك يوم القيامة سيحرص على صاحبه، يحرص على صاحبه في أن يشفعه الله فيه. وهذا، يا عباد الله، دليل على أن الجزاء من جنس العمل، وأن الإنسان يحرص على الأعمال قدر المستطاع، حتى أنها ستحرص عليه يوم القيامة. المسألة الثانية مما ذكر في هذا الحديث ما جاء في ذكري أن الإسلام يجيء، فيقول: اللهم، أنت السلام وأنا الإسلام. وهذا كذلك قد دلت عليه الأدلة، فإن الله جل وعلا من أسمائه السلام سبحانه، دل على ذلك الكتاب والسنة، وهكذا أجمع علماء الأمة على أن الله من أسمائه السلام، كما قال سبحانه: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن﴾. فالله عز وجل هو السلام، ومن معاني السلام، كما قال العلماء: هو الذي سلم من كل عيب ونقص وآفة سبحانه، فهو سالم جل وعلا، فهو السلام. وأيضًا من سلامته أن سلم من أذية المخلوقين له، فلا أحد من المخلوقين يستطيع أبدًا أن يحدث ضررًا في حق ربنا جل وعلا، كما جاء في الحديث: «إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني». لا أحد يستطيع أن يبلغ إلى هذا المقام، فالله ذو السلام سبحانه. ويهمنا أن نعرف، إخواني في الله، أن من آثار هذا الاسم العظيم، اسم السلام، أن الله جل وعلا سلم وسلم عباده من الآفات، وخاصة لأهل الإسلام، فإن الله سلمهم الكثير والكثير من الآفات، سواء من آفات في دينهم أو آفات في دنياهم. فلا زال الله جل وعلا ينزل من السلام الشيء الكثير على عباده، فإن كان الإنسان مثلًا أصيب بآفة في شيء من حياته، فإن الله يسلمه في غيرها، وفي غيرها الكثير. ولهذا يظهر لك هذا الأثر من أسماء الله، كما جاء في حديث ثوبان: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تبارك يا ذا الجلال والإكرام». فلا يأتي من ربنا إلا السلام جل في علاه، فلهذا قال الإسلام: اللهم، أنت السلام وأنا الإسلام. والإسلام قد مر معنا من معانيه أن الذي فيه طلب السلام، هذا من معاني الإسلام. وقد ذكرنا أن المسلم ينبغي أن يكون سلما لإخوانه، سلما لا يأتي بأذى إلا السلام لمن هم حوله، فيكف عن أذيتهم بأي أنواع الضر والأذى. فكانت هناك علاقة بين الإسلام وبين اسم الله جل وعلا السلام، فقال: اللهم، أنت السلام وأنا الإسلام. المسألة الأخيرة، إخواني في الله، مما نستفيدها من هذا الحديث، ومما تشهد له الأدلة، في قوله سبحانه وتعالى: «إنك على خير، بك اليوم آخذ وبك أعطي»، أي الإسلام. فربنا جل وعلا قال: بك آخذ، فقد دلت الأدلة على أن الله جل وعلا يؤاخذ العباد بالعقاب والإثابة، كل ذلك تحت مضلة الإسلام، هو الفيصل، الإسلام هو الميزان في الإثابة، في العقاب، في الأخذ، في التنكيل، في التأبيد، بالإسلام من كان مسلمًا، من كان مؤمنًا، فإن الله جل وعلا يتقبل هذا منه، ومن كان كافرًا مشركًا، فإن الله لن يقبل منه أبدًا شيئًا من الأمور أبدًا. فأصبح الإسلام هو الفيصل من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى، وهو مؤمن، هذا شرط، وقد مر معنى أن الإيمان إذا أطلق فإنه يأتي بمعنى الإسلام. فقوله سبحانه وتعالى: «بك اليوم آخذ»، أي أن المؤاخذة تكون بالإسلام، هو الفيصل والمعيار في تمييز الناس يوم القيامة، بالإسلام من كان مسلمًا فهذا الذي قد مر وتجاوز، وأما من كان كافرًا فهذا الذي أوبق نفسه وأهله. ثم قال سبحانه في الحديث: «وبك أعطي»، العطاء هنا بمعنى المن والإكرام والعطاء الكثير والعطاء الجزيل، إنما يكون في حق عباد الله من المسلمين. وقد مر معنا لو تذكرون في أوائل الرسالة هذا الباب، باب فضل الإسلام، وذكرنا كيف أن الإسلام له فضل على من، فضل الإسلام على سائر الأديان، فضل الإسلام على أهله في الدين والدنيا والآخرة، بل إن فضل الإسلام حتى يعد إلى الكافر، وهذا من عظيم ما أعده الله لكل من انتمى إلى هذا الدين. فإن الله جل وعلا يعطيه العطاء الكثير، ومن ذلك ما قد مر معنا من مضاعفة الأجور إلى عد وإلى حد لا يعلم به إلا الله سبحانه وتعالى. فبالإسلام به يكون الأخذ والمؤاخذة، وبه يكون العطاء. وقد أشرنا كذلك في دروس ماضية إلى أن الذي يؤاخذهم الله في تقصيرهم في الإسلام هم صنفان من الناس، صنف لم يدخل في الإسلام البتة، من كافر، من مشرك، من مرتد، ومن كل من انتسب وانضم إلى غير دين الإسلام، هذه تكون عليهم مؤاخذة. وصنف من الناس وهم من ترك التمسك الصحيح بالإسلام، فعطاء الله جل وعلا وإكرامه لعباد الله من المسلمين في حق من هو مسلم. ما هو الإسلام الذي يعطي به ربنا جل وعلا العطاء الكثير؟ هو كل من تمسك بالإسلام الصحيح. وقد مر معنا في الباب السابق لو تذكرون ما بوب به المؤلف رحمه الله تعالى باب تفسير الإسلام، وكان من فقه المؤلف رحمه الله أن سرد لنا الأدلة من الكتاب والسنة، ومن أقوال السلف الصالح، ما فيه بيان لحقيقة الإسلام. فمن أتى بالإسلام الصحيح فإن الله يعطيه الجزاء الكثير. فالإسلام، إخواني في الله، كما قد مضى معنا يكون بانقياد الباطن وانقياد الظاهر، الإسلام الصحيح يكون بأن توصل غيرك الخير كذلك، يكون بأن تكف أذاك وشرك عن الغير، الإسلام الصحيح يا عبد الله يكون في طريق تعاملك مع الله، وأيضًا في طريق تعاملك مع خلق الله. الإسلام الصحيح يكون بفعل الأوامر بما أمر الله جل وعلا به من طاعات وقربات ونوافل ومستحبات، ويكون أيضًا بامتثالك بما نهى الله جل وعلا عنه من الكبائر والموبقات وعن الحرمات والمحرمات، الإسلام الصحيح يكون بالاعتقاد والنيات، وبالأقوال والأفعال والأحوال. هذا الإسلام، يا عبد الله، إن جئت به حينها تنتفع به، ومن قصر فعليه تكون المؤاخذة. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.