الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 24، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث ابن عباس عن مشركين تابوا وأسلموا ونزول الآيات التي تبين كفارة التوبة والإسلام. يُبين أن الإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها إذا توفرت شروطها.
شرح شروط التوبة الصحيحة وعقيدة أهل السنة في عدم تكفير أصحاب المعاصي ما داموا لم يخرجوا عن الإيمان. يُبين أهمية الإقلاع عن الذنب والندم ورد الحقوق.
بيان أن الإيمان موجود عند العاصي باعتبار أصله، لكنه ينفصل عنه حال المعصية. أهل السنة يجمعون بين الخوف والرجاء لتجنب الاتكال على الرحمة والإصرار على الذنوب.
تم الانتهاء من مناقشة أهم مسائل الحديث. تم الاكتفاء بما تمت مناقشته في هذا السياق والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث الرابع والعشرون. قال الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثني محمد بن حاتم بن ميمون وإبراهيم بن دينار، واللفظ لإبراهيم، قال: حدثنا حجاج -وهو ابن محمد- عن ابن جريج، قال: أخبرني يعلى بن مسلم أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ناسًا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، ولو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾، ونزل: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الحديث كذلك من الأحاديث المهمة التي يعتني بها طالب العلم. وفي هذا الحديث أولًا: فيما يتعلق بهذه الأحاديث السابقة أن الإنسان إذا وقع منه شيء في حال كفره، فإنه يكون إسلامه له كفارة؛ إسلامه له كفارة، وذلك كما في ظاهر سبب نزول هذه الآية. وهكذا كذلك كما جاء في حديث عبد الله بن عمر أو في حديث عمر بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما جاء يبايع عمر بن العاص، بسط النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يده ثم قبضها، قال: «ما لك يا عمر؟» قال: أريد أن أشتروط، قال: «وما تشترط؟» قال: أن يغفر الله لي، فقال: «أما علمت يا عمر أن الإسلام يجب ما قبله، وأن التوبة تجب ما قبلها؟». وفيه كذلك أن التوبة الصحيحة تجب ما قبلها، وهي التي توفرت فيها شروط التوبة الصحيحة. وما هي شروط التوبة؟ الإقلاع عن الذنب، الندم على هذا الذنب، العزمة على ألا يعود إليه، إن كان فيها حق للمظلوم ردها إليه. فهذه شروط التوبة: أن يقلع عن الذنب، وأن يعزم ألا يعود إليه، وألا يصر، وإن كان عليه حق من الحقوق رده إلى صاحبه. فمن كانت عنده هذه الشروط كانت توبته كاملة، فجب ما قبلها. وأما الذي يتوب من الذنب بلسانه ولا يقلع عن المعصية، أو يعزم على الرجوع إليها في وقت من الأوقات مع إصرار القلب، فإنه في الحقيقة لم يتوب توبة كاملة. ومثل هذا يخشى أن لا يكفر عنه ما سبق من سيئاته. وفي هذا الحديث كذلك بيان ما سبق الإشارة إليه في دروس سابقة: أن أصول المعاصي ثلاثة. ولهذا ذكرت في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، فأصولها في هذه الثلاث. كما نبه وبسط الكلام فيه الإمام ابن القيم رحمه الله، وسبق الكلام عليه في دروس ماضية في شرح الأربعين. وهكذا كذلك مما فيه: أن الإنسان لو أسرف على نفسه ما أسرف من الذنوب والمعاصي، ثم تاب، تاب الله عز وجل عليه. وفي هذا بيان عقيدة أهل السنة والجماعة مع أهل المعاصي، وخطأ مذهب الوعيدية من المعتزلة، وكذلك الخوارج الذين يكفرون بالمعصية أو يتوقفون، فينزلونهم في منزلة بين المنزلتين على التفاصيل المذكورة. فإن هذه الآية تدل، وغيرها من الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة: أن أصحاب الذنوب والمعاصي ما داموا لم يخرجوا عن مسمى الإيمان والإسلام في معصيتهم، فهم مسلمون مؤمنون، ناقصوا الإسلام أو ناقصوا الإيمان. ولا ينافيه ولا يعارضه ما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وغيره: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»، الحديث. فإنه جاء في تفسيره في رواية أخرى: أن الإيمان يرتفع فوقه كالظلة. وفسر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بأنه يكون كالنائم، كالعقل مع النائم، والعقل مع السكران. فإن العقل بالنسبة للنائم موجود وليس بموجود؛ موجود باعتبار أصله، وغير موجود باعتبار حالة هذا النائم. وكذلك الإيمان بالنسبة للعاصي: فهو موجود باعتبار أصله، فليس هو بكافر، وليس بموجود باعتبار حالته التي هو فيها. إذ لو كان الإيمان في قلبه حال مباشرته لهذه المعصية لم يمكن أن يستمر بهذه المعصية. كحال ذلك الرجل الذي ذُكر له الإيمان، فقيل له: اتق الله ولا تنتهب نهبة إلا بحقها، فقام من فوقها وقد جلس مجلس الرجل من المرأة، فترك ذلك خشية الله جل وعلا. فدل على أن الإيمان كما جاء في الحديث: يرتفع فوقه كالظلة، يعني في حال المعصية ينفصل الإيمان عنه. ولهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وسفيان الثوري كذلك رحمهم الله تعالى: أنهم أبوا تفسيرًا مثل هذه الأحاديث، يعني: لا يقال: أنه كافر، ولا يقال: كذلك أنه مؤمن، بل يقول: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» على ظاهر الحديث. وما جاء عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو تفسير ولا يعارض مثل ذلك المعنى. وبالجملة: قول جمهور أهل السنة والجماعة: أن ذلك معنى انتفاء كمال الإيمان، وذلك لا يعارض بالجملة ما روي عن الإمام أحمد والثوري رحمهم الله تعالى. فهذا هو المقصود العام والمعنى العام. وبهذا نعلم أنه لا معارضة بين هذا وهذا. وهذا كذلك كما أن هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، فكذلك من مذهب أهل السنة والجماعة: أن لا يتعلق بالرجاء تعلقًا يورث الاتكال عليه على حساب الذنوب والمعاصي. بل هذا من صنيع إبليس، فهو الذي يعلق بالرجاء ويؤمنه به حتى يكون في ذلك هلكته. بل ينبغي كما قال علماء أهل السنة والجماعة: أن يكون الخوف والرجاء عند المؤمن كجناحي طائر لا يطير إلا بهما. أي: أنه كما أنه يرجو رحمة الله جل وعلا، فعليه كذلك أن يخاف من عقاب الله سبحانه وتعالى. وبهذا يسلم هذا المؤمن، يجمع بين الخوف والرجاء الذي به يكون نجاته من الذنوب والمعاصي. وبه نخلص أنه لا يجوز له أن يتكل على الرحمة بما يدفعه إلى الإصرار على الذنوب والمعاصي، وتمنية نفسه بالتوبة. ولا يجوز له كذلك أن يقنط من رحمة الله ويؤيس نفسه من روح الله، إنه لا يأس من روح الله إلا القوم الكافرون. بل يكون في ذلك وسطًا كما سبق. وبهذا ننتهي من أهم مسائل هذا الحديث، وبه نكتفي، والحمد لله رب العالمين.