الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 57، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
عقد النبي صلى الله عليه وسلم أول لواء للجهاد لحمزة بن عبد المطلب في رمضان السنة الأولى لاعتراض عير قريش، واقتصر المشاركون على المهاجرين دون الأنصار. تناول المقطع وصف مسار العير والمواقع الجغرافية مثل سيف البحر والعيس.
استعرض المقطع ثلاث سرايا في السنة الأولى للهجرة، حيث حالت وساطة مجدي بن عمر دون قتال في سرية حمزة، ووقعت مناوشة بالسهام في سرية عبيدة بن الحارث كان سعد بن أبي وقاص أول رامٍ فيها. كما ذكر خلاف المؤرخين في ترتيب سرية حمزة وعبيدة.
كانت غزوة الأبواء أول غزوة يقودها النبي ﷺ بنفسه لاعتراض عير قريش دون قتال، ووضح الفرق بين الغزوة والسرية. أبرز المقطع سياسة النبي ﷺ في عقد موادعات مع القبائل المجاورة كبني ضمرة لتأمين الجبهة الداخلية.
الحمد لله من كثيرا طيب وارف فيه، أشهدوا أن لا إله إلا الله ولا شريك له، وأشهدوا أنه محمد العبد ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال الشيخ الإمام مجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم": أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعني للجهاد، للجهاد. قال: وأول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول موسى بن عقبة، وموسى بن عقبة ممن اعتنى وجمع، فدل قوله على أن المسألة فيها خلاف، وأن غير موسى بن عقبة خالف في ذلك. قالوا: أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول موسى بن عقبة لواء حمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان في السنة الأولى، يعني بعد مبعث النبي عليه الصلاة والسلام بخمسة أشهر أو بستة أشهر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة في شهر ربيع الأول. قال: ابعثه بثلاثين رجلا من المهاجرين خاصة يعترض عيرا لقريش. ولماذا من المهاجرين خاصة ولم يجعل فيه أحدا من الأنصار؟ السبب في ذلك أنه في أول الأمر بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمايته في المدينة فقط، على حمايته في المدينة، وأما خارج المدينة فلم يبايعوه. فلذلك لما خرج إلى غزوة بدر وقضى الله عز وجل أن يلتقي المسلمون بالمشركين، استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم من معه من الأنصار واستشارهم في أمر القتال والجهاد. فهذا هو السبب في كون أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين، لأن هذا اللواء مهمته خارج المدينة، والأنصار بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمايته داخل المدينة. هكذا ذكر بعض أهل العلم. والعير هي القافلة المحملة بالتجارة. قال: جاءت من الشام فيها أبو جهل في ثلاثمائة رجل حتى بلغوا سيف البحر من ناحية العيس. فقيل: سيف البحر كما ذكر هنا المعلّب هو ساحل البحر، ومنهم من قالوا: والساحل المنبسط، الساحل المنبسط الذي ما فيه عجاج وكدوع ونزول، إنما فيه اتساع وقصاد. وقوله: من ناحية العيس، قال المعلّب: العيس عرثٌ من أعراض المدينة، يعني موضع، وهو موضع على ساحل البحر، يعني بالقرب من ساحل البحر. وقال أهل اللغة أيضا: أن العيس هو كل موضع له وادي كبير يسكب في البحر، له وادي كبير يسكب في البحر. وكأن المناطق الموجودة عندنا في هذه البلاد التي تسمى العيس يصدق عليها هذا الوصف. عندنا هنا مثلاً عيس فرد، هذه العيس التي جهة الشرق من الشهر، هذه قريبة من الساحل وفيها وادي كبير يسكب في البحر، وهكذا عيس المكلة، كذلك البحر ليس ببعيد عنها، فيها وادي كبير يسكب في البحر، وهكذا عيس صيفوت، نفس هذا الوصف. فالعيس في اللغة هو موضع يكون في القرب من ساحل البحر وفيه وادي كبير يسكب في البحر. فكل هذه المناطق الثلاثة عندنا فيها أوضية كبيرة ربما تنقطع الطريق إذا جاءت هذه السيول فانقطع الطريق، وهي مشهورة بأودية كبيرة ويأتي منها السيول الكبيرة. قال: فالتقوا واصطفوا للقتال، انتقى المشركون، وهذا اللواء الذي عليه حمزة بن عبد المطلب. قال: فحجز بينهم مجدي بن عمر الجهني، وكان موادعا للفريقين، فلم يقتتلوا. ومعنى موادعا: يعني مشطلح مع الفريقين، لا يعادي هذا الطرف من المسلمين ولا ذاك الطرف من المشركين، فدخل بينهما كالمصلح، فمنع الفريقين من القتال، فلم يقتتلوا. وكل هذا كالمقدمة للمعركة الكبرى وهي موقعة بدر أو معركة بدر. فقبل بدر تم هناك بعث بعض الألوية والسرايا، ولكن لم يحصل قتال، لم يحصل قتال. وهذا وهذا وقع في السنة الأولى، وهو يسرد المؤلف أحداث السنة الأولى من الهجرة. فمما وقع في السنة الأولى من الهجرة هذه الحادثة، وهو عقد لواء حمزة رضي الله تعالى عنه، والتقاء مع المشركين، ولكنهم لم يقتتلوا للسبب المتقدم. قال: سرية عبيدة بن الحارث. قال: ثم بعث عبيدة بن الحارث المطلب بن عبد مناف في شوال من تلك السنة، يعني من شوال في السنة الأولى من الهجرة، قال: في سرية، يعني جماعة من المقاتلين، إلى بطن رابغ في ستين رجلا من المهاجرين خاصة. ورابغ هي بين مكة والمدينة. وكما تقدم السبب في اختيار المهاجرين، لأن الأنصار كانت مبايعاتهم في أول الأمر على حماية النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة. قال: فلقي أبا سفيان عند رابغ، عند هذا الموضع، فكان بينهم الرمي، ولم يسلوا السيوف، فقط تراشقوا بالنبال، ولم يتواجهوا ويتسايّفوا، يعني يتقاتلون بالسيوف، وإنما كانت مناوشة يعني من بعد، ضرب بالسهام من بعد. وكان سعد بن أبي وقاص أول من رمى بسهم في سبيل الله. من صرف الفريقان، ولم يحصل تقارب وتواجه بينهما. فأول من رمى بسهم في سبيل الله سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه. وآخر كان في هذه السرية. قال: وقدم ابن إسحاق سرية حمزة. قد تقدم معنا أن موسى بن عقبة قدم لواء حمزة أو سرية حمزة، وابن إسحاق خالفه، فقدم ابن إسحاق سرية حمزة، نعم، ووافق موسى بن عقبة في ذلك. وقد خالفهم بعض أهل العلم، فجعل أول سرية هي سرية عبيدة بن الحارث، هي سرية عبيدة بن الحارث. وهذا رجحه جماعة من أهل العلم، أن سرية عبيدة بن الحارث قبل سرية حمزة، ولكن بينهما تقارب، والله تعالى أعلم. قال: سرية سعد بن أبي وقاص. كل هذا وقع ولكن دون مواجهة ومقاتلة وموت أحد من الفريقين. قال: سرية سعد بن أبي وقاص. ثم بعث سعد بن أبي وقاص في ذي القعدة من تلك السنة، السنة الأولى، إلى الخرار من أرض الفجّاج، يعني موضع. قال: له الخرار، والخرار يعترضون عيرا لقريش. وعهد إليه ألا يجاوز الخرار، وكانوا عشرين. يعني قال له النبي عليه الصلاة والسلام: إذا وصلت، وصلت إلى هذا الموضع لا تتجاوز، لا تتعدى، إنما آخر موضع تصل إليه وهذا الموضع. قال: وكانوا عشرين، فخرجوا على أقدامهم يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار، أو يكمنون بالنهار، بمعنى أنهم يخرجون بالليل لأنه أستر، فإذا جاء النهار حتى لا يراهم العدو اختبؤوا. وهذا معنى قوله: ويكمنون بالنهار، يعني يختبئون. قال: حتى بلغوا الخرار، فوجدوا العير قد مرت بالأمس، يعني لم يدركوا هذه العير. فهذه أحداث السنة الأولى لما وقع في الجهاد بعد نزول الإذن بالقتال، بعد نزول الإذن بالقتال. فعندنا لواء حمزة، وسرية عبيدة بن الحارث، وسرية سعد بن أبي وقاص. قال: ثم دخلت السنة الثانية، الآن سيذكر أحداث السنة الثانية مما فيه معنى الجهاد. قال: فغزى فيها بنفسه صلى الله عليه وسلم غزوة الأبواء. وقد ذكر أهل العلم أن الفرق بين السرية والغزوة: أن الغزوة هي التي يكون فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي يخرج فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سواء وقع فيها القتال أم لم يقع، تسمى غزوة. وأما إذا لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أخرج أصحابه تسمى سرية، ولا تسمى غزوة. فالأبواء سميت غزوة لأن النبي عليه الصلاة والسلام خرج فيها بنفسه. والأبواء هو الموضع الذي توفيت فيه أم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقيل: أن في هذه الغزوة زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه. قال: وكانت أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه. خرج في المهاجرين خاصة، وعرفنا السبب في ذلك، يعترض عيرا لقريش، فلم يلق كيدا. وهذه الغزوة أصلها في صحيح البخاري في كتاب المغازي، بكتاب المغازي. وهذه الغزوة أيضا تسمى غزوة ودان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى هذا المكان، وتسمى الأبواء، وتسمى كذلك ودان. ومعنى: فلم يلق كيدا، يعني لم يلتق بعدوه، لم يلتق بعدوه. وفيها وادع بني ضمرة على أن لا يغزوه ولا يغزوهم، ولا يعين عليه أحدا. وقد ذكر أهل العلم أن الحكمة من هذه الموادعة، معنى وادع: يعني صالح. الحكمة من ذلك حتى يأمن عليه الصلاة والسلام من مكر وكيد القبائل التي هي حول المدينة، حتى يتفرغ عليه الصلاة والسلام لجهاد أهل مكة الذين كادوا له وحاربوه. فوادع من داخل المدينة من اليهود كما سيأتي معنا، وكما مر معنا، صالح من بالداخل ومن حواليه ومن هو بالقرب من المدينة، حتى يتفرغ عليه الصلاة والسلام لجهاد من هو خارج المدينة من المشركين من أهل مكة. ثم فيما بعد، كما سيأتي معنا في السيرة، لما أراد محاربة من بالداخل، لما رأى منهم من النكث ونقض العهود والمواثيق والصلح، صالح أهل مكة، فأمن من خطورة العدو الخارجي، وتفرغ لقتال العدو الداخل. وهذا من سياسته عليه الصلاة والسلام، السياسة الشرعية. طيب، لعلنا نقف عند هذا إن شاء الله، ونكمل مع بقية الدروس القادمة. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر