الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 115، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يوصي سفيان الثوري بالاعتدال في المال وتناول الطيبات لتقوية الجسم، مع الخشونة في اللباس وقلة الأكل لإحياء الليل والصوم وطول الصمت. كما يحث على ترك الحرص والحسد والطعن، والتحلي بالرحمة والقناعة والتوكل وعدم منازعة أهل الدنيا في دنياهم.
يؤكد المتحدث على النظافة والطهارة والأكل الطيب كأسباب للعافية، مبيناً أن العدوى لا تنتقل إلا بإذن الله. ويحث على الاستعداد للآخرة بطاعة الله والإكثار من النوافل والسخاء ومجالسة أهل الورع والمسارعة في الخيرات وذكر الله לזهد في الدنيا.
يجمع المقطع وصايا سفيان الثوري المستندة إلى السنة، داعياً للإكثار من الذكر والاستغفار وذكر الموت والشوق للجنة والخوف من النار. ويؤكد على محبة أهل الطاعة وبغض أهل المعصية، والتقوى في السر والعلانية، وترك سب المؤمنين وعدم تحقير المعروف والعمل بخوف ورجاء.
يختتم المتحدث كلامه بالحمد لله والشهادة بالتوحيد، ثم يطلب المغفرة والتوبة من الله سبحانه وتعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما زلنا في باب من وصايا السلف، وهي وصية الإمام سفيان الثوري رحمه الله. يقول -مُكملةً لهذه الوصية-: «وإياك أن يفارقك الدرهم؛ فإنه أتم لعقلك». يعني: ليقل معك من المال حتى لا تطلب شيئًا من الناس. لا تطلب شيئًا من الناس، يقل معك المال لكي تشتري به حاجياتك وتستغني به عن الناس، حتى لا تفكر في هذا الأمر ويشغلك بعد ذلك عما هو أهم. قال: «والحلاوة، الحلاوة». يعني: الأشياء التي هي مثل العسل وغيرها، يعني الأشياء الحلوة. لا تمنع نفسك منها، وهذا عند عدم الضرر؛ لأنه إذا خشي إنسان على نفسه ضررًا من الأشياء الحلوة التي هي السكر، فيجتنبها. وأما هذه الأشياء التي هي الحلاوة، فلا يمنع الإنسان نفسه منها؛ لأنها أيضًا كما قيل: تفرح النفس. الأشياء الحلوة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الحل، يعجبه عليه الصلاة والسلام الحلو، أي الشيء الحلو مثل التمر ونحوه، العسل ونحوه. فلذا الإنسان يجعل في بيته أو في مكانه شيئًا من هذه الحلاوات. فالتمر، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «بيت لا تمر فيه جياع أهله». وربنا سبحانه وتعالى أيضًا ذكر في شأن العسل: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: 69]. فلا تمنع نفسك من الأشياء الطيبة الحلوة. فأيضًا جاء في حديث عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلوة والعسل، يحب الحلوة والعسل». وحبه عليه الصلاة والسلام للحلوة والعسل دال على منفعتهما، دال على منفعتهما للجسم، إلا إن كان الإنسان به مرض الذي يقال له السكري، فإنه يجتنب أشياء الضرر على نفسه. أما إذا كان سليمًا، فإنه يأكل من هذه الأشياء الحلوة. يقول: «فإنها -أي الحلاوة- تزيد في الحلم»، يعني: تجعلك تهدأ ولا تجعلك تغضب، تجعلك حليمًا. قال: «وعليك باللحم، ولا ندم عليك». ولا تدعُ اللحم أربعين يومًا؛ فإنه يسيء خلقك. وهذا الآن إرشاد من سفيان لأجل صحة الجسم أيضًا من المأكولات الطيبة. اللحم، وأيضًا جاءت فيه أحاديث. والنبي صلى الله عليه وسلم كان أيضًا يحب الذراع، الذراع المقدمة، المقدمة: ما تقدم من بهيمة الأنعام. يعجبه الذراع. لهذا كان في الذراع، ذراع الشاة، لأنه كان عليه الصلاة والسلام يعجبه ما تقدم من اللحم. يعني: يقولون إن مقدمة الحيوان وأعاليه أفضل من مؤخرته وأسافله. هذا في الحيوان: يأكل مقدمة الحيوان من الذراع والرقبة والظهر، وهذا أفضل من مؤخرته، أي مما يأتي في آخره وفي أسفله. فإذن اللحم الطيب، اللحم قد ذكر الله عز وجل في الكتاب الكريم: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: 21]. فدل على منافع اللحم للجسم. وهناك اللحوم طيبة، وذكرت في السنة لحوم الطيور طيبة، ومن خصها الدجاج. وقال نبينا صلى الله عليه وسلم في الدجاج، وذكروا من منافع الدجاج أنه يحسن الصوت، وأيضًا يحسن البشرة، نحو ذلك. فمن أراد التقصي هذه الأشياء في باب الطب، المأكلات والمشروبات، فعليه بـ «زاد المعاد» للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، ذكر هذه الأشياء باستفاضة عن الأطباء. وأيضًا عليه بكتاب ابن مفلح «الآداب الشرعية»، ذكر مثل ما يذكره ابن القيم، فلعله استفاد منه، وهو يعني ابن مفلح بعد ابن القيم رحمه الله تعالى. قال: «ولا ترد الطيب؛ فإنه يزيد في الدماء». إذن أيضًا من هذه الوصايا: أنه إذا أهدي لك طيب، ريحان أو عطر أو نحوه، فإنك لا ترد. وهذا عمل بسنة النبي عليه الصلاة والسلام؛ فإنه كان لا يرد الطيب، وهو يفرح النفس كذلك. «وعليك بالعدس؛ فإنه يفرز الدموع، ويرق القلب». يعني: العدس فيه منفعة، وفيه مضرة. يعني: ذكروا له مضار أيضًا، الإكثار من هذا العدس. لكن يقول: يفرز الدموع، ويرق القلب. وكما يقال: طعام المساكين. لهذه الأشياء مثل العدس، الفول، الفاصوليا، نحوها. طعام المساكين والفقراء، عادة ما يأدمون بمثل هذه الأشياء. قالوا: «عليك من لباس الخشن تجد حلاوة الإيمان». يعني: لا تلبس إلا الصوف ونحوه الخشن، حتى لا تكون من أهل التنعم. «وعليك من قلة الأكل تملك سهر الليل». يعني: لا تأكل كثيرًا في العشاء، قلل من الأكل حتى تقوم للليل وتسهر كذلك الليل. لو تجد إلى السهر في العلم فهذا هو المطلوب. أي: لا يكثر من الأكل؛ فإن التخمة -كما قيل-: من أكل كثيرًا نام كثيرًا. «عليك بالصوم؛ فإنه يسد عنك باب الهجر، ويفتح عليك باب العبادة». عليك بالصوم؛ فإنه يسد عنك باب الهجر، وهو الفاحش. الفاحش: أيام عشر الشباب. من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج. فيفتح عليك باب العبادة. الصوم عظيم، الصوم جنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضًا: «من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا». وما جاء في الحديث الصحيح. «عليك بقلة الكلام؛ يلين قلبك». لأن قسوة القلب تأتي من كثرة الكلام، تأتي من كثرة الضحك ونحوها. فيقلل الإنسان من الكلام، ذلك خير له. لأن الكلمة إذا لم تقلها ملكتها، وإذا قلتها ملكتك. «وعليك بطول الصمت تملك الورع». أي: أكثر من الصمت، ولا تتكلم إلا فيما لا بد منه أو للحاجة. وكان هناك كلام مهم تقوله، وإلا فالصمت هو الأفضل للإنسان. «ولا تكونن حريصًا على الدنيا، ولا تكونن حاسدًا، تكن سريع الفهم». أيضًا الحرص على الدنيا، الحرص الذي يجعل الإنسان يترك الواجبات ويترك أمر الآخرة. ولا تكن حاسدًا، تكن سريع الفهم. أيضًا الحسد يذهب بالفهم. فالحسد الذي هو حسد تمني زوال النعمة. «ولا تكن طعانًا، تنجو من ألسن الناس». أيضًا من الوصايا: لا تطعن في أحد بعرضه، فتنجو من ألسن الناس. لسانك لا تذكر به عورة، فكلك عورات، وللناس ألسن. «وكن رحيما تكن محببا إلى الناس». يعني: إذا كنت رحيما أحبك الناس. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. فالرحمة تجلب المحبة في قلوب الناس. «وارضَ مما قسم الله لك من الرزق تكن غنيا». أيضًا القناعة، القناعة غنى النفس. «وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: وتوكل على الله تكن أقوى». المتوكل على الله قوي القلب، شجاع. «ولا تنازع أهل الدنيا في دنياهم، يحبك الله ويحبك أهل الأرض». يحبك الناس. وهذا سهل، بنصيحته: ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الله ويحبك الناس. أما إذا نظرت لما في أيديهم غبطًا، فازهد في دنياهم يحبونك. «وكن متواضعا تُستعمل أعمال البر». «اعمل بالعافية تأتيك العافية من فوقك». يعني: بأسبابها التي تجعلك معافى سليم البدن. تعمل بأسباب العافية تأتيك العافية. إذا عملت بأسباب المرض يأتيك المرض. اغسل، تنظف، هذا من أسباب العافية. والحسن والنظافة، نظافة البدن، أقل شيء في اليوم مرة تغسل، تغسل فيه بدنك. فإن لم يكن في اليوم، ففي اليومين، في الثلاثة، لكن لا يمر عليك أسبوع دون أن تغسل. فلا تجعل رائحتك إلا طيبة. وهكذا تغسل ملابسك، وتكون ثيابك نظيفة ورائحتها طيبة، حتى لا يتأذى منك الجليس. لا يتأذى الناس من رائحتك النتنة لأنك ما تغسل، لا تغسل بدنك بالصابون، ولا كذلك ثيابك. والناس يشمون منك رائحة حيث يتأذى منك بعدهم. فخاصة في بيوت الله، لا تؤذِ الملائكة. ﴿إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ﴾. إذن الملائكة تتأذى منك، لماذا؟ لأنك ما تتنظف. إذا تركت أسباب العناية، نتر ملابسك، وأطعم مطعمك، أكل مطعمك حلالاً طيباً يقوى به بدنك لتعمل بالأسباب. أنظف فراشك، حتى النوم، كذلك تنظيف الفرش. والنبي عليه حثنا على كل هذا ورغبنا فيه لأجل عافية أبداننا. خالق المرضى، المريضون الذين عندهم أمراض إما معدية جلدية ونحوها، هذه الأمراض العدوى تنتقل بإذن الله تعالى إذا شاء الله تعالى. فإن العدوى غير مؤثرة بنفسها، ليست مؤثرة بنفسها كما يعتقد هذا التهويل. لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى». فالعدوى لا تنتقل إلا إذا شاء الله سبحانه وتعالى، فإنها غير مؤثرة بذاتها، إنما ذلك لله سبحانه وتعالى. لكن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يورد ممرض على مصح». «وفر من المجذوب فرارك من الأسد». إذن هناك أسباب نتقيها، نجتنبها، لأن الله جعلها أسبابًا. الله عز وجل جعلها أسبابًا، فنفر من المجذوب الذي فيه الجذام، والذي فيه كذلك الأمراض الجلدية، نفر منهم بقاية. وإلا فإن كل شيء بتقديره سبحانه وتعالى. فاعمل لأسباب العافية: نظف نفسك، نظف مكانك، تأكل الأكل الطيب الذي ينفع بدنك، وأكل. قال: «كن عفوا تظهر بحاجتك». أيضًا العفو جاءت فيه دلالة من كتاب وسنة. اعف عمن ظلم. «قال: كن رحيما يترحم عليك كل شيء». «يا أخي، لا تدع أيامك ولياليك وساعاتك تمر عليك باطلا، وقدم من نفسك لنفسك ليوم العطش». «يا أخي، يقول: لا تجعل الليالي، الأيام، الساعات، السنين، الشهور تمر عليك بدون أن تنتفع منها. فإنما أنت أيام، فإن ذهب منك يوم ذهب منك بعضك. لا تذهب عليك سدى. قدم لنفسك، لن ينفعك أحد، لا والد ولا ولد. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: 33]. إذن إذا كان هذا أقرب الناس إليه: الزوجة والولد، الأم والأب، لا أحد ينفع يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. إذن ينبغي أن نقدم لأنفسنا يوم القيامة، نقدم من أنفسنا، بما أعطاك الله عز وجل من صحتك وعافيتك وشبابك، لنفسك يوم العطش. يوم العطش ويوم القيامة، حيث يقوم الناس بين يدي رب العالمين، وتدنى منهم الشمس مقدار ميل. تأمل مقدار ميل، ومنهم من يلجمه العرق، يعني: يصل العرق إلى فيه، يفيل عرق يتصبب. هذا الإسحاق، لأنه هناك يوم عطش، لا شقي فيه أيضًا إلا بعد ذلك، يشربون من حوض النبي عليه الصلاة في ذلك الموقف. فإذا تحتاج إلى أعمال، تحتاج إلى أعمال صالحة، حتى في ذلك الموقف العظيم ينجيك الله عز وجل من الكرب». قال: «يا أخي، فإنك لا ترى يوم الزيادة إلا بالرضى من الرحمن، ولا تدرك رضوانه إلا بطاعته». إذن بطاعة الله عز وجل تدرك رضوان الله. صِحَاك، وأكثر من النوافل تقربك إلى الله. «وعليك بالسخاء؛ تستر العورات، ويخفف الله عليك الحساب والأهوال». عليك بالسخاء، السخاء، السخاء: يعني أن تكون سخيًا كريمًا جوادًا. «إن صنائع المعروف تقي مصارع السوء»، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. تستر عوراته يوم القيامة، يخفف الله عز وجل عليك الحساب، يخفف الله عليك الكرب العظيم. «قال: وعليك بكثرة المعروف؛ يؤنسك الله في قبرك». كما جاء في حديث البراء، العمل الصالح حيث يتمثل له، ويقول له: أنا عملك الصالح. هذا الرجل الذي عمل صالحًا يأتيه العمل في أحسن صورة، في أحسن صورة، يؤنسك في قبرك. عملك يؤنسك في قبرك: «أنا عملك الصالح»، يقول له ذلك. هذا العمل لأن الله عز وجل على كل شيء قدير. وذاك الفاجر، يقول: «أنا عملك الخبيث». أنك كنت تعمل الخبائث من المحرمات، من الكبائر، يتمثل له العمل في قبره. «واجتنب محارم الله، لا تجد حلاوة الإيمان». ما حرم الله سبحانه وتعالى، تجد حلاوة الإيمان في قلبك. لأن الله يعوضك. هذه النفس تشتهي المحارم، تشتهي ما حرم الله عز وجل. كل ممنوع مرغوب لدى النفوس بما جُبلت عليه. لكن الذي يمنع: النار حفت بالشهوات، والجنة حفت بالمكاره. ما تكرهه النفس هذا فيه الجنة، وما تشتهي النفس من المحرمات هذا فيه النار. فإذا تريد حلاوة الإيمان، يعوضك الله ويجعلها في قلبك، اترك المحارم. «قال: جالس أهل الورع وأهل التقى، يصلح الله أمر دينك». جالس أهل الورع وأهل التقى، إذا أردت الصلاح لنفسك، يصلح الله أمر دينك. «وشاور في أمر دينك الذين يخشون الله». عند مجاورتك في أمر من الأمور المهمة لك، تشاور من؟ تشاور أهل الخشية الذين يخافون الله عز وجل، لأنهم سيشيرون عليك بما يصلح وبالرشد، لأنهم أهل خشية، يخافون الله سبحانه وتعالى. أما تشاور شخصا لا يخشى الله وغير مبالٍ، فإنه لن يشير عليك بما يقربك إلى الله وبما يصلحك. فلذا تشاور أهل الخشية. «تسارع في الخيرات، يحول الله بينك وبين معصيتك». ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61]. أولئك أهل الخشية. ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 57-61]. المسارع في الخيرات مجتنب المعاصي، هكذا قوم، لأنه يخاف من المعاصي، لأنه مسارع في الخيرات. استبق الخيرات. «وعليك بكثرة ذكر الله، يزهدك الله في الدنيا». أيضًا من أكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى، ليكون لسانك رطبًا من ذكر الله. أفضل لك من القيل والقال. عندما تكون وحدك، فإنك تكثر من: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، أستغفر الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة، في حديث البراء، في حديث البراء، وفي حديث الأغر مئة مرة في مسلم. انظروا في حديث البراء: يقول: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة». في حديث الأغر المزني: يقول: «في اليوم أتوب إلى الله». يتمر، وأي شيء له عليه الصلاة والسلام؟ مثل ما لنا من الذنوب والمعاصي. فمن باب أولى وأحرى نحن، لا شك ولا ريب، نحن أحوج إلى الاستغفار وإلى التوبة إلى الله سبحانه وتعالى. أن نكثر من ذكر الله عز وجل. «وعليك بذكر الموت، يهون الله عليك أمر الدنيا». ترى الدنيا لا شيء، وترى الدنيا حقيرة، زائلة. صغرت في عينيك لأنك ترى الموت نصب عينك. تظن أنك ستقول عندما تخرج من هذا المسكن، وكيف سيكون حالك لو قيل لك الآن: إذا خرج ملك الموت من تضاريسك، فكيف سيكون حالك؟ ستذكر الله سبحانه وتعالى. لكن ليكون ذلك حقًا، ليكون ذلك نصب عينيك، حتى تتحقّر الدنيا. «واشتق إلى الجنة، يوفق الله لك الطاعة». يقول: اشتياق قلبك إلى جنة الله سبحانه وتعالى، فتحبب لك الطاعة؛ لأنك تعلم أن الذي يوصل إلى الجنة هو الطاعة. والنار، والعياذ بالله، لا يوصل إليها إلا المعاصي. فإذا اشتقت إلى الجنة، حببت إليك الطاعة. «وأشفق من النار، يهون الله عليك المصائب». أيضًا تشفق من النار، يهون الله سبحانه وتعالى عليك المصائب التي تأتيك؛ لأن الإنسان يصاب في هذه الحياة الدنيا بمصائب وابتلاءات، فتهون عليه هذه المصائب وهذه الابتلاءات؛ لأنه ينظر النار، يقول: إن هذه المصائب والابتلاءات فيها تكفير، فيها تكفير للذنوب والسيئات. «أحب أهل الجنة، تكن معهم يوم القيامة». أي: أهل الجنة الذين يعملون بعمل أهل الجنة، تحبهم حتى تكن معهم يوم القيامة. وما قال ذلك الرجل إلا: «إني أحب الله ورسوله». بحديث أنس بن مالك المتفق عليه، لما سئل عن الساعة، قال: «ما أعددت لها من كثير صيام ولا صلاة، ما عندي كثير أعمال من صيام ولا صلاة، ولكني أحب الله ورسوله». وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت مع من أحببت». بحديث ابن مسعود أيضًا جاء كذلك. أمره: «مع من أحببت». هذا فرح الصحابة، فرحوا بهذا الحديث العظيم. أمره: «مع من أحببت». قال: «أنا إذن أحب رسول الله، أحب الله ورسول الله، وأحب كذلك أبا بكر وعمر، وأرجو أن يحشرني الله معهم». انظر إلى هذا الكلام الطيب لسفيان رحمه الله. «وأبغض أهل المعاصي، يحبك الله». أيضًا تبغض أهل المعصية، إذا أردت أن يحبك الله، فإن الله عز وجل لا يحب أهل العصيان، لا يحبهم الله سبحانه وتعالى. «والمؤمنون شهداء الله في الأرض». جاء حديث عمر وغيره: «أنتم شهداء الله في الأرض». ومن شهد له المؤمنون بأنه على خير فهو من أهل الجنة، ومن شهد له المؤمنون أنه على شر فهو من أهل النار. وبالجنازة التي مرّوا وأثنوا عليها خيرًا، فقال: «وجبت». ثم مرت جنازة أخرى وأثنوا عليها شرًا، فقال: «وجبت». قالوا: يا رسول الله، مرت جنازة فقلت: وجبت، ثم مرت جنازة أخرى فقلت: وجبت. قال: «هذا، أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا، أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض». من شهد له أربعة، قال في حديث عمر: «دخل الجنة»، أي: بأنه من أهل الخير. شهد له من أهل الخير أربعة فقط. قلنا: يا رسول الله، وثلاثة؟ قال: «وثلاثة». قلنا: واثنان؟ قال: «واثنان». قال: «ثم لم نشأله عن واحد». يكفي، يعني: حتى اثنين لو شهدوا لشخص أنه من أهل الخير. ولكن الميزان هو ماذا؟ هو شرع الله سبحانه وتعالى. أنتم شهداء الله في الأرض. «قال: ولا تسبن أحدا من المؤمنين». جاء بحديث كعب بن جابر بن سليم رضي الله عنه، قال: «قال لي: لا تسبن أحدا، لا تسبن أحدا». قال: «فما سببت شاة، ولا معيرا، ولا حرا، ولا عبدا، ما سببت أحدا أبدا». فطهر لسانه من السباب واللعن، وجعل لسانه يلهج بذكر الله سبحانه وتعالى. قال: «ما سببت أحدا بعد هذه الوصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبن أحدا من المسلمين». والمسلم: من سلم المسلمون من لسانه ويده. «قال: ولا تحقرن شيئا من المعروف». جاء بحديث جابر، وجابر من سليم رضي الله عنه: «لا تحقرن من المعروف شيئا». بحديث أبي ذر: «ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق». هذا أيضًا من المعروف، البشاشة عند اللقاء والسلام. كل ذلك من المعروف، كل ذلك من المعروف. «ولا تنازع أهل الدنيا دنياهم». لا تنازع أهل الدنيا، يعني: إذا رأيتموهم يسرحون في الدنيا وينعمون، لا تنازعوهم دنياهم. «وانظر، يا أخي، أن يكون أولى أملك تقوى الله في السر والعلن». إذن هذا أيضًا: تقوى الله في السر والعلن. ولكن ذلك منك أبدًا. «واخشَ الله خشية من قد علم أنه ميت ومبعوث». اخشَ الله عز وجل، وخف الله عز وجل، من قد يعلم من نفسه أنه ميت، وأنه يبعث يوم القيامة. «ثم الحشر، ثم الوقوف بين يدي الجبار عز وجل، وتحاسب في عملك، ثم المصير إلى إحدى الدارين: إما جنة ناعمة خالدة، وإما نار فيها ألوان العذاب مع خلود، لا موت فيها». «وارجُ رجاء من علم أنه يعفو، أو يعفو، أو يعفو». يعني: تعمل عمل من يرجو العفو من الله سبحانه وتعالى. وتخاف أيضًا أنك تقف عند الله سبحانه وتعالى، فتعمل الأعمال، فتعمل الأعمال. يعني: يكون حالك بين الخوف والرجاء. الخوف من الله سبحانه وتعالى، فتجتنب المعاصي. والرجاء: ترجو الله سبحانه وتعالى، فتعمل الطاعة؛ لأن الطاعة فيها رجاء أن الله عز وجل يثيبك بطاعتك لله سبحانه وتعالى، ولا تتخالف لأوامره، أن يثيبك بها الجنة. وخوفك من معصية الله سبحانه وتعالى، حتى لو عملت المعصية، أنك تتوب وتستغفر الله سبحانه وتعالى؛ لأنك تخاف من الله معاقبتك بهذه العقوبة، وبهذه المعصية. «وبالله التوفيق، لا رب غيره». هذه وصية الإمام سفيان رحمه الله، كل فقرة عليها أدلة من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فرحمه الله رحمة واسعة. ننتهي بهذا إلى الله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾. نستغفرك ونتوب إليك.