كتاب الصلاة 14

الدرس في كتاب الصلاة 14، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حكم الصلاة بالثوب الواحد وستر العورة

يشرح حكم الصلاة بالثوب الواحد وستر العاتقين مستندًا إلى أحاديث جابر وأبي هريرة، ويبين اختلاف الفقهاء في وجوب ستر العاتقين. يرى الإمام أحمد وجوب ستر العاتقين بينما يرى الجمهور أنه مستحب.

تفاصيل حكم ستر العاتقين في الصلاة

يتناول حكم ستر العاتقين في الصلاة، حيث يرى بعض العلماء أنه واجب بينما يرى آخرون أنه مستحب، ويستدل بآيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ليثبت وجوب ستر العاتقين.

حكم صلاة المرأة وسترها

يتناول حكم صلاة المرأة بالدرع والخمار، ويبين ضعف الحديث المرفوع في هذا الشأن، واستدل الجمهور على وجوب ستر القدمين في الصلاة، بينما يجوز كشف القدمين عند أبي حنيفة وابن تيمية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الصلاة، في باب شروط الصلاة: عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إذا كان الثوب واسعًا فالتحف به في الصلاة». ولمسلم: «فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا فاتزر به»، متفق عليه. ولهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء». هذا الحديثان: حديث جابر رضي الله عنه في الصحيحين، وهكذا أيضًا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين. حديث جابر: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا كان الثوب واسعًا فالتحف به في الصلاة». ولمسلم: «فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا فاتزر به». التحف به أي: اتزر به، وما زاد منه فضعه على كتفيك. ويبين هذا رواية مسلم: «فخالف بين طرفيه». فخالف بين طرفيه، فهذا هو معنى الالتحاف، أن يخالف بين طرفي الثوب، فيجعل الطرف الأيمن على العاتق الأيسر، والطرف الأيسر على العاتق الأيمن. وجاء أيضًا في صحيح مسلم بلفظ: «إذا كان واسعًا فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقًا فاشده على حقوك». وحديث أبي هريرة في نهي النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي المسلم وليس على عاتقه شيء من ثوبه. والعاتق هو الموضع الذي بين العنق والمنكب، هذا المكان يسمى العاتق، ما بين العنق والمنكب، والمنكب هو رأس، يعني مجتمع العضد، هذا يسمى منكب، وهذا يسمى عاتق. فحديث جابر فيه أن الإنسان إذا كان عنده ثوب واحد، فإن كان هذا الثوب واسعًا فإنه يلتحف به، بمعنى يتزر به في الأسفل، فيستر ما بين السرة إلى الركبة، وما زاد منه التحف به وغطى به كتفيه، أخذ الباقي من الإزار من الثوب ووضعه على كتفيه هكذا، يعني مثلًا إذا كان الزائد من الثوب يأتي به من الأسفل ثم يضعه على كتفيه فيغطي العاتقين أو المنكبين، هذا إذا كان واسعًا. وإذا كان ضيقًا فإنه يتزر به، إذا كان ضيقًا فيكتفي بستر الأسفل، ما بين السرة والركبة، كأن يكون مثلًا معه فوطة فقط، الفوطة ما تكفيه لستر العاتقين، فإنه يستر ما بين السرة والركبة. هذا معنى حديث جابر: «إذا كان الثوب واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به»، يعني يكفي أن تستر الأسفل. ففي هذا الحديث جواز الصلاة بالثوب الواحد، وقد سئل النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر في صحيح البخاري: «أيصلي أحدنا في الثوب الواحد؟» فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أو كلكم يجد ثوبين؟» ففيه أنه يجوز للإنسان أن يصلي في ثوب واحد، لكن كما سمعنا: إذا كان الثوب واسعًا فلابد من ستر العاتقين، وإذا كان ضيقًا فيكتفي بستر الأسفل. وفيه كذلك وجوب ستر العورة، وكما مر معنا أن عورة الرجل البالغ ما بين السرة إلى الركبة. هنا تأتي مسألة: وهو ما حكم ستر العاتقين؟ وما حكم أن يصلي الرجل وعاتقاه مكشوفتان، ليس على عاتقيه شيء من الثياب؟ فالإمام أحمد رحمه الله يذهب إلى وجوب ستر العاتقين إذا كان الإنسان قادرًا على ذلك، وأنه يحرم أن يصلي وعاتقاه مكشوفتان. واستدل بهذا الحديث: حديث أبي هريرة «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء». وهذا محمول إذا كان يستطيع أن يستر عاتقيه، يكون عنده ثوب إما نفس الثوب إذا كان واسعًا أو ثوب آخر يلبسه أو يضع إزارًا على عاتقيه أو نحو ذلك من الثياب، فهنا يجب عليه أن يستر عاتقيه. فإن صلى وليس على عاتقيه شيء فهو آثم. وذهب مالك والشافعي، ونسبه الإمام النووي رحمه الله إلى الجمهور، إلى أن ستر العاتقين مستحب وليس بواجب. واستدلوا بالنص والقياس. أما النص، فحديث جابر أن محمد بن المونكدر رحمه الله، وهو من أئمة التابعين من تلاميذ جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، قال: «رأيت جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما يصلي في ثوب واحد». وقال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد». وحديث أبي هريرة في البخاري حين سئل النبي عليه الصلاة والسلام: «أيصلي الرجل في ثوب واحد؟» فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أو كلكم يجد ثوبين؟» قالوا: فهذا يدل على أنه يجوز للإنسان أن يصلي في ثوب واحد. وأما حديث أبي هريرة في الأمر بستر العاتقين، قالوا: فهذا محمول على الكمال، من باب الاستحباب، ومن باب الأكمل أن الإنسان إذا صلى يستر عاتقيه، وليس هو على سبيل الوجوب. وأما القياس، فقالوا: إنه لا يجب على الإنسان، على المسلم، أن يستر العاتقين كبقية أعضاء بدنه، هل يجب على المصلي أن يستر يديه أو يستر قدميه أو يجب عليه أن يستر رأسه؟ الجواب: لا. قالوا: فكذلك العاتقين لا يجب، هذا من باب القياس. والصحيح هو القول الأول: أن ستر العاتقين واجب، وأن من صلى وعاتقيه مكشوفتان وهو قادر على سترهما فهو آثم، ومرتكب لأمر محرم. وأما استدلالهم بحديث جابر وبأبي هريرة، فهو محمول على ما إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يستر عاتقيه، ما عنده إلا ثوب واحد يتزر به ويستر به عورته، هذا معذور، ليس عليه شيء. وإنما الكلام على من كان قادرًا ومستطيعًا. فإن قيل: كيف يؤمر بستر العاتقين مع أن العاتقين ليس من العورة؟ فالجواب كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن العورة في الصلاة ليست كعورة النظر خارج الصلاة، عورة المسلم في الصلاة ليس كعورة النظر خارج الصلاة. فالمسلم في الصلاة يستر ما يجوز له كشفه خارج الصلاة. فالمرأة مثلًا يجب عليها أن تختمر، أن تلبس الخمار أو تغطي رأسها وتستر سائر بدنها، حتى وإن صلت وحدها ما عندها أحد. وهكذا أيضًا إذا صلى الإنسان وحده ما عنده أحد، هل يجوز له وإن صلى وهو عاري؟ الجواب: لا، يجب عليه أن يستر عورته، وهذا هو لأجل حق الله سبحانه وتعالى في هذه العبادة. ومن ذلك ستر العاتقين، فستر العاتقين هو حق لله سبحانه وتعالى مما يجب على المسلم فعله في الصلاة. والله جل وعلا قد أمر بستر العورة وأخذ الزينة: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. وأخذ الزينة يعني شيء زائد على ستر العورة، ستر العورة واجب، والتزين مستحب. فكذلك الإنسان يلبس أحسن الثياب ويتجمل في الصلاة، هذا أمر مطلوب وأمر مرغب فيه. لكن ستر العورة كما سمعنا شيء آخر، وعورة الصلاة غير عورة النظر. وبهذا أيضًا نعلم خطأ من يصلي وهو لابس للفنيلة التي لها حبل ضيق ونحيف، الفنائل الداخلية التي لها حبل يكون في العاتق ضعيف جدًا أو نحيف، هذا لا يكفي في ستر العاتقين والمنكبين. أو كذلك أيضًا خطأ من يحرم ثم يطبع، والاطباع أن يكشف على الكتف الأيمن، يكشف الكتف الأيمن، يضع وسط الرداء تحت المنكب والطرف الأيمن فوق الكتف الأيسر، هذا يسمى الاطباع، وهو مستحب عند طواف القدوم. لكن البعض يستمر في الاطباع حتى يصلي وهو مطبع وكاشف عن عاتقه، وهذا خطأ. الواجب إذا انتهى من طواف القدوم وأراد أن يصلي ركعة الطواف أن يستر منكبه، أن يستر منكبه، ولا يدعه مكشوفًا فيقع في هذا النهي الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: «أتصلي المرأة في درع وخمار بغير إزار؟» قال: «إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها». أخرجه أبو داود وصححه الأئمة، وقفه. هذا الحديث لحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أخرجه الإمام أبو داود في سننه من طريق عبد الرحمن بن عبد الله يعني ابن الدينار عن محمد بن زيد بن قنفذ عن أمه عن أم سلمة أنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام الحديث. قال أبو داود بعد إخراجه لهذا الحديث: روى هذا الحديث مالك بن أنس وبكر بن مضر وحفص بن غياث وإسماعيل بن جعفر وابن أبي ذئب وابن إسحاق عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة لم يذكر أحد منهم النبي صلى الله عليه وسلم، قصروا به على أم سلمة، يعني أن هؤلاء الرواة كلهم رووه موقوفًا، رووه موقوفًا على أم سلمة من قولها، وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا هو الراجح أن الحديث موقوف. ورجح الوقف الإمام أبو داود رحمه الله، وهكذا الحافظ ابن حجر والدارقطني وابن الجوزي وغيرهم. وفي سند الحديث عبد الرحمن بن عبد الله وهو ضعيف، عبد الرحمن بن عبد الله ضعيف. قال فيه أبو حاتم: «لين الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به». وضعفه ابن معين. وأيضًا أم محمد بن زيد، أم محمد بن زيد مجهولة كما قال الذهبي رحمه الله في الميزان. ولهذا فالحديث ضعيف، صحيحًا مرفوعًا وموقوفًا، ضعيف مرفوعًا وموقوفًا. وقف ضعفه الشيخ البيهقي رحمه الله، ضعف المرفوع والموقوف. هذا الحديث فيه أن المرأة تصلي في درع وخمار، الدرع ما يغطي البدن، ما يغطي الجسد، والخمار ما يغطي الرأس. ولو كان ذلك بغير إزار، والإزار ما يلبس في الأسفل تحت الدرع. الحديث وإن كان ضعيفًا لكن معناه صحيح. وقد وردت آثار عن الصحابة أو بعض الصحابيات رضوان الله تعالى عليهن أنهن كن يصلين بالدرع والخمار، مما يدل على أن صلاتهن بالدرع والخمار كان أمرًا معروفًا. ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، وهكذا أيضًا عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله في مصنفه عن أم الحسن قالت: «رأيت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تصلي في درع وخمار». وهكذا أيضًا أخرج ابن أبي شيبة من طريق الأوزاعي قال: قال عطاء: «في المرأة تصلي المرأة في درع وخمار». وصح كذلك عن ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت تصلي في درع وخمار، رواه ابن أبي شيبة والبيهقي وصححه علامة الألباني رحمه الله. وجاء أو صح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عند ابن أبي شيبة قال: «المرأة تصلي في درع وخمار وملحفة»، والملحفة ما يلبس فوق الثياب، كالعباءة ونحوها. وهذا يعني يحمل على أنه من باب الكمال، من باب الكمال، كمال التستر أن تفعل ذلك، إلا أنه ليس بلازم، يكفي لو صلت بدرع، ونسميه مثلًا نحن بقميص الصلاة، قميص الصلاة مع الخمار، فهذا كافي. بل لو لبست بدل الخمار ما تغطي به المرأة رأسها، ما نسميه مثلًا في اللغة الدارجة النقبة، تنقبت بنقبة، سترت بها رأسها ولبست درع الصلاة، فهذا كافي. بل لو لفت على نفسها بثوب وسترت به رأسها وجسدها لكان ذلك كافيًا، كما قال عكرمة رحمه الله: «لو لبست المرأة ثوبًا سترت به رأسها وبدنها لأجزأها ذلك». هكذا يقول رحمه الله. ويُدل عليه أحاديث عائشة في الصحيحين في قولها: «كان نساء يصلين مع النبي عليه الصلاة والسلام الصبح متلفعات بمروطهن، ما يعرفهن أحد من الغلس». المروط يعني الملاءة، الثوب الذي يلبس على الجسد كله. فيدل على أنه إذا لبست ثوبًا يسترها، يستر جسدها ويستر رأسها لكان ذلك كافيًا. فعلى كل حال، الصلاة بالدرع والخمار كما سمعنا كان أمرًا معروفًا عند نساء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. واستدل بهذا الحديث جمهور أهل العلم على وجوب ستر القدمين، على وجوب ستر المرأة لقدميها في الصلاة، لأنه قال: «إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها». لكن الحديث كما علمنا أنه ضعيف. ولهذا الصحيح أنه يجوز للمرأة أن تكشف قدميها في الصلاة، كما هو قول أبي حنيفة، ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.