الدرس في كتاب الصلاة 16، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش الدرس شروط الصلاة ومواضع النهي عنها مستنداً إلى الأحاديث النبوية. يبين أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام.
يستعرض الدرس المواضع التي ينهى عن الصلاة فيها مثل المقبرة والحمام ومعاطن الإبل، ويوضح العلة من النهي عن الصلاة في بعض هذه المواضع.
يناقش الدرس حكم الصلاة في أماكن معينة مثل المجزرة وقارعة الطريق وفوق الكعبة، ويستند إلى أحاديث نبوية وضعف بعضها.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتابه بلوغ المرام، في كتاب الصلاة، في باب شروط الصلاة: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأرض كلها مسجدٌ إلا المقبرة والحمام». رواه الترمذي، وله علة. وعلة هذا الحديث أنه روي موصولاً وروي مرسلاً، فرواه موصولاً حماد بن سلمة، حماد بن سلمة عن عمر بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً. ورواه حماد بن زيد، أو رواه الثوري، رواه الثوري عن عمر بن يحيى به مرسلاً، فبعض الحفاظ رجح رواية المرسل، رجح الرواية المرسلة كالإمام البيهقي والدارقطني، وهكذا أيضاً الترمذي. وحماد بن سلمة لم يتفرد برواية الحديث موصولاً، فقد تابعه على ذلك عبد العزيز الدراوردي رحمه الله، وهكذا أيضاً ابن إسحاق، محمد بن إسحاق. وكذلك أيضاً تابعه على وصله عبد الواحد بن زياد، كلهم ثقات إلا ابن إسحاق، وهو حسن الحديث. ورجح رواية الوصل ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن حزم وابن دقيق العيد وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وصحح الحديث من العلماء المعاصرين الشيخ أحمد شاكر وشيخ الألباني، وعلى من نبغ رحمهم الله. وقد روي كذلك الحديث من طريق أخرى سالم من هذه العلة عند الإمام الحاكم، فروى الإمام الحاكم الحديث من طريقه البيهقي عن عمارة بن غزية عن يحيى بن عمارة عن أبي سعيد مرفوعاً. وهذه الطريق سالمة من هذه العلة، ولذلك قال شيخ الإسلام رحمه الله ابن تيمية: قال من تكلم في هذا الحديث فما استوفى طرقه. إذن الحديث صحيح. قال: وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى في سبع مواطن: المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق والحمام ومعاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله تعالى. رواه الترمذي، وضعفه. هذا الحديث ضعيف جداً، فيه زيد بن جبيرة. قال الترمذي بعد ذكره لهذا الحديث: إسناده ليس بذاك القوي، وتكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه. قال فيه البخاري: منكر الحديث. قال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث جداً، متروك الحديث، لا يكتب حديثه. حديثه. وذكر الإمام المعدل والذهبي هذا الحديث من مناكير زيد بن جبيرة. من مناكير زيد بن جبيرة. فالحديث لا يصح. وحديث أبي هريرة: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام»، فيه أن الأصل هو طهارة الأرض، الأصل هو طهارة الأرض، وأن المسلم له أن يصلي في أي أرض جاء وقت الصلاة عليه هو فيها أو على ظهرها. ويؤيد ذلك حديث جابر رضي الله عنه في الصحيحين في قوله عليه الصلاة والسلام: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل في...» -في رواية- «فعنده مسجده وطهوره». إذا الأصل هو طهارة الأرض، هذا هو الأصل في جميع الأشياء الطهارة، الأصل في مياه الطهارة والأرض والثياب والحجارة. لكن استثنى استثنى من هذا العموم بعض المواضع التي جاء فيها النهي عن الصلاة فيها، كما في حديث أبي هريرة: المقبرة والحمام. وما دل عليه دليل صحيح على أنه عن الصلاة في ذلك الموضع، أو دلت عليه عمومات الأدلة. وما لم يدل عليه دليل فالأصل جواز الصلاة في ذلك الموضع. فورد في حديث أبي هريرة استثناء المقبرة والحمام. المقبرة هو الموضع الذي يدفن فيه الموتى، الموضع الذي يدفن فيه الموتى، ولو دفن فيه ميت واحد فإنها تعتبر مقبرة. وأما إذا عينت مقبرة ولم يدفن فيها أحد فيجوز الصلاة فيها. والحمام هو مواضع الاغتسال، مواضع الاغتسال بالماء الحار، ثم استعمل في كل ماء. وفي حديث ابن عمر ذكر من المواطن التي ينهى عن الصلاة فيها المزبلة، والمزبلة هي مواضع رمي الزبالة أو القمامة. وهي المجزرة، والمجزرة وهو الموضع الذي تنحر وتذبح فيه الجزور، أي بهيمة الأنعام: الإبل أو بقر أو غنم. والمقبرة عرفنا أنها الموضع الذي يدفن فيه الموتى. وقارعة الطريق: الموضع الذي يمر منه الناس وتقرعه أقدامهم. والحمام عرفنا ذلك. ومعاطن الإبل: أي المواضع التي هي مواطن مرابض الإبل التي تؤوي إليها وتمكث فيها. وفوق ظهر بيت الله: أي فوق الكعبة، فوق الكعبة. طيب من أول هذه المواضع التي جاء فيها النهي المقبرة، فالمقبرة وهو الموضع الذي يدفن فيه الموتى، هذا الموضع لا يجوز الصلاة فيه. المقبرة ليست موضعاً للصلاة. وما هو الحكمة أو العلة لهذا النهي؟ الصحيح أن العلة لهذا النهي هو أن الصلاة في المقابر ذريعة إلى الشرك في عبادة الله وعبادة من فيها، وعبادة من فيها، كما هو الحاصل الكثير في بعض بلاد الإسلام ممن يعظم القبور والأموات أهلها من ممن يزعمون أنهم الأولياء والصالحين فيعبدونهم من دون الله جل وعلا. فهذه العلة في النهي عن الصلاة في المقابر. وأما ما ذكره بعض الفقهاء أن العلة من ذلك -يعني نجاسة ذلك الموضع مما يخرج من الميت من صديد ونحو ذلك- فهذا ليس بصحيح، هذا ليس بصحيح. قالوا: بأن القبور قد تنبش قد تنبش فتختلط بالتراب هذه النجاسة من صديد نحو ذلك. وقال أهل العلم جواباً عن ذلك: أن نبش القبور يعني شيء نادر، شيء نادر. ثم أغلباً لا يلزم من نبشها حصول النجاسة، لا يلزم من نبشها حصول النجاسة. ولأن المقبرة معرضة للشمس والريح، وهي مما تطهر الأرض النجسة، الأرض النجسة إذا أصابتها الشمس وأصابتها الريح طهرت. إذا كانت العلة هي النجاسة، فإنها تطهر بما يصيبها من الشمس وما يصيبها من الرياح. والأمر الثاني: أن كون هذه العلة لما نهي عن الصلاة في مقابر الأنبياء، لو كان هذه العلة فلما نهي عن الصلاة في مقابر الأنبياء؟ لأن الأنبياء لا تأكل الأرض أجسادهم، ومع ذلك فالصلاة في مقابر الأنبياء كذلك لا تجوز. وهكذا أيضاً الموضع الثاني: الحمام، الموضع الثاني: الحمام. وعلمنا أن الحمام هو مواضع الاستحمام، مواضع الاستحمام. قال أهل العلم: والعلة في ذلك اختلفوا فيها، منهم من قال: العلة هي مظنة النجاسة، أن الحمامات مواضع الاغتسال مظنة النجاسة. وقيل: أنها مأوى الشياطين، أنها مأوى الشياطين، فلا يصلح الصلاة في تلك المواضع. ورجح شيخ الإسلام رحمه الله القول بأن العلة في النهي عن الصلاة فيها هي كونها مأوى الشياطين. وألحق أهل العلم بالحمام الكنيف -يعني مواضع قضاء الحاجة- حمامات ودورات المياه، دورات المياه التي يتوضأ منها المسلمون، فهذه مواضع لا تصلح للصلاة وعبادة الله جل وعلا فيها. طيب إذا أراد الإنسان أن يصلي فوق الحمامات، هل يجوز؟ يعني لو بعض المساجد تبنى والحمامات في الأسفل، المسجد في الأعلى والحمام في الأسفل، هل في ذلك حرج؟ الصحيح أنه يجوز، يجوز الصلاة في المسجد إذا كان فوق الحمامات، يعني يصلي على سطح الحمامات، فهذا لا بأس به. وإنما النهي عن الصلاة في داخل الحمام، النهي عن الصلاة في داخل الحمام. وهذا ما جاء في حديث أبي هريرة. وفي حديث ابن عمر ذكر من المواطن المزبلة، والمزبلة كما علمنا مواضع رمي الزبالة والقمامة. وهذه إذا كانت يعني قمائم نجسة فلا شك أنه لا يجوز، لا شك أنه لا يجوز لأجل النجاسة. وإن كانت طاهرة، وإن كانت طاهرة فيجوز، مع كون الأولى أن الإنسان لا يصلي في مثل ذلك الموضع. والمجزرة هي مواضع ذبح ونحر الجزور، فالحديث يدل على النهي عن الصلاة في المجزرة، والحديث ضعيف، لكن المعنى صحيح، لأن مواضع الذبح الجزور تكون ملطخة بالدماء وملطخة بالروث، فأي مواضع متسخة قذرة فلا شك أنه لا يجوز للمسلم أن يصلي في مثل هذا الموضع، يناجي الله سبحانه وتعالى في موضع رائحته نتنة ومليء بالدماء والروث ونحو ذلك، فهذا الموطن وهذا الموضع لا يجوز الصلاة فيه لعموم الأدلة، وليس لهذا الحديث. وهكذا قارعة الطريق: المكان الذي يمر منه الناس وتقرعه الأقدام. قال بعض أهل العلم: يجوز الصلاة في قارعة الطريق. وقالوا: بأن ذلك سبب للأذية، فهو يؤذي نفسه، يؤذى من قبل الناس، ويؤذي غيره، يؤذى من قبل الناس ويؤذيه من يمر، ومن يمر يؤذيه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». فقالوا: لا يجوز أن يصلي في قارعة الطريق. وذهب بعض أهل العلم إلى الجواز، ذهب بعض أهل العلم إلى الجواز، وقالوا: بأن الحديث لا يصح، والأصل الأصل هو طهارة الأرض، وأنه يجوز للمسلم أن يصلي في أي موضع، هذا هو الأصل. وعلى هذا فيجوز أن يصلي في قارعة الطريق. وهذا هو الصحيح أنه يجوز، لكن الأفضل أن المسلم ما يصلي في قارعة الطريق إلا عند الحاجة، إلا عند الحاجة، كان يصلي مثلاً في مسجد فيمتلئ المسجد وتتصل الصفوف إلى الشارع وممر الناس، فإن قطع الطريق لأجل الصلاة فلا بأس حينئذ أن يصلي في قارعة الطريق. قال: والحمام ومعاطن الإبل، معاطن الإبل: أي مبارك الإبل. وهذا الموضع كذلك من مواضع التي لا يجوز الصلاة فيها. وقد صح في صحيح الإمام مسلم عن جابر المسموع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة في مرابط الإبل، فقال: «لا تصلوا في مرابط الإبل، وصلوا في مرابط الغنم». أجاز النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في مرابط الغنم، ولم يجز الصلاة في مرابط الإبل. وجاء بنحوه من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في السنن. طيب ما هي العلة؟ هل كون مرابض مبارك الإبل يعني نجسة؟ الجواب: لا، ليست نجسة، لأن روث وبول الإبل طاهر. إذن ما هي العلة؟ العلة قالها العلماء: هي أن الإبل خلقت من الشياطين، فقد جاء في رواية عند أبي داود: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مبارك الإبل، وقال: «إنها خلقت من الشياطين». فالإبل فيها شيطنة، فيها شيطنة، إذا صلى الإنسان عندها ربما تؤذيه، ربما تقوم فتجلس عليه فتقتله، تجلس عليه فتقتله أو تؤذيه. فلأجل هذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة في مبارك الإبل. قال: فوق ظهر بيت الله تعالى -يعني فوق الكعبة- أن يصلي فوق الكعبة. قال بعض أهل العلم: لا يجوز، وسذل بهذا الحديث. وسذل بهذا الحديث حيث ابن عمر فيه النهي عن الصلاة فوق ظهر بيت الله. لكن الحديث ضعيف. وسذل به قول الله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قالوا: من صلى فوقها لم يتجه إلى الكعبة. وقال آخرون من أهل العلم: بل الصلاة فوق ظهر الكعبة صحيحة، الصلاة فوق ظهر الكعبة صحيحة. وذلك أولاً لعدم ثبوت هذا الحديث الذي فيه النهي عن الصلاة فوق ظهر الكعبة. والأمر الثاني: وهو التعليل، أن مناط الحكم في هذه المسألة ليس هو كونه قائماً إلى جهة الكعبة، وإنما يستقبل جهة الكعبة، سواء كان إلى الكعبة مباشرة أو إلى هواء الكعبة. ولهذا إذا صلى المسلم فوق سطح المسجد الحرام أو فوق جبل أبي قبيس، فإن صلاته صحيحة باتفاق، مع أنه ما يستقبل الكعبة، وإنما يستقبل ما فوق الكعبة، وصلاته صحيحة. وصلاته صحيحة باتفاق أهل العلم. كذلك إذا صلى على ظهر الكعبة فإن صلاته صحيحة. وهذا هو الصحيح، وهو رواية عن إمام أحمد رحمه الله. إذا المواطن التي ينهى عن الصلاة فيها: المقبرة والحمام ومبارك الإبل والمزابل، إلا كانت نجسة. وهكذا أيضاً المجزرة. ومع ذلك فالأصل هو الطهارة والجواز. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.