الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 64، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع الأول مشهدا يوم القيامة حيث يرى النبي مجموعة من الناس يمنعون من الوصول إليه، وتفسير العلماء لهذا المشهد ومعنى ارتداد هؤلاء الناس. يُفسر الحديث على عدة محامل منها ارتداد بعض الأعراب بعد وفاة النبي أو أنهم من المنافقين.
يتناول المقطع الثاني حديث النبي عن زمر من أمته ترد النار بسبب ارتدادهم عن الدين، وأن النبي يعرفهم بآثار الوضوء، ويتدخل ملك ليأخذهم إلى النار، مشيرا إلى أن القليل منهم سينجو.
يفسر المقطع الثالث حديث النبي عن زمرة تمنع من الحوض وتفسير العلماء له، حيث يرى بعضهم أنهم كفار أو عصاة، ويستفاد من الحديث أن الردة تقع في أمة الإسلام وأن المسلم يجب أن يخاف على نفسه من الكفر.
يذكر المقطع الرابع أن أهل الأهواء الذين غيروا وبدلوا في شرع الله يمنعون من الحوض، مشيرا إلى أن هذا الصنف من الناس لا يصل إلى حوض النبي يوم القيامة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وللبخاري: بينما أنا قائم، إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار، والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثم إذا زمرة، فذكر مثله. قال: فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم. أورد المؤلف، محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، في رسالته «فضل الإسلام» هذا الحديث، وهذا الحديث يلحق بروايات السابقة التي أوردها لنا المؤلف رحمه الله تعالى، وهي تتحدث عن أناس من أمته يمنعون عنه عليه الصلاة والسلام يوم القيامة. وهذه الرواية كذلك فيها تفصيل لهذا المشهد، والذي سيكون. فقوله عليه الصلاة والسلام: «بينما أنا قائم»، وفي رواية: وكذلك في الصحيح، لكنها بلفظ «بينما أنا نائم». اختلف العلماء في ترجيح أحد الروايتين على الأخرى، فمنهم من يرجح أن هذا الحديث فيه رؤية منامية؛ لأن النبي يقول: «بينما أنا نائم»، ومنهم من يرجح لفظة «قائم». إذن دل هذا الحديث على أمر محسوس وأنه سيقع يوم القيامة. ومن أهل العلم من جمع بينهما، كما فعل الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، قال: لا إشكال؛ إذ أن هذا الحديث نعم هي عبارة عن منام رآه نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قائم، وهذا سيكون؛ لأن رؤية الأنبياء حق، ورؤية الأنبياء وحي، وأن هذا كائن سيقف نبينا عليه الصلاة والسلام وسيحضر بنفسه على هذا المشهد، فهو الآن منامي، وفي الغد يوم القيامة سيكون حقيقي. قال: «بينما أنا قائم»، ومعنى قائم أي عند الحوض. ومرت معنا مسألة المتعلقة بالحوض المورود، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم سيقف عنده ينتظر أمته، ينتظر أمته أن ترد عليه الحوض. قال عليه الصلاة والسلام: «بينما أنا قائم، إذا زمرة»، والزمرة بمعنى مجموعة. إذا، وهذا إذا فجائي، أي ظهروا إليه وظهروا له في هذا الموقف. قال: «إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم». عرفهم نبينا هؤلاء، وبعد ذلك سيمنعون، كما سيأتي. وقد مر معنا أن هذا يحمل على عدة أمور؛ إما أنهم على أناس قد عرفهم عليه الصلاة والسلام في حياته، لكنهم بعدما مات ارتدوا، وقعوا في الردة، فنبينا آخر العهد بهؤلاء أنهم كانوا على الإسلام، فيتفاجأ أنهم يوم القيامة يمنعون؛ لأنهم وقعوا في الردة، يدل على ذلك كما سيأتي أنهم ارتدوا في آخر الحديث. وهؤلاء من الذي ارتد؟ هل كما يدعيه الرافضة: بأنهم الصحابة ارتدوا؟ لا، يقول الخطاب رحمه الله تعالى، معلقا على هذا المحمل، قال رحمه الله تعالى: لم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب، أو من جفاة الأعراب دخلوا في الإسلام، لكن كان الدخول ضعيفا، فلما وقعت حادثة الردة ومات نبينا ارتد كثير من العرب، وخاصة من الأعراب، أما الصحابة ما ارتد أحد. هذا المحمل الأول. المحمل الثاني: قال: «عرفتهم». قال علماء: إنما أراد نبينا من كان من أهل النفاق ممن كانوا في زمنه يصلون معه، ولربما يقاتلون معه، فيظنهم أنهم على الإسلام، وهم قد أبطنوا النفاق في قلوبهم، ولا يدري بهم. فيوم القيامة إذا رأاهم عرفهم؛ أنهم من أتباعه على الظاهر، لكن يمنعون؛ لأنهم من أهل النفاق، وخاصة بعد موته صلى الله عليه وسلم أظهروا النفاق وأظهروا الكفر. وأما المحمل الثالث في هذا الحديث: قال: «عرفتهم». عرفهم بما مر معنا في درس أمس: أن لهم آثار الوضوء تشع نورا وتظهر أمام الخلق في ساحة الحشر، يعرف نبينا أمته بآثار الوضوء. فهؤلاء ناس عرفهم نبينا بآثار الوضوء، ليس من شرط أن يكون من أمة في زمنه أو في عهده، لا، أي واحد من أمته يعرفه نبينا بآثار الوضوء. فهؤلاء عرفهم، لكنهم يمنعون؛ لماذا؟ لأنهم وقعوا في فسق من كبائر، من إحداث في الدين، فمنعوا عن إيراد الحوض. فهذه المحامل التي قلنا في قوله عليه الصلاة والسلام: «حتى إذا عرفتهم»، أي لما ظهرت هذه الزمرة عرفهم نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: «حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم». ظهر رجل، وهذا الرجل قال العلماء: هو ملك، ملك يتصور على هيئة بشر، يظهر بين رسول الله وبين هذه الزمرة التي ظهرت. ومن هذا الملك الله أعلم به، لا، هناك تفصيل في من هو هذا الملك، وهو من الملائكة الذي جاء ذكرهم في الكتاب والسنة، الله أعلم من هذا. قال: «فقال: هلم»، أي هلم بمعنى تعالوا، ينادي، وهذا النداء ينادي من ينادي الزمرة. هذا الرجل الذي ظهر بين رسول الله وبين الزمرة ينادي: «هلم»، ينادي هذه الزمرة. قال: «فقلت»، أي يقول لنبينا: «أين؟» أين ستأخذ هؤلاء؟ هم من أمته، صلوات ربي والسلام عنه، فاستغرب أن هذا الرجل يتدخل بينه وبين أمته فيأخذهم بعيدا عنه. قال: «أين؟ فقال هذا الرجل: قلت إلى النار، والله إلى النار، والله». أي سأخذهم إلى النار. فقال عليه الصلاة والسلام: «وما شأنهم؟» ما السبب؟ ما العلة أن هؤلاء يصرفون عن النار؟ وكما قلنا: نبينا يظن أن هؤلاء لا زالوا على أمة؛ لأنه قد عرفهم، إما لمكانوا في زمنه أو عرفهم من أتباعه بآثار الوضوء، فاستغرب كيف يذهبهم إلى النار. قال: «ما شأنهم؟ فقال هذا الرجل: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى». القهقرى هو الرجوع إلى الخلف، أي أنهم انتكسوا. فقال: «إنهم ارتدوا». فقوله: «إنهم ارتدوا» إما يحمل على الردة، وهو الخروج والمروق عن الدين، وذكرنا ذلك. إما أنهم أناس ارتدوا في حروب الردة، أو أنهم من المنافقين الذي خرج عن الدين والملة، أو أنهم ارتدوا بمعنى انتكسوا، بمعنى تقهقروا، بمعنى رجعوا، أي أنهم تركوا شيئا من الدين، فأصبحوا فساقا. وعصاة، أي أنهم ارتدوا بمعنى تركوا شيئا من الدين. فهنا ارتدوا يحمل على أنه الكفر الأكبر، أو يحمل على أنه دون ذلك من المعاصي والفواسق. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ثم إذا زمرة»، أي تظهر زمرة، جماعة أخرى. قال: «فذكر مثله»، أي نفس الذي صار في الأمر الأول، وللزمرة الأولى يقع للزمرة الثانية. تظهر زمرة ثانية، يعرفهم نبينا عليه الصلاة والسلام، فيأتي رجل فيما بينه وبينهم، فيناديهم: «هلم»، فيقول: «إلى أين؟» فيقول: «إلى النار»، «ما شأنهم؟ إنهم ارتدوا». فيقع هذا يتكرر هذا الموقف مع رسول الله عليه الصلاة والسلام في حواره مع هذا الرجل الملك الذي يأخذ بجماعة من أمته إلى النار. قال: «فذكر مثله». فقال عليه الصلاة والسلام: «فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم»، أي أن هؤلاء الذي أبعد عنه، أن هؤلاء سيردون النار، وإن نجى أحد منهم سينجو القليل. وشباهم نبينا بنجاة همل النعم. الهمل جمع هامل من الدواب، ومن الأنعام من الإبل. والهامل من الإبل هو الضال الذي يترك ويهمل في الصحراء. تخيل دابة تترك في الصحراء، كم نسبة النجاح في حقها ضئيلة جدا، ستمشي وتمشي وتمشي، تمر الأيام، تنتهي من أكلها ومن شربها من سقائها، حتى إذا نفذ الذي عندها ماتت. صحاري تنقطع لها الأيام شرقا وغربا، لا ماء ولا بحيرات ولا أكل ولا طعام، فغالب هذه الأنعام الذي تهمل وتترك، فإذا مصيرها الهلك. إن كان من نجاة لهذه الدواب فبالنادر قد يعثر عليه أحد، أو أنها تجد مأوى، هذا بالنادر. قال: وهكذا هؤلاء، هذه الزمرة بعد زمرة يذهب بها، فإنه ما ينجو منهم إلا القليل، إلا القليل. قال علماء: وفي ذلك إشارة إلى أن هؤلاء الذي ذهب بهم إلى النار أنهم جماعة من الكفار، ومن العصاة. وبهذا تجتمع الأقوال السابقة. فمن ذهب ودخل إلى النار، فهذا ممن كان منافقا، ممن كان يبطن الكفر، هذا يذهب إلى النار ولن يرجع. ومنهم من العصاة وقع في معصية، فلعل هذا ينجو، ينجو بمغفرة الله جل وعلا، وبشفاعة الشافعين، وبغير ذلك من الأمور التي ينجو بها العبد من غضب الله ومن ناره ومن سخطه. فالشاهد أن هؤلاء يبعد بهم، ثم ينجو منهم القليل، فيرجعون إلى جماعة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فقال: «فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم». وأنبه على لفظه هنا: ماذا قال نبينا؟ قال: «فلا أراه يخلص منهم»، الإشارة إلى من؟ الإشارة إلى هذه الزمرة التي ذهبت وأذهب بها، ما سيرجع منهم إلا القليل. لكن بعضهم يأتي برواية، وتنبه لها، تنبه لها يا أهل الإسلام، أتى بها بعض الكتاب، وهي أن النبي قال: «فلا أراه يخلص منكم إلا مثل همل النعم»، الإشارة أصبحت لمن الآن؟ «فلا أراه يخلص منكم»، أي من الصحابة. فهذه رواية يدندن بها بعض من يروي هذا الحديث، لماذا؟ لكي يصل إلى هذا الذي في قلبه من البغض والكره على أصحاب رسول الله، بأن يقول: بأن رسول الله حكم على الصحابة أن أكثرهم في النار. قال: «فلا أراه يخلص منكم إلا مثل همل النعم»، أي ما ينجو منكم من النار إلا القليل. والرأي ليست كذلك، إنما خطاب نبينا عن الزمرة التي ظهرت يوم القيامة. قال: «فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم». ففرق بين المعنيين، فتنبه لهذه الرواية. فهذا خلاصة هذا الحديث إخواني في الله، والذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى في مسألة «فضل الإسلام». ومما يستفاد من هذا الحديث مع ما ذكر من الفوائد السابقة، ولا نعيد فيها، لكن يضاف على ذلك: أننا على قول أن هؤلاء ارتدوا ردة حقيقية وخرجوا عن الدين والملة، معناه أن الردة تقع تقع في أمة الإسلام. فالردة تقع، وهذا فيه رد على من زعم أنه لا شرك ولا كفر في الأمة، هذا ليس بصحيح، بل الكفر واقع والشرك حاصل. فكل من عبد غير الله فقد أشرك وارتد. فمن اعتقد في غير الله مثل ما يعتقده في الله: بأن غير الله يضر وينفع، وأنه يغيث ويرزق، فهذا قد أشرك بالله، فقد ارتد عن سواء السبيل. وفيه كذلك: أن المسلم إذا دخل في الإسلام ومن الله عليه بهداية الإيمان، لا يرى ولا يظن أنه سيبقى على ذلك إلى النهاية، بل هي الإسلام نعمة حباه الله لك، لكن قد تسلب منك، تسلب منك كما سلبت من هؤلاء. هؤلاء ناس عرفهم نبينا من أمته، لكنهم ارتدوا، ارتدوا. وهذا معنى إخواني في الله: أن المسلم يخاف على نفسه من الكفر، ويخاف على نفسه من الردة. واجنبني وبني أن نعبد الأصنام. وعلى المعنى الثاني: أن هؤلاء من العصاة، أنهم من العصاة، وأنهم منعوا من إيراد الحوض. فلتعلم أن العصاة الذين يمنعون من الحوض ذكر العلماء أنهم على صنفين اثنين: أنهم قوم أتوا بكبائر الذنوب، أو أنهم وقعوا في البدع والأهواء. هذا الصنف هم الذين يمنعون من ورود الحوض. وعلى هذا دارت كلمة العلماء، يقول الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى: قال رحمه الله تعالى: إن أبعد الناس عن الحوض أهل الكبائر والمبتدعة، حيث قال: كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض. هذا القسم الأول، كل من أحدث في الدين، قال: فهو من المطرودين عن الحوض، كالخوارج والروافض وأصحاب الأهواء. قال: وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق والمعلنون بالكبائر. فهما صنفان: من ولغ في الكبائر، تجرى عليها، استرسل بها، جاهر بها، فهذا يمنع عن الحوض. أو أنهم قوم غيروا وبدلوا في شرع الله عز وجل، وكانوا من أهل الأهواء، فهؤلاء أيضا يمنعون من الحوض. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.