الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 349، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي قصة سحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على يد يهودي، حيث جاء جبريل عليه السلام وأخبره بمكان السحر. ثم أرسل عليًا لاستخراجه، وحُلَّ السحر وقام النبي كأنما نشط من عقال.
لم يؤثر السحر على عقيدة النبي ودعوته، وإنما أثر على بعض أفعاله. تم فك السحر بواسطة ملكين أرسلهما الله، وأصبح النبي كأنما نشط من عقال بعد فك السحر.
لا يجوز حل السحر عند الساحر، بل يحل بالرقية والتعاويذ وقراءة القرآن أو بإبطاله إذا وجد. جمهور العلماء يعتبر الساحر كافرًا ويقتل، مع وجود خلافات بين العلماء حول التفاصيل.
يعتبر الإمام أحمد أن السحر يستوجب قتل الساحر، ولم يفرق بين سحر الشياطين وسحر العقاقير في حكمه. هذا الحكم يظهر في مذهبه المشهور.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا أبو معاوية ومحمد بن خازم الضرير، قالا: حدثنا الأعمش عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: سحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل من اليهود، قال: فاشتكى لذلك أياما، قال: فجاءه جبريل عليه السلام فقال: «إن رجلًا من اليهود سحرك، عقد لك عقدًا، عقدًا، عقدًا، في بئر كذا وكذا»، فأرسل إليها من يجيء بها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليًا رضي الله عنه، فاستخرجها فجاء بها فحللها، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأنما نشط من عقال، فما ذكر لذلك اليهودي ولا رآه في وجهه قط حتى مات. قال: هذا حديث رجاله رجال الصحيح، وأخرجه النسائي، وله شواهد على ذلك. وقد اختلف فيه عن الأعمش، فرواه أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن حيان به، ورواه الثوري كما عند ابن سعد، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي عند يعقوب الفسوي، وجرير بن عبد الحميد عند الطبراني، كل هؤلاء يرويه عن الأعمش عن ثمامة عن زيد بن أرقم به. فالظاهر أن أبا معاوية يشذ فيه، وأن الراجح أنه عن الأعمش عن ثمامة، أي ثمامة بن عقيل. وتقدم أنه ثقة، عن زيد به. وثمامة بن عقيل المحلمي الكوفي ثقة، كما في تهذيب التهذيب. فالحديث صحيح، والحمد لله. فهذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سحر، وسحره رجل من اليهود، وهو لبيد بن الأعصم، كما جاء في الصحيحين. فسحره على مشط ومشاطة، أي أخذ شعرًا من شعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعقد فيه السحر، ووضعه في بئر. وكان النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الأيام لم يؤثر عليه في عقله ولا في دعوته، فلم يؤثر على كلامه في وحي الله عز وجل، وإنما أثر عليه في بعض أفعاله، كان يحسب أنه يأتي أهله وهو لم يأتيهم. أنه أثر عليه في بعض الأفعال، ولم يؤثر عليه في دعوته عليه الصلاة والسلام في أطواله. فلهذا فهذا ثابت، وقد جاءت به الأدلة خلافًا لمن أنكره. وقد ألف شيخنا مقبل رحمه الله رسالة في هذا الباب، وبين من أنكرها وأنه قد حاد عن الحق وبعد عن الصواب. بل إن النبي عليه الصلاة والسلام سحر، وقد جاءت دلائل كثيرة، ومنها هذا الحديث. وأنه سحره هذا اليهودي لبيد بن الأعصم، وفق الله عز وجل عنه السحر حتى جاءه ملكان، جلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رأسه: «ما به؟» قال: «مطبوب»، قال: «ومن طبه؟» قال: «لبيد بن الأعصم»، في مشط ومشاطة. فلما استخرجت هذا السحر، قام النبي عليه الصلاة والسلام كأنما نشط من عقال، أي ذهب ما كان يجده عليه الصلاة والسلام. والظاهر أيضًا أنه كان به تعب من هذا السحر. وفيه أيضًا أن العقد التي تعمل بواسطة الشياطين، فهم يقومون بهذه العقد، أي السحر. فإذا انحلت هذه العقد انحل السحر. إذا انحلت هذه العقد التي يعملونها في هذا السحر، معنى ذلك أنهم يأخذون أثرًا من أثر الإنسان ويعقدون عليه. فإذا حلت هذه العقد انحل هذا السحر. لكن ينبغي للمسلم أن يتبع فيه الطرق الشرعية، إما بالتعاويذ والقراءة، وإما بقراءة القرآن، وأيضًا تعاويذ الرقية، وإما أن يخرج هذا السحر. لكن لا ينبغي أن يحل هذا السحر بواسطة ساحر، فهذا لا يجوز، وهذا من النشرة التي نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنها. فعنئذ يذهب بعضهم إذا أرادوا أن يحلوا السحر يذهبون إلى ساحر، فهذا لا يجوز. فحل السحر عند الساحر لا يجوز، لكن يحل السحر إما بالرقية والتعاويذ وقراءة القرآن، أو إذا وجدوا هذا السحر أبطلوه. مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه استخرج هذا السحر من هذه البئر، ونقضه، فذهب عنه ذلك السحر الذي كان يجده. استخرجها، قال: «بعث عليًا استخرجها، فجاء بها فحلها»، أي فك هذا السحر وحله، قال: «فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأنما نشط من عقال». ثم قال: «فما ذكر لذلك اليهودي ولا رآه في وجهه قط حتى مات». وقال: «ولما قيل للنبي عليه الصلاة والسلام ألا نقتله؟ فقال: لا، لا أريد أن يكون شرًا على الناس أو كذا». فالنبي عليه الصلاة والسلام كما ذكر في هذا الحديث أنه لم ير هذا الرجل ولا رآه في وجهه قط حتى مات. فالمقصود أنه إبطال هذا السحر، المقصود هو إبطال هذا السحر. لكن هل يستفاد من هذا أن الساحر لا يقتل؟ استدل به بعض العلماء، لكن أكثر العلماء على أنه يقتل. بعضهم يقول: لأنه كافر، هذا قول جمهور العلماء، أن الساحر يعتبر كافرًا. ما يعلماني من أحد حتى يقول: «إنما نحن فتنة فلا تكفر». وفرق الإمام الشافعي رحمه الله بين سحر الشياطين وسحر العقاقير، فجعل سحر الشياطين شركًا وتكفرًا، لأنه استعان بالشياطين. وأما سحر العقاقير فغالبًا أو إذا لم يكن فيه استعانة بالشياطين فيكون فسقًا وليس كفرًا. فلهذا لا يقتل إذا لم يكن استعانة بالشياطين. هذا الذي عليه جمهور العلماء في الساحر. إلا أن كثيرًا منهم، كما قلنا عند الإمام أحمد، أنه يقتل. قال: قد جاء عن ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: جاء عن عمر، وجاء عن حفصة ابنته، وجاء كذلك عن جندب الخير، أنهم قتلوا السحرة. فلهذا عد الإمام أحمد ذلك كالإجماع، ولم يفرق في المشهور من مذهبه بين سحر الشياطين وسحر العقاقير، وإنما قال: يقتل الساحر. والله تعالى أعلم.