الدرس في آداب المصافحة والمعانقة 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن آداب المعانقة وحكمها في الإسلام، ويشرح معنى المعانقة وضوابطها. تناول آراء العلماء المختلفة حول حكمها، حيث كرهها البعض بينما أجازها آخرون مستدلين بحديث نبوي.
يتناول حكم المعانقة عند اللقاء، حيث أجازها العلماء عند القدوم من سفر مستدلين بأحاديث نبوية. بينما لا تجوز جعلها بدلًا عن المصافحة في كل لقاء، وهناك خلاف حول جوازها عند التوديع.
يشرح ضوابط المعانقة عند القدوم من السفر أو التوديع له، مشيرًا إلى اشتراط أن تكون بين نفس الجنس وأمن الفتنة، وألا تكون إلا بعد المصافحة والسلام. كما يُحذر من المعانقة دون مصافحة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في هذا اليوم، إخواني في الله، وما سيأتي من أيام، سأتحدث إليكم حول المسائل المتعلقة بالمعانقة، وهذا الباب يناسب ذكره في هذا المقام، خاصة أننا قد تكلمنا عن آداب السلام وما يتعلق بأداب التحية، ثم كان الحديث عن آداب المصافحة، والوقت يناسب في هذه الأوقات أن نتكلم عن آداب المعانقة، إذ أنها نوع من أنواع التحية، ولازالت الشعوب والأمم تستخدم هذا الأسلوب كمظهر من مظاهر الترحيب والتشويق واللقاء واللقي. مسائل المعانقة كثيرة، ويهمنا في هذا الباب، كما اعتدنا، ذكر النظر في أهم المسائل التي يحتاجها المرء في هذه الآداب. ومن أعظم ما يتعلق بآداب المعانقة ما هو الضابط، كيف تكون المعانقة؟ قال العلماء: المعانقة مفاعلة من الاعتناق، وهي هيئة يكون فيها استخدام العنق. ولها صور، فمن أهل العلم من صور المعانقة وجعل ضابطها، قاله: أن تجعل اليدين على عنق الآخر وتضمه إلى نفسك. هذه صورة وهيئة من هيئات المعانقة يستخدمها بعض الناس. وضابط آخر، كما قال العلماء، هو أن يكون عنق أحدهم على عاتق الآخر، أن تكون عنقه على عاتق الآخر الذي يقابله والذي يعانقه، جعل العنق على العاتق، كل يفعل ذلك مع زميله، إن تم ذلك فتمت المعانقة، وهذا كذلك من الهيئات التي اعتاد عليها الناس. لكن هناك هيئة لربما الناس يحسبونها من المعانقة وليست من هذا الباب، وهي استخدام الخد، بمعنى وضع الخد على الخد، يلتقي بعض الناس فيتصافحون، ثم كل يضع خده على خد صاحبه، أي بالجنب، هل هذه معانقة؟ لا، هذه ليست معانقة، بل كما قال بعض العلماء: إن صح نسميها مخاددة، هذه مخاددة، أي وضع الخد على الخد، وليست معانقة، لأن العنق معانقة هي وضع العنق على العنق، فهذا هو الضابط، أخواني في الله، أن نفهم معنى المعانقة. إذا علمنا هذا الضابط، بقي ما حكم المعانقة؟ هذه مسألة، إخواني في الله، حتى نكون على بصيرة من أمرنا، وقع فيها الخلاف. فمن أهل العلم من كره المعانقة، ولا يراها أبدًا أسلوبًا من أساليب التحية واللقاء، بل ينبذها ويكرهها، ولا يراها دينًا ولا شرعًا، وهذا نقل عن جماعة من العلماء، بل حتى أن منهم من صرح بالبدعية، كما أثر ذلك عن إمام مالك رحمه الله تعالى، وثبت ذلك عنه. وجماعة من أهل العلم من اكتفى بالكراهة، كما نقل ذلك عن ابن سيرين وعن أبي حنيفة وعن جماعة من الفقهاء. ومن أهل العلم من فصل في ذلك، ومن أهل العلم من أجازها مطلقًا. ويهمنا بهذا الباب أن نعلم الذي كره المعانقة كرهًا لبعض الأمور، ومنها استدل بحديث رواه الترمذي في سننه، وحسنه جماعة من العلماء، وهو صحيح، وهو ما ثبت من حديث أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه، أينحني له؟ قال: لا، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قال: أفيلتزمه؟ قال: أخذ بيده ويصافحه، قال: نعم. فشاهد في هذا الحديث أن هذا الرجل ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحايا من التحايا، ذكر الإنحناء فنهى، ذكر الالتزام وهو الاعتناق فنهى، فذكر المصافحة فأقره، فاستدل هؤلاء الجماعة من أهل العلم إلى أن المعانقة مما لا ينبغي أن يستخدمها المسلم لهذا الحديث، وذكروا عدة أمور، ليس هذا المقام مقام سردها وذكرها. والصحيح في هذه المسألة، إخواني في الله، ما ذهب إليه جمهور العلماء، وهو جواز المعانقة، وأنها تجوز، لكن بشروط، أهم شرط هذا الذي يهمنا أن يكون هذا عند السفر، بمعنى إذا قدم عليك مسافر أو أنت قابلت مسافرًا، فلك أن تصافحه وأن تعانقه في هذه الحالة، لكذلك، وهذا الذي ذهب إليه جمهور العلماء. وأهل العلم الذين ذهبوا إلى هذا استدلوا ببعض الأحاديث الثابتة عن رسول الله، هناك أحاديث عامة وأحاديث خاصة. أما الأحاديث العامة، فمنها ما جاء عن الشعب مرسل، وثبت موصولًا من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وهذا الأثر عن أنس ثبت صحته، كما ذكر ذلك شيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة، وهكذا صححه الهيثمي رحمه الله تعالى، حيث قال: رجاله رجال الصحيح. وفيه قال أنس: «إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا التقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا»، كانوا إذا التقوا تصافحوا عند اللقي المصافحة، قال: «وإذا قدموا من سفر تعانقوا»، فهذا هو الشاهد، فالشاهد أن المعانقة ثابتة، فليست مكروهة، لكن محلها عند القدوم من سفر. وأيضًا هذا المعنى، كذلك الأدلة الخاصة، فقد ثبت من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: أنه عندما لقي عبد الله بن أُنيْس رضي الله تعالى عنه فالتقى في مكان سفر، قال جابر: «فخرج فاعتنقني»، فهذا وارد. وهذا الحديث رواه البخاري في الأدب المفرد. وكذلك ما ثبت من حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لقي جعفر عندما قدم من الحبشة، لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقه. فهذا كله يدل، أخواني في الله، على أن المعانقة جائزة، لكن عند القدوم من سفر، وهذا لله الحمد الذي يمشي عليه أكثر الناس، على أن إن لقى أحد جاء من سفر صافحه وأخذه وضمه إلى نفسه فاعتنقه. أما الحديث الذي قد مضى، وهو من ذهب إلى كراهة المعانقة، في عندما قيل: يا رسول الله، الرجل يلقى أخاه، أينحني له؟ قال: لا، قال: فيلتزمه؟ قال: لا، هذا على ماذا يحمل؟ هذا يحمل على الذي جعله تحية، تحية، وهذا يوجد عند بعض أهل العشائر في بعض المجتمعات، أن الرجل إذا قام ولقي صاحبه سرعان ما يحتضنه، على كل لقاء، على كل لقاء، جعل المعانقة بدلًا عن المصافحة، فهذا لا يجوز، هنا نعم نقول: هذا لا ينبغي، أنك تجعل المعانقة بدلًا عن المصافحة، دلالة على الشوق والمحبة للغير، هذا لا يجوز، وإنما صافح، يا عبد الله، واجعل المعانقة في بابها، وهذا إذا قدم من سفر. وسيأتي معنا بعض المناسبات أجازها العلماء، أجاز فيها العلماء المعانقة، لكن الأصل أن تجعلها للقدوم من سفر، هذا لك أن تعانقه، كما ثبت ذلك من الأدلة الشرعية، في أن النبي والصحابة كانوا إذا قدموا من سفر تعانقوا. بقي مسألة قريبة من هذا الباب، طيب لو أن الأمر عكس، وهو أن عندك صاحب لك، جار لك، قريب لك، أراد أن يسافر، ليس قدم من سفر، بل أراد أن يسافر، وأنت الآن في مقام توديع، في مقام توديعه، هل لك أن تعانقه كذلك لشدة ألم الفراق؟ هذه مسألة فيها خلاف. والصحيح، والله تعالى أعلم، أنه كذلك يجوز المعانقة، يجوز المعانقة، كما ذهب إلى ذلك جماعة من العلماء، قالوا: لأن العلة في القدوم وفي الذهاب والوداع هو الفراق. ولهذا قال إمام البغوي رحمه الله تعالى في شرح السنة: «فأما المأذون فيه، أي في باب المعانقة، فعند التوديع وعند القدوم من السفر»، فأما المأذون فيه فعند التوديع وعند القدوم من السفر، فيدل على هذا القول: الأصل أنك إذا جاء المسافر لك أن تعتنقه، لكن إذا أراد أن يسافر، هل لك؟ نقول: إن شاء الله لا بأس بأنك تعتنقه، لماذا؟ لوجود الفراق. وهذا الذي كما قلنا ذهب إليه جماعة من أهل العلم. هناك ضابط آخر كذلك لمشروعية المعانقة، وهذا أمر مهم، وهو مع شرطية أن يكون في حال السفر، الثاني: أن يكون كل جنس مع جنسه، كل جنس مع جنسه، فالرجل يعانق الرجل، كما مر: قدم صاحبك من سفر، قريب، ابن عم، جار، تحيي، حياك الله، كيف الحال؟ تعانق، ليس فيه ذلك حرج، بل هذا مشروع، يكون رجل مع رجل. ويكون كذلك رجل مع صغير، يجوز هذا، أن الكبير يحتضن الصغير، لا بأس بذلك، قد ثبت في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بنته فاطمة، فقال: «أثم لكع؟ أثم لكع؟» لكع وهو الصغير، يريد أحد أحفاده، الحسن أو الحسين، «أثم لكع؟» وهذا هو موجود، فخرج إليه فاعتنقه واحتضنه عليه الصلاة والسلام، فدل كذلك على أن الكبير له أن يحتضن الصغير. وقال العلماء: وهذا إذا أمنت الفتنة، إذا أمنت الفتنة، فإن كان معانقة الكبير لصغير، وهذا الصغير أمرد، فقد صرح الإمام النووي رحمه الله تعالى: أن الحكم يكون محرمًا. ومن أراد أن يعانق الصغير، ليس فقط تحية، وإنما تلذذ، وإنما تلذذ، فهذا محرم، كما صرح بذلك الإمام النووي. فالشاهد أن الرجل يعانق الرجل، والمرأة تعانق المرأة، فهل يمكن أن الرجل يعانق امرأة؟ الجواب: نعم، في حالة واحدة، وهي لذوات المحارم، لذوات المحارم يجوز أن المرأة تحتضن الرجل، إما مثاله: مثل امرأة جاء أبوها من سفر، فاعتنقت أباها، لطول الفراق، لها ذلك، ليس في ذلك حرج. أو أن أخ ينتظر أخته تأتي من سفر، فلما أنقابلها من شوقه لأخته قبلها، وقال: احتضنها وضمها إلى نفسه، هل في ذلك حرج؟ ليس في ذلك حرج، فيجوز لذوات المحارم أن يتعانق الرجال مع النساء، مع ضابط أمن الفتنة، وهذا إن وجد، وإلا الأصل أن هذا نادر وشاذ، لكن إن وجدت معالمه فلا يجوز. فالأصل للأخت أو البنت أنها تحتضن وتعانق من كان من قاربها، كأبيها أو أخيها أو ابنها، فكل ذلك يجوز، هذا إخواني في الله ما يتعلق بهذه المسألة. وننبه على فائدة نبه عليها العلماء في أدب المعانقة، وستأتي لنا مسائل متعلقة بهذا الفصل: أن المعانقة تأتي بعد مسألة، وهي قال علماء: لا تكون المعانقة إلا بعد المصافحة، ولا تكون المصافحة إلا بعد السلام، فعندك ثلاثة هيئات ينبغي أنك تراعي الأولوية فيها، أولًا: سلم، السلام عليكم وعليكم السلام، مد اليد، صافح، بعد المصافحة قم، يا عبد الله، بالمعانقة، واضح هذا المسأل، هذا ينبه عليها جماعة من العلماء، على أنك تراعي الأولوية على ما جاءت به النصوص. فأنت، يا عبد الله، ذهبت إلى مكان مسافر إلى المطار أو إلى ما يكون كمحل المطار، تستقبل الضيوف والزوار وممن قدم من سفر، أولًا: ألقي عليه التحية، أو أن هو الذي يلقي عليك التحية، السلام عليكم وعليكم السلام، هيا مرحبًا، صافح، يا عبد الله، ثم احتضن. أما ما يفعله بعض الناس، أنه يترك المصافحة ويهجم بالمعانقة، قال جماعة من أهل العلم: هذا خلاف السنة، هذا خلاف السنة، هذا ما يذكر، إخواني في الله، في هذا المسألة، وستأتي لنا بعض المسائل المتعلقة بالمعانقة، في إشارة إلى بعض الأماكن أو بعض الأزمان التي أجاز فيها العلماء كذلك المعانقة، لوجود ماذا؟ علة الفراق. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.