آداب المصافحة والمعانقة 6

آداب المصافحة والمعانقة 6

الدرس في آداب المصافحة والمعانقة 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الأوقات المحددة للمعانقة

تطرق الخطيب إلى الأوقات التي تشرع فيها المعانقة مثل القدوم من السفر والوداع، مستندًا إلى آراء العلماء وأقوالهم. واستدل بأثر أنس رضي الله عنه وآراء الإمام البغوي وشيخ الإسلام ابن عثيمين.

حكم المعانقة بعد طول غياب

ناقش المقطع آراء أهل العلم حول جواز المعانقة عند اللقاء بعد طول غياب، واستدل بقياس الغائب على المسافر وبحديث أبي الهيثم الأنصاري. وأوضح أن المعانقة لا تشرع في كل لقاء.

ضوابط وتفاصيل المعانقة

تناول المقطع ضوابط المعانقة في الإسلام، موضحًا أنها تكون في مناسبات محددة وتتبع المصافحة وتكون بين قائمين. وأوضح أن المعانقة لا تكون إلا بالقيام.

ختام الخطبة والدعاء

تضمن المقطع الختامي الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، كان كلامنا وحديثنا في درس أمس، إخواني في الله، عما يتعلق بمسائل وآداب المعانقة، إذ أنها أصبحت من أساليب التحية عند اللقاء. فكان مما يناسب ذكره بعد ختمنا لمبحث السلام، وبعد ذلك المصافحة، فناسب أن نذكر مسائل المعانقة. وكان من أهم مسائل ما ذكر، إخواني في الله، ما يتعلق بالضابط، ما هو ضابط المعانقة؟ وذكرنا الصور التي ذكرها العلماء، وهي تدل على اختلاف الأعناق فيما بينها. وأشرنا إلى مسألة تكثر في هذه الأزمان وفي هذه الأوقات، ما يكون من إلصاق الخد بالخد، هل هذا من المعانقة أم لا؟ جماعة من أهل العلم لم يعدها من المعانقة، بل قالوا: لا، هي أصح تسمى بالمخاددة، وضع الخد على الخد. إلا أن جماعة من أهل العلم يرى أن المعانقة أعم وأشمل من المصطلح الذي وضعت له. فمن أهل العلم من يرى أن المعانقة هو مصطلح شرعي، لكن لم تأت الكيفية عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في أدائها. ولهذا أرجع جماعة من العلماء إلى أن كيفيات المعانقة يرجع بها إلى العرف وإلى ما اعتاد عليه الناس. وأن كل ما كان فيه من التقارب بين الأجساد، بل التصاق الجسد بالجسد على وجه التحية والإكرام والمودة، فهذا يعد معانقة، وإن لم تكن فيه اختلاف الأعناق. فلهذا أدخل المخاددة في حكم المعانقة. ومن أهل العلم لا يشترط في المعانقة أن عنق كل واحد يختلف مع الآخر. ثم أشرنا إلى مبحث مهم، وهو حكم المعانقة. وذكرنا أن من أهل العلم من كره المعانقة، وذلك لأدلة وقفوا عليها. وإلا أن أكثر العلماء يرون مشروعية المعانقة، وذكروا الأدلة الخاصة والعامة في هذا الباب. وقد مر ذلك معنا، وصحيح أن المعانقة تجوز كما قلنا بشروط. الشرط الأول أن تكون للقادم من مسافر، فمن قدم من سفر فيشرع في حقه وحق من لقيه أن يعانقه. وقد جاءت الأدلة عن ذلك عن رسول الله وعن صحبه الكرام. وأيضًا أن تكون وفق الشروط الشرعية. وأشرنا إلى مسألة معانقة الرجال للرجال، ومعانقة النساء للنساء، ومعانقة الرجال للنساء، وفصلنا في كل مسألة من مسائل الباب. هنا نأتي إلى مسألة كذلك، وهي مما تتعلق بهذا الباب، وهي تعد ترتيبًا لما سبق، وأيضًا إضاحًا لما مر، ما هي الأوقات التي تشرع فيها المعانقة؟ ذكرنا في درس أمس موقفًا من هذه المواقف، والذي اتفق جماهير العلماء عليها، وذلك عند القدوم من السفر. هذه مسألة اتفق عليها العلماء ممن يرون مشروعية المعانقة، واستدل بأثر أنس رضي الله تعالى عنه: «أن أصحاب رسول الله كانوا إذا التقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا». وهذا أمر لا إشكال فيه. وكذلك أضاف العلماء موقفًا آخر، وهو عند الوداع وعند التوديع. الأولى إذا قدم المسافر، الثانية إذا ودعت مسافرًا، هل لك أن تعانقه؟ نعم، أكثر العلماء على جواز ذلك. وقد مر في ذلك ما ذكره الإمام البغوي رحمه الله تعالى، وهكذا قال شيخ الإسلام ابن عثيمين رحمه الله تعالى في هذه المسألة. قال: وقد اعتاد الناس اليوم أنهم يتعانقون عند اللقاء بعد الأسفار، ويتعانقون أيضًا عند الوداع. فهي من الأمور التي تكون حسب العادة. فشيخ الإسلام ابن عثيمين رحمه الله تعالى سار على ما سار عليه العلماء. فأنت يا عبد الله لك أن تعانق من قدم من سفر، أو لك أن تعانق من أراد أن يسافر. هناك موقف ثالث، وهو مما ذهب إليه جماعة من أهل العلم، وهو إذا كان لك غائب ليس بمسافر، رجل غاب عنك، قد يكون من أهل بلدك أو قريبًا منك، وليس معدودًا من المسافرين، هل لك أن تعانقه بعد طول عهد؟ لك أخ تعرفه غاب عنك، فالتقيت به بعد أمد، بعد فترة، فوجدته، هل لك أن تعانقه شوقًا لهذا الصديق الذي جمعك به الشمل، وهو ليس بمسافر، وليس على وداع؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز المعانقة، أنه لا بأس في هذا الموطن أن يقع فيه المعانقة، وهو طول العهد. ولهذا قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى في شرح السنة: «فأما المأذون فيه - أي في المعانقة - فعند التوديع، وقد مضى، وعند القدوم من السفر، وهذا قد مضى، قال: وطول العهد بالصاحب، وشدة الحب في الله». أحيانًا تشتغل عن أخ فاضل كنت إياه في طلب العلم، وهو في قرية قريبة منك، أو في ناحية البلد. أحيانًا البلاد تتسع، فيكون في طرف وأنت في طرف، ما تلتقيان إلا بعد فترة، فلتقي به، فمن شدة الشوق أن تعانقه كأنه قدم من سفر، هذا جاز. جماعة من أهل العلم ذهبوا إلى التعانق في هذه الصورة، لهم مسلكان: إما القياس، وإما النص. أما القياس، قالوا: قياس هذا الغائب قسناه بالمسافر، لأن الكل له علة الفراق. فالمسافر أنت لماذا تعانقه بعد سفره؟ لأنه قد طال الفراق وطال البعد. فتعانقه إظهارًا لإكرامه. قال: وهذا الغائب لك أخ، لربما في طرف البلاد، فجاءك بعد فراق، فأنت من شدة محبتك له عانقته. قالوا: هذا من باب القياس، ويسمى بالقياس الجلي. وجه آخر، من أهل العلم من ذهب إلى استحباب المعانقة ومشروعيتها في هذا الباب للنص. وممن ذهب إلى ذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى. الألباني يرى هذا، ويرى أن هذا الموطن الثالث نعم موطن مشروع. ويجوز للحاضر أن يعانق الحاضر، لكن بطول العهد. واستدل الشيخ الألباني رحمه الله تعالى بما جاء في السنن من حديث أبي الهيثم الأنصاري: «أن نبينا صلى الله عليه وسلم دخل عليه ومعه الصديق ومعه عمر الفاروق رضي الله تعالى عنهم، فلما دخلوا على أبي الهيثم، فجاء أبو الهيثم ورأى رسول الله أمامه، قال: فالتزم رسول الله وضمه إليه». فهذا ليس بسفر، وليس وداع من السفر، لكن من شدة الحب لرسول الله، ولطول الغيبة والعهد به، لأن استقبله في بيته، رحب به، فالتزمه. فاستفاد من هذا المسألة الشيخ الألباني، وصرح بنفسه أنه كان يتحرج من المعانقة للحاضر، قال: لكن بعد هذا الدليل يرى أنه لا بأس أن تعانق أخًا لك إن طال به العهد. فلهذا لا تستغرب أحيانًا تجد من إخوانك تقام محاضرة، فيأتيك أخ من طرف البلاد، وما اجتمعتم قبل، فيلتقي ويتعانقان، لا تذمهم، بل هذا له وجه عند أهل العلم، وهو الموطن الثالث، وهو عند بعد العهد. هذه مسألة. كذلك بالمقابل، هناك أماكن لا يشرع فيها المعانقة. من هذه الأماكن، إخواني في الله، عند اللقاء، أو قل عند كل لقاء، هذا الباب لا يشرع فيه المعانقة. وهذا قد وجد في بعض المجتمعات أن الواحد منهم أصبحت التحية عنده المعانقة. وقد مر معنا في درس أمس حديث أنس رضي الله تعالى عنه، عندما أخبر وسئل نبينا صلى الله عليه وسلم: «أن الرجل يلقى أخاه ويلقى صديقه، أي يلتزمه؟ قال: لا». أي في كل اللقاء تلتزم، قال: لا. ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ويحمل أنه على فعلها دائمًا، أنك دائمًا كلما التقيت به بالحضن، هذا ليس من المشروع». بل هذا إن صح حديث أنس، والمر في هذا الباب، فالنبي قال: لا، لا تفعل هذا عند كل لقاء. كذلك من الأماكن التي لم يحبذها العلماء أن تكون فيها المعانقة عند التعزية. وهذا كذلك قد وقع ويقع في بعض الأنحاء، أن الناس عند التعزية إذا رأى أحد صديقه أو قريبه، فأصبح يتعاهد الناس هذه التحية يعزي، فماذا فيضمه إليه ويلتزمه؟ وهذه مسألة كما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: «قال: لم أجد لها أصلًا». قال: لا أعلم أصلًا عن السلف فيما يصنعه الناس أخيرًا من المعانقة عند التعزية. فيرى أن هذا مما لم يثبت عن السلف. وهكذا مسألة عند الأعياد، وهذه مسألة فيها محل نظر عند أهل العلم، وذلك أن الناس أحيانًا تجدون في الأعياد بعد صلاتي العيد والفطر في المصلى خاصة، أو في البيوت أحيانًا، أو التقوا في أيام الأعياد، يتعانق بعضهم بعضًا لفرحة العيد، هل هذا يشرع أو لا يشرع؟ من أهل العلم من أجاز هذا، قالوا: إن هذا يجرى فيه مجرى العرف والعادة. فإن اعتاد الناس، وإن تعارف الناس فيما بينهم أن هذا مما اعتادته أهل البلد على أن يتحايون فيما بينهم بالمحاضنة، بالمعانقة لهذه المناسبة، فهذا لا بأس به. ومن أهل العلم من توقف في هذه المسألة. فهذه مسائل، يا إخواني في الله، حول ما يشرع وما لا يشرع فيه المعانقة. ونبهنا على مسائل سريعة متعلقة بهذا الباب، منها أولًا: أن أي تحية تكون على حساب المصافحة، فإنها تحية مذمومة. لهذا نجد أن بعض الناس لربما من يتعانق، نعم، ولو كان معانقة شرعية، مثل عند قدوم السفر أو عند الوداع، يحضنه، لا أين المصافحة؟ ابدأ من المصافحة. ولهذا العلماء رتبوا عمليات ثلاث ينبغي أن يراعى فيها الترتيب عند اللقاء. أولها السلام بالنطق، ثم المصافحة باليد، ثم المعانقة بالضم. هكذا الدوولوية. أم أنك تخل بهذا الترتيب، إما أنك تحذف المصافحة جملة وتفصيلًا، هذا خطأ، أو أنك تجعل المصافحة بعد المعانقة، فهذا كذلك خطأ. نبه عليه العلماء، فأنت عندك تودع مسافرًا، أو أنك تستقبل مسافرًا، أول ما تبدأ بالتحية: السلام عليكم، مد اليد، ثم عانق. هذه مسألة ينبغي أن تراعى. ومسألة أخرى نبه عليها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، حيث قال: «والمعانقة لا تكون إلا بالقيام». والمعانقة لا تكون إلا بالقيام. ولهذا يكره جماعة من العلماء مسألة أن يكون هناك شخص جالس وأنت قائم، ثم تنزل إليه تعانقه، لأن سيكون هذا الوجه فيه نوع انحناء، فيه نوع انحناء. ولهذا الأسلم، يا عبد الله، أن لا يكون هناك قعود، وإما قيام، وإما مصافحة من دون معانقة، حتى لا تقع في هذه الصورة، وهي أن تكون هناك انحناء لجالس تنحني وأنت ما أردت الانحناء. وسيأتي معنا إن شاء الله في دروس قادمة ما يأتي من أحوال الناس عند اللقاء. وستأتي مسألة الانحناء، لكن يهمنا في هذا الباب المعانقة، أنك احرص، عبد الله، أن تكون المعانقة كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «والمعانقة لا تكون إلا بالقيام». رجل قائم مع قائم، فهما يتعانقان. فهذا، إخواني في الله، مسائل سريعة متعلقة بهذا الباب. وإن شاء الله في درس غد سندخل في باب آخر من أبواب التحية، وهي مسألة التقبيل، مسألة التقبيل، وهي مسائل كذلك طويلة، ما يتعلق بتقبيل اليد، من تقبيل الرأس، بتقبيل الجبهة، ونحو ذلك من مسائل الباب، وهي تتعلق كذلك بأنواع المصافحة والتحية والمعانقة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.