الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 3، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع تعريف الإمام أحمد للسنة بأنها آثار النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً وتقريراً، ويؤكد أنها مفسرة للقرآن وحجة في جميع أبواب الدين. كما يبين الفرق الجوهري بين موقف أهل السنة المتمسكين بها وأهل الأهواء المعرضين عنها.
يقرر النص أن السنة تبين مجمل القرآن وتوضحه، وأنها وحي من الله كالكتاب فيجب الأخذ بها وطاعة الرسول. ويرد على أهل الأهواء والبدع الذين ينكرون حجيتها بدعوى الظن أو يعارضونها بالقياس مستدلاً بأقوال السلف وآيات الاتباع.
يبيّن المقطع أن منهج أهل السنة يقوم على التسليم المطلق للسنة النبوية دون عرضها على العقول أو الأهواء. ويوضح ضلال الطوائف المنحرفة كالمعتزلة والأشاعرة بتقديم آرائهم على النصوص، بينما يخضع أهل السنة انقياداً لحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.
يختم المتحدث بالتأكيد على أن أهل الأهواء خالفوا أصل اتباع السنة فردوها بالحيل والآراء الفاسدة. ثم يدعو الله بالثبات على الهداية والسلامة من الفتن ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم ومبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في أصول السنة للإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وغفر له، وهو من الأئمة الذين قيل عنهم: أضحى بن حنبل محنة مأمونة، وبحب أحمد يعرف المتنسك. فالإمام أحمد له موقف عظيم في محنة خلق القرآن، فصار إمام أهل السنة، فلا يوجد سني قديماً ولا حديثاً إلا ويأخذ عن هذا الإمام ما قرره عن سلف الأمة، ومنها هذه الرسالة العظيمة. قال رحمه الله تعالى: «والسنة عندنا آثار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والسنة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن، وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هو الاتباع وترك الهوى». هذه مقدمة في بيان منزلة السنة، لأن طوائف أهل الأهواء ردوا سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأعذار مختلفة، فانحرفوا في موقفهم من السنة. أهل البدع والأهواء من نقاط الانحراف عندهم الموقف من السنة النبوية، أما أهل السنة والجماعة فإنهم عظموا السنة وجعلوها مصدراً من مصادر التشريع، فهي حجة عندهم في باب العقائد، حجة عندهم في باب السلوكيات، حجة عندهم في باب الأعمال، في باب العبادات، في باب الفقه، في جميع أبواب الدين. يقول المصنف الإمام أحمد رحمه الله: «والسنة عندنا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم». المراد بآثار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يشمل أقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالسنة تشمل جميع آثار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قولاً أو فعلاً أو تقريراً. مثال القول: قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، هذا مثال للسنة القولية. والسنة الفعلية: كالسجود للتلاوة، ثبت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سجد في أربعة مواضع من القرآن: في سورة ص، وسورة الانشقاق، وسورة العلق، وسورة النجم، أربعة مواضع، هذه سنة فعلية. والسنة التقريرية: ما أقره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أقوال الصحابة وأفعالهم وقت نزول التشريع، فهذه حجة أيضاً، كقول جابر رضي الله عنه: «كنا نعزل والقرآن ينزل»، يعني: ولو كان ذلك منكراً لأخبر الله نبيه فنهى عن عزلنا عن نسائنا، أي يجامع ولا ينزل في المرأة، هذا المعنى. «والسنة عندنا آثار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والسنة تفسر القرآن». فالسنة حجة مع القرآن، وهي مفسرة للقرآن، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبين للناس معاني القرآن ويفسر القرآن للناس بياناً وافياً. فكل مجمل في القرآن فإن السنة تبينه وتوضحه، من ذلك مثلاً: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فيه إجمال، بينته السنة في صفة الصلاة، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فيه إجمال، بينته السنة، فالسنة حجة مع القرآن. هذا الذي يريد أن يقوله الإمام أحمد، أما أهل الأهواء والبدع فإنهم يردون السنة ولا يعظمونها، يردون السنة ولا يعظمونها، ويجعلون الحجة في القرآن. وقد ثبت عن أمير المؤمنين عمر مرفوعاً: «يوشك رجل أن يجلس على أريكته فيقول: ما جاءنا من كتاب الله أخذنا به، وما سوى ذلك تركناه»، يعني السنة، وهذا ضلال عن سواء السبيل. يوشك: يقرب، وقد وقع ذلك، وناس كثير كانوا يردون السنة، يسمون المعتزلة والجهمية، ويسمون العقلانيين، وما هم من العقل في شيء. فعندهم السنة ظنية، عندهم السنة ظنية مردودة، لا تأخذ إلا إذا وافقها العقل، وهذا ضلال عن سواء السبيل. فالإمام أحمد يبين منزلة السنة عند أهل السنة، وأنهم يعظمون السنة، ولهذا نقول: الكتاب والسنة، هذا الحجة على الناس، الكتاب والسنة. «قال: وهي دلائل القرآن»، يعني أدلة القرآن الموضحة لما في القرآن من إجمال، فهي توضح القرآن وتبين المقصود التفصيلي لكثير من الأحكام الشرعية، ما هو المقصود من كثير من الأحكام، بيانه في القرآن. هذا موقف أهل السنة والجماعة، خلافاً لأهل الأهواء والبدع، وللأسف هذا هو الذي أمر الله به ولا يعمل به إلا أهل السنة والجماعة. قال جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، فأمر بطاعته، وقال عز وجل: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، فهو وحي كالقرآن، فالقرآن وحي والسنة وحي، فهما من وحي الله عز وجل، فكيف يردهما عاقل أو يشك في السنة عاقل ويردها؟ هذا منهج أهل البدع والأهواء. وهكذا كل مسلم بلغته السنة، يقول الإمام الشافعي: «أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس كائناً من كان». قال رحمه الله: «وليس في السنة قياس». المراد بالقياس: القياس الذي ترد به السنة، المراد بالقياس: القياس الذي ترد به السنة، وهو المعارض للدليل، ولهذا يقول الأصوليون المحققون: «كل قياس عارض نصاً فهو ملغي الاعتبار، كل قياس عارض نصاً فهو ملغي الاعتبار». «ولا تضرب لها الأمثال»، يعني من أجل ردها تضرب لها الأمثال من أجل ردها. ذكرنا قبل أيام حديث الرجل الذي جاء إلى ابن عمر أو أبي هريرة، والحديث في الترمذي، فقال ابن عمر: «إني رأيت رسول الله»، وقد سئل عن تقبيل الحجر، قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله»، قال الرجل: «أرأيت إن زوحمت؟ أرأيت أم منعت؟» فقال الصحابي: «دع أرأيت باليمن»، عند الترمذي: «إن السنة لا تضرب لها الأمثال». لا تضرب للسنة الأمثال بقصد إضعاف العمل بها: «أرأيت لو كان كذا؟ أرأيت لو كان كذا؟» المؤدى النهائي لهذه الأسئلة: ألا تعمل بالسنة، ولا تمتثل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وتتركها. قال: «ولا تضرب لها الأمثال، وإنما الواجب التسليم». قال: «ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء»، العقول والأهواء النص حاكم عليها، فالقرآن مهيمن حاكم، وكذلك السنة مهيمنة وحاكمة. ومن جعل القرآن والسنة محكومين فإنه خالف طريقة أهل السنة والجماعة. القرآن والسنة حاكم على الأهواء والعقول والآراء والأقوال والأعمال والأفعال والعقائد، الحاكم عليها كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، ﴿وَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال رحمه الله: «إنما هو الاتباع وترك الهوى». هذه طريقة أهل السنة والجماعة، يتبعون كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾، يتبعون، يتبعون، فهم متبعون. فكل من أخذ أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله حجة، ما أخذ التسليم، فإنه من المتبعين الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، الآية. فهذا سبيل أهل السنة والجماعة. ضلت في هذا الباب طوائف، منهم الخوارج، فالخوارج أخذوا نصوص القرآن وتركوا السنة، تجدهم أحاديث طاعة ولاة الأمر لا يعملون بها، كل الخوارج في كل زمان أحاديث طاعة ولاة الأمر والصبر على أئمة الجور لا يعملون به، يأخذون بالمتشابه من القرآن بنصوص الوعيد، كما قال ابن القيم: «ولهم نصوص قصروا في فهمها فأتوا من التقصير في العرفان». وهكذا الأشاعرة لا يأخذون بأحاديث الصفات الثابتة في الصحيحين إلا سبع صفات دل عليها العقل، وليس لأجل أن السنة دلت عليها أو دل عليها القرآن. والمعتزلة أشد في هذا الباب، والجهمية أشد، الجميع في هذا الباب. ولهذا كان أهل السنة معظِّمين للسنة، إذا أردت أن تعرف من هم أهل السنة فهم الذين يعظمون السنة ويتبعونها ويأتسون بها ولا يردونها لرأي أو لهوى أو لمذهب أو لفكرة، يعظمون السنة ويعملون بها ويقدمونها على كل رأي، فإذا سمعوا أحاديث الرسول خضعوا لها وانقادوا واستسلموا لها، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. هذا موقف أهل السنة والجماعة. أهل الأهواء والبدع فارقوهم في هذا الأصل، فصاروا يردون السنة بالحيل وبالأهواء وبالآراء. لا زلنا في هذه الرسالة العظيمة التي تبين منهج أهل السنة والجماعة ومنهج غيرهم. هذا، ونسأل الله جل جلاله أن يعصمنا بهداه، وأن يجنبنا الفتن والأهواء ومضلات الأمور، وأن يختم لنا بالحسنى جميعاً، إنه جواد كريم. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكراً.