شرح كتاب التوحيد 76

الدرس في شرح كتاب التوحيد 76، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

حكم الاستهزاء بالله وآياته ورسوله ودينه

يبيّن هذا المحور أن الاستهزاء بالله أو آياته أو رسوله أو دينه كفر أكبر مخرج من الملة بإجماع المسلمين، ويكفي فيه قصد التلفظ دون اشتراط قصد السخرية. ويُستثنى من فقد القصد بالكلية كنائم أو مجنون أو مكره أو من سبق لسانه لعارض أذهب عقله، مستدلاً بآيات سورة التوبة.

حكم السب الصريح وغير الصريح وقصة المستهزئين في غزوة تبوك

يفصّل المحور حكم السب الصريح للذات الإلهية أو الرسول أو الدين بأنه كفر أكبر لا يعذر فاعله، بينما السب غير الصريح يكون خفياً كمد اليد أو الاستهزاء بالسنة. ويستعرض قصة المنافقين في غزوة تبوك الذين استهزأوا بالصحابة فحكم الله بكفرهم بعد إيمانهم رغم اعتذارهم باللعب والخوض.

وجوب إنكار المنكر وحكم من استهزأ بالرسول صلى الله عليه وسلم

يشدد المحور على وجوب المبادرة بإنكار المنكر وعدم التهاون فيه مستشهداً بموقف عوف بن مالك. ويوضح الفرق في الحكم: من استهزأ بالله أو آياته فله التوبة، أما من استهزأ بالرسول صلى الله عليه وسلم فيقتل وإن تاب؛ لأن حقوق الخلق مبنية على المشاححة بخلاف حقوق الله المبنية على المسامحة.

ختام الجلسة وشكر الحضور

يختتم المتحدث اللقاء بتقديم الشكر للحضور على مشاركتهم وحضورهم بعد الانتهاء من الحديث. ويعبر عن امتنانه للجميع مختتماً الجلسة العلمية.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

طيب، نكمل إن شاء الله تعالى. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وأجزل له الأجر والقرآن: «باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول». فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول. وهذا الباب مناسب للأبواب قبله، هذا الباب مناسب للباب قبله. فقد ذكر المصنف رحمه الله في الباب السابق وجوب احترام أسماء الله تعالى، ذكر المصنف رحمه الله في الباب السابق وجوب احترام أسماء الله تعالى، والأبواب قبله كلها في بيان وجوب حسن الأدب مع جناب الرب. الأبواب المتقدمة على هذا الباب كلها في بيان وجوب حسن الأدب مع جناب الرب. فذكر المصنف رحمه الله ما هو مناسب لتلك السلسلة للأبواب، وهو حكم الاستهزاء بالله أو برسوله أو بدينه أو بالقرآن أو بشيء منه أو بالسنة أو بشيء منها. ما حكم هذا؟ وهذا مناسب للأبواب قبله، فهذا ينافي الأدب مع جناب الرب سبحانه وتعالى. ومن استهزأ بالله سبحانه أو بآياته أو بدينه أو برسوله صلى الله عليه وسلم فقد كفر كفراً أكبر بإجماع المسلمين. من استهزأ بالله أو برسوله أو بالقرآن أو بالسنة فقد كفر كفراً أكبر بإجماع المسلمين، لا يختلفون في ذلك. وهذا من المصنف رحمه الله ترتيب بديع، هذا من المصنف رحمه الله ترتيب بديع. فهذا من عدم حسن الأدب ومن عدم احترام الله سبحانه واحترام رسوله صلى الله عليه وسلم واحترام دينه. ولو لم يقصد الاستهزاء، هذا الباب كفر أكبر، ولو لم يقصد الاستهزاء. إذا قصد إخراج الكلام الذي يلزم منه الاستهزاء، هذا الباب كفر أكبر، ولو لم يقصد السخرية والاستهزاء والسب. هذا الباب كفر أكبر، ولو لم يقصد صاحبه الاستهزاء والسخرية. لكن اشترط أن يقصد اللفظ الذي نتكلم فيه، اشترط أن يقصد خروج اللفظ الذي نحن نقول إنه استهزاء، والذي يخرجه هو على سبيل الترفه أو تنضية الزمان أو قطع الطريق أو نحو ذلك. ولو لم يدري أن هذا اللفظ كفر فهو كافر، ولو لم يدري أن هذا اللفظ كفر أكبر، فإن هذا لا يُعذر به أحد. هذا الباب لا يُعذر به أحد. فقصد الاستهزاء ليس بشرط، لكن قصد التلفظ شرط. وفرق بين قصد الاستهزاء وقصد التلفظ، فالثاني شرطه والأول ليس بشرط. وهذا أمر دقيق جداً، فإن من الناس من إذا غضب ربما سب وهو لا يشعر بما يخرج من لسانه. بعض الناس إذا غضب ربما سب وهو لا يشعر بما يخرج من لسانه. وبعض الناس يكون مجنوناً فيسب الله أو رسوله أو ديناً، فهؤلاء ليسوا بكفّار لأنهم لم يقصدوا اللفظ والتلفظ، لأنهم لم يقصدوا اللفظ والتلفظ. بخلاف العاقل الذي يدركه ويريده فيتلفظوا بالسب، لكنه لا يدري أنه سب مثلاً، فهذا كافر. فاشترط قصد التلفظ، اشترط قصد التلفظ. بعض الناس قد يكونوا من شدة الفرح قد يخرج كلمة: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك». هذا خطأ. هل قصد هذا اللفظ؟ هل قصد التلفظ؟ هل جواب لا؟ لم يقصد التلفظ، هذا ليس بكافر. لهذا قال في الحديث: «أخطأ من شدة الفرح». من الناس من يشربوا خمراً فيسكروا فيسبوا الله ورسوله في حال إغفال، كما قال حمزة، كما في البخاري. وقد جاء وقد نحر بقرة، وقد نحر ناقة علي، فجاء علي بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكان حمزة ثملاً يعني اشتد به السكر، فقال وصعد النظر إلى رسول الله: «هل أنتم إلا عبيد لأبي؟» هذا كفر أكبر، لكن هل قصد التلفظ أم لا؟ لم يقصد التلفظ. ففرق بين قصد التلفظ وقصد الاستهزاء. بعض الناس يأتي بكلام استهزاء بالرسول ويقول: والله أنا ما قصدت السخرية بالرسول. هذا كفر. هل قصدت التلفظ بهذا اللفظ؟ قال: نعم، أنا متعمد، أخرجت هذا الكلام عن عمد، أخرجته وتكلمت أريد تخطيئة، تنضية الزمان، أو مداعبة، أو نحو ذلك. ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. هكذا قال الله سبحانه. فعندنا مسألة ثانية: قصد التلفظ وقصد الاستهزاء. قصد الاستهزاء ليس بشرط ولا يُعذر به إذا انتفى، وقصد التلفظ شرط. قصد التلفظ شرط. فمن مزح، هل قصد التلفظ؟ الجواب: نعم، قصد التلفظ. من كان يهزل، هل قصد التلفظ؟ الجواب: نعم، قصد التلفظ. من كان نائماً وفي نومه سب الله ورسوله، هل قصد التلفظ؟ الجواب: لا، هذا ليس بكذا. وأولئك كفار لأن أولئك قصدوا التلفظ. فإن قال أحد المتقدمين: أنا ما قصدت السخرية والاستهزاء، قلنا: قصد الاستهزاء ليس بشرط، مجرد قصد التلفظ كافي عندنا في الباب. فهل كنت سكراناً؟ قال: لا. هل كنت نائماً؟ قال: لا. هل أنت مجنون؟ قال: لا. هذا لا يُعذر به، هو كافر كفراً أكبر مخرجاً عن ملة الإسلام. والاستهزاء نوعان: منه الصريح، ومنه غير الصريح. الاستهزاء نوعان: منه الصريح، ومنه غير الصريح. فمن الصريح: السب واللعن، «لعن كذا» ونحو ذلك من هذه الألفاظ، والتقبيح الصريح. فهذا سب صريح، هذا لا يصدر من مسلم. اللعن للذات الإلهية أو لعن الرسول أو شتم الرسول شتماً صريحاً، أو شتم الدين شتماً صريحاً، هذا لا يصدر من مسلم، هذا لا يصدر من مسلم. هذا كفر أكبر مخرجاً عن ملة الإسلام، معلوماً من الدين بالضرورة أن فاعله كافر غير معذور إذا قصد اللفظة والتلفظ. فاعله كافر غير معذور، لا يُعذر بما ذكر. لا يُعذر هذا العصر، والكلام على مثل هذه المسائل في نواقض الإسلام. وهناك سب غير صريح، ومن أهل العلم من يعده صريحاً، مثل مد اليد. قرأت عليه آية قال: اشهد، ومال بيدي، أو أخرج لسانه، أو نحو ذلك. هذا سب، بعض أهل العلم يُعده من غير الصريح. كذلك بعض الألفاظ التي فيها رد السنة، مثل: «لحية مثل لحية العنز» أو «لحية مثل عرف الديك» أو كذلك. أو «هؤلاء طلبة بسكون الله»، ما يقول: «طالبة العلم»، يقول: «هؤلاء طلبة بسكون الله». هذا من السب غير الصريح، هكذا يقول بعض أهل العلم. ومن أهل العلم من يُعده من الصريح، والمسألة بحسب نظر العلم، المسألة بحسب نظر العلم. السب غير الصريح بحر لا ساحل، السب غير الصريح بحر لا ساحل، أمره خفي. كل من رد السنة استخفى بها بلازم قوله أو بفعله، فهذا يدخل في غير الصريح. هذا بحر لا ساحل، يحتاج الإنسان أن يتحرز عنه. قال: «باب من هزل بشيء في ذكر الله أو القرآن أو الرسول». وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾. أي: ولئن سألت يا رسول الله هؤلاء الذين قالوا كلمة الكفر الآتي بيانها: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء»، فيقولون معترفين بما قالوا. فهؤلاء قصدوا التلفظ، معترفين بما قالوا، هؤلاء قصدوا التلفظ. لكنهم يعتذرون بقولهم: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾. أي: لم نقصد الاستهزاء، بل أردنا الخوض بالحديث واللعب في الكلام، ولم نقصد الاستهزاء الصريح والسخرية برسول الله أو بدينه أو بصحابته حملة القرآن، ما قصدنا هذا. قال الله سبحانه: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. وقوله سبحانه: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ يدل على ثبوت الإيمان لهم سابقاً. فإن الله قال: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، إذن كانوا مؤمنين. هذا يدل على أنهم كانوا مؤمنين، وهذا هو المعتمد في تفسير الآية. وقيل: بل كانوا منافقين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وهذا فيه نظر. وقيل: بل هم منافقون يظهرون الإسلام بألسنتهم ويبطنون الكفر، هذا فيه نظر. لأن الله قال: ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، والذي في باطنه الكفر ليس بمؤمن. فلما قال الله: ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ دل على أنه مؤمن في الباطن. هذا ليس من المنافقين، هذا ليس من المنافقين. فهؤلاء مؤمنون استزلهم الشيطان، لعله بصحبة المنافقين، فإن الصاحب ساحب. لعله بصحبة المنافقين، ولعل عندهم أموراً الله أعلم بها، استدرجوا من جهتها. شاهد أنهم كفروا بعد إيمانهم، هذا آخر أمرهم. قال: عن ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة. دخل حديث بعضهم في بعض، يعني جمع الحديث بعضه إلى بعض، أنه قال رجل في غزوة تبوك: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء»، يعني علماء الصحابة، «أرغب بطون»، أي أنهم أصحاب مطاعم وليس أصحاب دين وعبادة، «أرغب بطون ولا أكذب ألسن»، وهذا من الجرأة على أهل العلم. بل المنافقون هم الكاذبون، كما قال الله سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. هكذا قال الله عنهم. والصحابة عدول مرضيون صادقون مأمونون، رضي الله عنهم وأرضاهم. وأحد هؤلاء لا يساوي ظفر صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء». والمنافقون هم الجبن. فحق للصحابة أن يقولوا: رمتني بدائها وانسلت. قال الله سبحانه في المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾. فهم من أجبن الناس، أو أجبن الناس. المنافقون أجبن الناس، ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾، ويهولون على المؤمنين بأعداء الدين، وأن هؤلاء الروم ليسوا مثل العرب، هؤلاء السلاح، الخبرة بالقتال، هؤلاء ما هم سهل، نشقى أن يمزقون، يبتون بصيوب المؤمنين الخذيلة والرعب، هذا شأن المنافقين، عياذاً بالله. فكم من معقل للإسلام قد هدموا، وكم من بناء مشيد قد خربوا بنيانه. هذا شأنهم وصنيعهم. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يخرجون كل عداوة للإسلام وأهله، في قول بالنصح، وهم يخرجون الدين ويسعون في إفساد. هذا حالهم. ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. قالوا: «ولا أجبن ألسن»، يعني رسول الله وأصحابه القراء. هذا من فهم الصحابي لما جرى، أنهم يقصدون بهذا الكلام الصحابة والرسول صلى الله عليه وسلم. قال: فقال له عوف بن مالك: «كذبت». وهذا فيه المبادرة بإنكار المنكر لمن قدر عليه، فالمنكر ينكر مباشرة ولا يتمهل به. قال: «ولكنك منافق». وهذا فيه أن أهل الغيرة والدين إذا رأوا من أحد صفات المنافقين فقالوا من باب الغيرة: هذا منافق، جاز فعلهم ولا ينكر عليه. هذا فيه أن أهل الغيرة والدين إذا رأوا من شخص صفاته هي من صفات المنافقين فحكموا عند غضبهم أن هذا من المنافقين، أن لا تثريب عليه. فهذا عمر لما أخبر حاطب مشركي قريش بخبر، بخبر غزوة فتح مكة، قال عمر: «دعني أضرب عنق هذا المنافق». ولم ينكر عليه رسول الله، بل قال: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». فهذا فيه أن أهل الغيرة والدين والصدق والعلم لهم أن يحكموا، وأنهم لا يلامون على ذلك. لكن هذا لأهل الغيرة والدين والعلم، لا لمن دونهم. قال: فقال: «كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم». هذا من باب النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. فذكر أفعال الأشرار والمنافقين لولاة الأمور نصح لهم، والتبليغ عن أصحاب التفجيرات وأرباب الفساد، هذا من باب النصيحة، ليس من باب النميمة. هذا به يستقيم أمر البلاد ويصلح حال العباد. أما السكوت والمداراة فإنها سبيل إلى نشر الفساد. ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. هكذا ذم الله أهل الكتاب. فمن يقول اليوم: «خليك في حالك، اشتغلك بالناس»، هذا يدعو إلى دعوة اليهود، يدعو إلى دعوة اليهود، عياذاً بالله. ولا يجوز الاستماع لمن استطاع أن يغير المنكر بيده. مع أن الفتنة غير هذا، شرع الله سبحانه بإجماع السلف. ﴿مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ﴾. رواه مسلم من حديث أبي سعيد. قال: «لا يخبرن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه. جاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه ستر على من تاب، لعل الرجل تاب، وإلا لسمّاه. وفي تسميته ببعض الروايات ضعف. قال: «وقد ارتحل وركب ناقته». فقال: «يا رسول الله»، يعني الرسول ركب ناقته، «إننا كنا نخوض ونتحدث حديث ركاب نقطع به عناء الطريق». يعني كما يتحدث المسافر للمسافر يريد الترويح عن نفسه ليسهل عليه السفر وقطع الطريق، وينسى ما فيه، فالسفر قطعة من العذاب. فقال: «يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث ركاب نقطع به عناء الطريق». قال ابن عمر: «كأني أنظر إليه متعلقاً بنسعة ناقة رسول الله». والنسعة: حبل عريض شد به الرحل، وطول الناقة، وربما تشد به الناقة ويوضع تحت عنقها حبل قوي. فرسول الله مشى بناقته والحبل يمشي بالأرض، وهذا الرجل يجري خلف الناقة. قال: «كأني أنظر إليه متعلقاً بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإن الحجارة تنكب رجليه». أي: من شدة المشي والسرعة، ربما ينظر إلى رسول الله ولا ينتبه إلا ورجله بالحجر، فيضرب على رجله، فيضرب رجله بالحجر. وهكذا والناقة مشيها أسرع ومدها أطول. قال: «تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب». فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. هذا استفهام إنكار وتوبيخ. يعني: لم تجدوا ما تجعلونه يقطع لكم الطريق إلا عرض رسول الله، إلا الاستهزاء بآيات الله، تتفكهون بالله وبرسوله. قال: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. ما يلتفت إليه، وما يزيده عليه. وهذا الباب باب عظيم. فكم نسمع اليوم في وسائل الإعلام من السب الصريح إلى نبي هذه الأمة الذي بعثه الله رحمة للناس. هذا من الكفر والردة، هذا من الكفر والردة في إجماع المسلمين. فأما ساب الله، وساب آياته، وساب سنة نبيه، فإنه إن تاب توبة نصوحاً وندم ندامة شديدة، وعرفت التوبة النصوح منه، فإن الله يتوب عليه. أما المستهزئون بالله سبحانه أو بآياته أو بسنة نبيه، فإن له التوبة عند جمهور العلماء. وأما إن استهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يقتل وإن تاب. أما إن استهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم فحكمه القتل وإن تاب. لأن حقوق الله مبنية على المسامحة، لأن حقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق الخلق مبنية على المشاححة. هذا في المذهب، الراجح في قول مالك وجماعة من أهل العلم. هذا من حق الرسول لو أن عابوه في حياته، لكن بعد موته يقتل، إذ لا عابوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا لا يعني أن عرض الرسول أعظم من الكلام والسب لله سبحانه، بل القاعدة: أن حقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق الخلق ومنهم الرسول صلى الله عليه وسلم مبنية على المشاححة، ومنهم الرسول صلى الله عليه وسلم. وإن شاء الله، وإذا كان لكم شيء... ولما قبل، صلى الله عليه وسلم، شكراً لكم، شكراً لكم.