الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 48، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث عن أهمية تعليم العلم ونشره مع إخلاص النية لله تعالى، ويبين ضرورة عدم الامتناع عن تعليم أحد بسبب سوء نيته. المعلم يجب أن يقصد بتعليمه وجه الله تعالى.
يبين أن الناس يطلبون العلم لأسباب مختلفة، ويشير إلى أهمية تعليم المبتدئين رغم ضعف نياتهم، حيث يمكن للعلم أن يصحح نياتهم مع الوقت.
يتحدث عن تأديب المعلم لنفسه وتلاميذه، وتحفيزهم على الإخلاص وحسن النيات، وتشجيعهم على التزهيد في الدنيا والقناعة، مع بيان أهمية الصيانة والتربية الحسنة.
يشدد على أهمية الاستعداد للآخرة الباقية وترك الدنيا الفانية، ويبين أن هذا هو طريق الحازمين وعباد الله الصالحين، ويعد بمتابعة الموضوع في درس لاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم حمدًا لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: خذنا بعض العذاب، العذاب المعلم تتذكره. الإمام النووي رحمه الله قال: وليحرص على إيضاح العبارة وإيجازها، فلا يوضح إضاحًا ينتهي إلى الركاكة. هذا خذناه. طيب، قال: من آدابه آداب تعليمه، يعلم أن التعليم هو الأصل الذي به قوام الدين، وبه يؤمن محاق العلم، فهو من أهم أمور الدين وأعظم العبادات وأكد فروض الكفايات. قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾. في الصحيح من طرق أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب». فهذا يعني أن هذا العلم لا بد أن يبذل فيه، في بثه وفي نشره بين الناس وتطبيقه حتى يكون عالمًا ربانيًا. قال: يجب على المعلم أن يقصد بتعليمه وجه الله تعالى لما سبقه، وأن لا يجعله وسيلة إلى غرض دنيوي، فيستحضر أن التعليم آكد العبادات. فكما أنه يتعلم بنية حسنة بإخلاص، كذلك يعلم بإخلاص. قال: ليكون ذلك حاثًا له على تصحيح النية ومحرضًا له على صيانته من مكدراته ومكروهاته، مخافة فوات هذا الفضل العظيم والخير الجسيم. قالوا: ينبغي ألا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية. وهذا لا ينبغي أن يكون من المعلم. فلو أنه مثلًا سمع رجلًا يقول: أنا جئت هنا ليس للتعليم، وأنا جئت هنا لغرض آخر، فهذا لا يمنعه أن يعلمه. لأنه كما قيل: «طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله». فلهذا قد يأتي الإنسان ليس للعلم بذاته، وإنما مثلًا ليتعلم الأخلاق الفاضلة، يكتسب أخلاقًا فاضلة من طلبة العلم ومن المدرس، أو كذلك يعرف أو يريد أن يعرف كيف طريقة العلم والتدريس وغيرها من الأغراض التي قد يأتي الإنسان لأجلها. ولهذا مجالس العلم كانت تعقد قديمًا، وليس كلهم يريدون العلم، بل كما قال الإمام الأعمش: لما رأى كثرة الناس في العلم، قال: هؤلاء ثلثهم يذهبون إلى وظائف الدولة، وثلثهم أيضًا يذهبون إلى الأعمال الأخرى، فلا يبقى إلا ثلث، وهذا الثلث ليس كلهم يريدون العلم. وهذا غالبًا، ولهذا يحكم على أمرٍ أغلبي؛ لأن أكثر الناس ينشغل، تجده في بداية الأمر يطلب العلم، ثم ينشغل عن العلم إما لدنيا وإما لغيرها. بس الله العافية، قال رحمه الله: فإنه يرجى له حسن النية، ربما عسر في كثير من المبتدئين بالاشتغال لتصحيح النية لضعف نفوسهم وقلة أنسهم بموجبات تصحيح النية، فيجدون العلم ثقيلًا، فيتثاقل عندهم العلم. قال: فالامتناع من تعليمهم يؤدي إلى تفويت كثير من العلم، مع أنه يرجى ببركة العلم تصحيح نياتهم إذا أنسوا بالعلم. مع أن بعض الناس مثلًا يدفعه أهله ليطلب العلم، فتجد أنه يتضايق كثيرًا، وهذا أيضًا لا ينبغي للمدرس أن يفوته، بل يعلمه ويتفرغ لشيء من وقته حتى يعلمه دين الله، لعل الله عز وجل ينفع به. قال: وقد قالوا: «طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله». أي: معناه كانت عاقبته أنصارًا لله، أنه في بداية الأمر أن طلبوا العلم إما لأجل أنهم أُكرهوا لذلك من والديهم، لكن بعدما دخلوا في العلم أحبوه، أو لأجل شيء من الأغراض. قالوا: ينبغي أن يؤدب المتعلم على التدريج بالآداب السنية والشيم المرضية، ورياضة نفسه بالآداب والدقائق الخفية، وتعوده الصيانة في جميع أموره الكامنة والجلية. الصيانة معناها: أنه يصون نفسه من التبدل، إما في أخلاقه أو في علمه، فيكون المعلم مؤدبًا لغيره، معنى: يكون مربيًا وقدوة لتلاميذه، فلا ينبغي له أن يكون ممن ليس له مروءة، وليست له مثلًا احترام عند طلبته. وكذا فهذا خطأ. قال: فأول ذلك أن يحرص بأقوال وأفعال متكررة على الإخلاص والصدق وحسن النيات، يعلم طلابه حسن النية ومراقبة الله في جميع اللحظات، وأن يكون دائمًا على ذلك حتى الممات. ويعرفه أن بذلك تنفتح عليه أبواب المعارف، وينشرح صدره، وتنفجر من قلبه ينابيع الحكم واللطائف، ويبارك له في حاله وعلمه، ويوفق للإصابة في قوله وفعله وحكمه، ويزهده في الدنيا ويصرف عن التعلق بها. على هذا يكون للمعلم لتلاميذه. وهكذا تجد أهل السنة دروسهم تتركز على هذه الأمور، لا ينسون هذا الباب: باب الآداب والأخلاق، وأيضًا باب شحذ الهمم وتصفية النية، فإن هذا لا بد منه. كذلك التزهيد في الدنيا وبيان أن القناعة هي أعظم شيء. قال: يصرف عن التعلق بها والركون إليها والاقترار بها، أي: بالدنيا. ويذكره أنها فانية، ومهما حصل للعبد من تنقصات في بداية أمره، فإنه إذا صبر فإن الله عز وجل يفرج عنه، وكذلك يسر له طريقته. قال: والآخرة آتية باقية، والتأهب للباقي والإعراض عن الفاني، وطريق الحازمين ودأب عباد الله الصالحين. طيب، هذه بعض العذاب التي ذكرها. وإن شاء الله سنواصل في درس لاحق، فنكتفي بهذا. والله تعالى أعلم. شكرًا لكم.