التعليق على مذكرة أصول الفقه 61

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 61، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في دلالة مفهوم الموافقة وطرق إثبات العلة

يتناول هذا الفصل دلالة مفهوم الموافقة واختلاف العلماء حولها، كما يقدم مقدمة حول طرق إثبات العلة في الأحكام الشرعية. يشرح أن هناك طريقتين لإثبات العلة وهما النقل والاستنباط.

طرق إثبات العلة بالنقل والاستنباط

يشرح هذا الفصل طرق إثبات العلة في الأحكام الشرعية، حيث يبين إثبات العلة بالنقل من خلال ثلاثة أضرب، وهي النص الصريح على العلية والإيماء والتنبيه، كما يناقش إثبات العلة بالاستنباط وأضربه.

تفصيل إثبات العلة بمسلك المناسبة وتصنيف الأوصاف

يتوسع هذا الفصل في شرح إثبات العلة بمسلك المناسبة، ويوضح تعريف المناسبة لغة واصطلاحا وضابطها عند الأصوليين، ويقدم أمثلة على ذلك. كما يصنف الوصف إلى قسمين: طردي ومناسب، ويقسم المناسب إلى ثلاثة أو أربعة أقسام حسب الرأي.

استطراد في تعريف الجنس والنوع

يشرح هذا الفصل معنى الجنس والنوع في المبحث الفلسفي، حيث يشير إلى أن الجنس هو القدر المشترك بين أفراد مختلفة الحقائق، بينما النوع هو القدر المشترك بين أفراد متفقة الحقائق.

  • 17 جمادى الآخرة 1442هـ - 30/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام شقيق رحمه الله في كتابه مذكرة في أصول الفقه: تنبيه، اعلم أن نفي الفارق الذي ذكرنا أقسامه الأربعة إنما هو قسم من تنقيح المناط، وهو مفهوم الموافقة بعينه. واختلف العلماء في دلالته على مدلوله هل هي قياسية أو لفظية؟ قالوا: لهم في ذلك أربعة مذاهب. الأول: أن دلالة مفهوم الموافقة إنما هي من قبيل القياس، وهو المعروف عند الشافعي بالقياس في معنى النص، ويقال له القياس الجلي، نعم هو المسمى بتنقيح المناط. الثاني: أن دلالة الموافقة لفظية، لكن لا في محل النطق، ولأن ما دل عليه اللفظ في محل النطق هو المنطوق، وما دل عليه لا في محل النطق هو المفهوم، وكلاهما من دلالة اللفظ. الثالث: أنها دلالة لفظية مجازية عند القائلين بالمجاز، وهو عنده من المجاز المرسل. والمجاز المرسل يقسم إلى كلمة، وتنقسم هذه الكلمة إلى زيادة أو نقص أو نقل. ومبحث المجاز مذكور في كتب البلاغة. أعلم أنه إن كان الصحيح أن اللغة ليس فيها مجاز، لكن على القول به، فيقال: إن دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية مجازية عند القائلين بالمجاز، وهو من المجاز المرسل. قالوا: من علاقات المجاز المرسل الجزئية والكلية، فقالوا: في مفهوم الموافقة يطلق الجزء ويراد الكل، يطلق الأخص ويراد الأعم. فقد أطلق التأفيف في الآية وأريد به عموم الأذى مجازا مرسلا، يعني أن التأفيف جزء من الأذى، والمراد النهي عن كل ما فيه أذية. قالوا: وكذلك أطلق النهي عن أكل مال اليتيم وأريد الإتلاف، يعني إتلاف مال اليتيم سواء بالآكل أو بغيره، فيدخل الإحراق والإغراق وغيرهما من أنواع الإتلاف مجازا مرسلا. الرابع: أنها لفظية لأن العرف اللغوي نقل اللفظ من وضعه لمعنى الخاص إلى ثبوته فيه وفي المسكوت عنه أيضا. قالوا: فعرف اللغة نقل التأفيف من معناه الخاص إلى عموم الأذى، ونقل أكل مال اليتيم من معناه الخاص إلى عموم الإتلاف. وعلى هذا تكون دلالته لفظية من قبيل الحقيقة العرفية. قالوا: أكثر الأصوليين على أن اللفظ دل عليه لا في محل نطق، يعني أنه من جهة المفهوم، هذا هو الصحيح أن دلالة مفهوم الموافقة دلالة مفهومية وليس دلالة لفظية. الضرب الثاني: وهو الإلحاق بالعلة الجامعة، كإلحاق الذرة بالبر بجامع الكيل، لو مثل بإلحاق النبيذ بالخمر بجامع الإسكار، لأن هذا المثال واضح لا خلاف فيه. وهذا هو الإلحاق بالعلة الجامعة، فعلة الإسكار علة جامعة، فكل شراب أسكر أخذ حكم الخمر في التحريم. طرق إثبات العلة، قال: اعلم أن إثبات العلة له طريقان: النقل والاستنباط. فالنقل ثلاثة أضرب، والاستنباط ثلاثة أضرب كذلك. طرق إثبات العلة إما أن يكون من جهة النقل أو من جهة الاستنباط. من جهة النقل يعني أن تذكر العلة في الكتاب أو السنة، أن يذكر الشرع الحكم ويذكر علته. والاستنباط أن لا يذكر الشرع العلة لكن يستنبطها أهل العلم. أضرب إثبات العلة بالنقل، قال: الضرب الأول النص الصريح على العلية، نحو قوله تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر». النص الصريح على العلية يعني يأتي النص الصريح في الشرع على أن هذا هو العلة. قال: والمؤلف جعل اللام لام التعليل، والباء ونحو ذلك من الصريح في الدلالة على التعليل، قال: نحو قوله تعالى: ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾، وقوله: ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله﴾. قال: وغيره جعل هذا من الظاهر لا من الصريح، يعني جعل التعليل باللام والباء من الظاهر وليس من الصريح. الضرب الثاني: الإيماء والتنبيه، أن يقرن الحكم بوصف على وجه لو لم يكن علة لكان الكلام معيبا عند العقلاء. وأنواع الإيماء والتنبيه عند المؤلف ستة. الأول: أن يذكر الحكم عقب وصف بالفاء، فيدل على أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم، نحو قوله تعالى: ﴿قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، وقوله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾. الثاني: ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء، يدل على التعليل، كقوله تعالى: ﴿من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾، وقوله: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾. الثالث: أن يذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أمر حادث فيجيب بحكم يدل على أن ذلك الأمر المذكور له صلى الله عليه وسلم علة لذلك الحكم الذي أجاب به. الرابع: أن يذكر مع الحكم شيئا لو لم يقدر التعليل به لكان لغوا غير مفيد، وهو قسمان: الأول أن يستنطق السائل عن الواقعة بأمر ظاهر الوجود ثم يذكر الحكم عقبه. الخامس: أن يذكر في السياق الكلام شيء لو لم يعلل به صار الكلام غير منتظم، في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾. السادس: ذكر الحكم مقرونا بوصف مناسب، كقوله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾. الضرب الثالث: ثبوت العلة بالإجماع، كالإجماع على تأثير الصغر في الولاية على المال. وهذا الحكم وهو تأثير الصغر في الولاية على المال يعني أن الصغر لا يمكن من التصرف في المال. أضرب إثبات العلة بالاستنباط الثلاثة، قال: الضرب الأول إثبات العلة بمسلك المناسبة، والمناسبة لغة الملائمة. وفي الاصطلاح: كون الوصف يتضمن ترتيب الحكم عليه مصلحة. قال: وضابط مسلك المناسبة والإخالة عند الأصوليين أن يقترن وصف مناسب بحكم في نص من نصوص الشرع، ويكون ذلك الوصف سالما من القوادح، ويقوم دليل على استقلاله بالمناسبة دون غيره، فيعلم أنه علة ذلك الحكم. قال: فمثاله حكم التحريم وصف الإسكار في قوله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر حرام»، فالإسكار مناسب للتحريم مقترن به في النص، سالم من القوادح، مستقل بالمناسبة. قال: وعلم أن الوصف من حيث هو قسمان: الأول طردي كالطول والقصر، والثاني مناسب كالإسكار والصغر لتحريم الخمر وولاية المال. إذا علمت ذلك، فالمناسب عند المؤلف ثلاثة أقسام: مؤثر، وملائم، وغريب. وعند غيره أربعة: الثلاثة الأول السابقة، والرابع المرسل، وهو المعروف بالمصلحة المرسلة. قال: وعلم أولا أن المراد بالجنس في هذا المبحث القدر المشترك بين أفراد مختلفة حقائقها، والمراد بالنوع القدر المشترك بين أفراد متفقة حقائقها. نقف هنا إن شاء الله، ونكمل في الدرس القادم بإذن الله صلى الله عليه وسلم، ونبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.