التعليق على مذكرة أصول الفقه 68

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 68، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في الطراد العلة واشتراط اضطرادها

يناقش مفهوم الطراد العلة ومدى اشتراط استمرار حكمها في جميع محالها، مع عرض وجهات نظر مختلفة حول هذا الشرط.

تخلف الحكم عن العلة وتقسيماته

يشرح ثلاثة أقسام لتخلف الحكم عن العلة، وهي تعارض العلة مع علة أقوى، وعدم مصادفة العلة لمحلها، أو لفوات شرطها، ويبين أنها تخصيص أو تعارض وليس نقضاً للعلة.

تحليل تخلف الحكم عن العلة وعلاقته بنقضها

يتناول شرح مفاهيم تخلف الحكم عن العلة وعلاقته بنقض العلة، موضحا أن التخلف قد يكون بسبب مانع أو عدم مصادفة محل أو فوات شرط، وليس بالضرورة نقضا للعلة.

حكم بيع الرطب بالتمر واستثناء العرية

ينص على تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في حالة بيع العرية، مشيراً إلى هذا الحكم الأصلي في المسألة الفقهية.

  • 23 جمادى الآخرة 1442هـ - 05/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحنابلة الشقيق رحمه الله في كتابه، وذكره في أصول الفقه: فصل في الطراد العلة. قال مؤلف رحمه الله: فصل في الطراد العلة، وهو استمرار حكمها في جميع محالها. قال: حكى أبو حفص البرمكي، وهو عمر بن أحمد بن إبراهيم، من علماء الحنابلة، قال: في كون ذلك شرطا لصحتها وجهين. قال: أحدهما أنه شرط، فمتى تخلف الحكم عنها مع وجودها، استدللنا على أنها ليست العلة إن كانت مستنبطة، أو على أنها بعض العلة إن كانت منصوصة. وهذا يسمى الكسر، كسر العلة. متى تخلف الحكم عنها مع وجودها، العلة موجودة والحكم غير موجود، استدلنا بهذا أنها ليست هي العلة. هذا إذا كانت مستنبطة، أي العلة. وأما إن كانت منصوصة، فهي بعض العلة. وعلى كل، فهذا كسر لها. قالوا: وقد وصر هذا الوجه القاضي أبو يعلى، وبه قال بعض الشافعية. الوجه الآخر: قال: تبقى حجة فيما عدى المحل المخصوص، كالعموم إذا خص. قال: تبقى حجة فيما عدى المحل المخصوص، كالعموم إذا خص. واختار هذا الوجه أبو الخطاب، وبه قال مالك، والحنفية، وبعض الشافعية. يعني يكون هذا تخصيصا للعلة، وليس نقضا لها. يكون تخصيصا للعلة، وليس نقضا لها. مثاله: القتل العمد العدوان علة القصاص. طيب، الوالد قتل ولده، لا يقتل به. هل هذا نقض للعلة؟ الجواب: لا، نقول: هذا تخصيص، هذا تخصيص للعلة. وهذا هو الصحيح أنها تبقى حجة فيما عدى المحل المخصوص. قال: اعلم أن هذا المبحث الذي هو هل يشترط في العلة الاضطراد، أي وجود الحكم كلما وجدت العلة، هو بعينه مبحث النقض، هل هو قادح في العلة أو مخصص لعمومها؟ لأن النقض هو وجود العلة دون الحكم، كما تقدم. فعلى اشتراط اضطراد العلة، فالنقض قادح فيها. يعني إذا وجدت في موضع من المواضع، وجدت العلة ولم يوجد الحكم، قالوا: إذن هذا نقض للعلة. قالوا: على عدمه، فهو تخصيص لعمومها. يعني على عدم اشتراط اضطراد، فيكون هذا تخصيصا للعلة. قال: إذا علمت ذلك، فاعلم أن خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أنه راجع إلى أربعة أضرب. الأول: ما علم أنه مستثنى من قاعدة القياس. ما وجد الوصف، يعني دون الحكم، وجدت العلة ولم يوجد الحكم، كإيجاب الدية على العاقلة، مع أن جناية الشخص علة لوجوب الضمان عليه هو دون غيره. الإنسان قتل خطأ، كانت الدية على العاقلة، أي على عاقلته وقرابته وعصبته دون الجاني، مع أن الأصل أن جناية الإنسان إذا جنى واعتدى وحصل منه قتل أو اعتداء، فهو الذي يتحمل هذه الجناية، وهو الضامن لذلك. قال: يعني هذا يعتبر مستثنى من قاعدة القياس في باب الجناية. قال: وكإيجاب صاع من تمر في لبن مصَرَّاة. النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المصراة، ثم قال: من اشتراها بعد حلبها، فهو بخير النظرين، إما أن يمسكها وإما أن يردها وصاعا من تمر مقابل لما الذي حلبه من هذه البهيمة. قال: مع أن علة إيجاب المثلي في المثليات التماثل بينهما. يعني صاع أنه مدام أنه حلب اللبن، فيضمن المثل مثل اللبن. هذا القياس. فيكون هذا مستثنى من قاعدة القياس. ومن ادعى أن خلاف القياس، فقد أدعى عليه أهل العلم في ذلك. بعض أهل العلم قالوا: أن هذا خلاف القياس. يعني يكون يضمن اللبن بالتمر. قالوا: والأصل في قاعدة القياس ضمان المثليات بمثلها. قالوا: هذا خلاف القياس. ورد عليهم أهل العلم في ذلك، وأن هذا ليس خلاف القياس، بل هو القياس الصحيح. القياس الصحيح، وذلك أن اللبن الذي حلبه هذا الإنسان من هذه البهيمة، كم مقداره؟ الله أعلم. ما يدرى ما يدرى كم مقداره. وهل هو قليل أو كثير؟ فلو قلنا أنه يرد لبنا، سيحصل خصام بين البايع والمشتري. هذا يقول: هو أكثر من ذلك، وهذا يقول: هو أقل من ذلك. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شيئا محدودا، قل اللبن أو كثر، وهو صاع تمر، يقطع به النزاع. يقطع به النزاع إذا أراد أن يرد لهذه المصرّة، يردها بعد حلبها، ويأتي بصاع من تمر مقابل هذا اللبن، قل اللبن أو كثر. فهذا هو يعني القياس الصحيح. قد رد شيخ الإسلام رحمه الله على من ادعى في مثل هذه الصورة أن خلاف القياس، في كتاب له. قال: وكبيع العرايا مع وجود المزابنة فيها، أي الربا، وورودها على علة كل معلل، وورودها على علة كل معلل. يعني كل معلل الربا، سواء كان بالكيل أو غيره، لأنه بيع رطب بالتمر. فالمزابنة يعني نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها لعدم حصول التماثل، إذا بيع التمر بالرطب، حصل ماذا؟ عدم المساواة، عدم المساواة، والعلم بالتفاضل كالجهل بالتساوي. والعلم بالتفاضل كالجهل بالتساوي. والواجب التساوي في بيع التمر بعضهم مع بعض. لكن أجاز الشرع بيع العرايا بشروط وضوابط. هل يكون هذا يعني خلاف القياس أو مستثنى؟ قال: فمثل هذا لا ينقض العلة إجماعا. يعني كونه أجاز بيع العرايا، هل معنى هذا أنه لا رباء في بيع التمر بالرطب؟ الجواب: لا، رباء موجود وحاصل، لكن في هذه الصورة أجاز الشرع البيع للحاجة. فيكون هذا من تخصيص العلة، أو تخصيص هذا النوع من المعاملة تكون خارجة عن الرباء. قال: الضرب الثاني: تخلف الحكم عن العلة من أجل معارضتها بعلة أخرى. واختيار المؤلف هذا أنه أيضا ليس نقضا للعلة. ومثاله: تعليل رق الولد برق أمه. فولد المغرور بحرية جارية، فتزوجها يكون حرا مع وجود العلة التي هي رق الأم، لأنها عورضت بعلة أخرى وهي الغرور الذي صار سببا لحرية الولد. وهذه علة أقوى من الأولى. يعني أنه عند نكاح الحر للأمة، هو خوف رق الولد أن يأتي الولد رقيقا تبعا لأمه. فتزوج الإنسان أمة على أنها حرة، ثم تبين أنها رقيقة. قالوا: هنا يصير أولاده أحرارا. يصير أولاده أحرارا لأن الغرور هنا سبب لحرية الولد وعدم حصول الرق لهم. هنا وجدت سببان أو علتان. علة الأولى رق الأم، وهو علة لرق الأولاد، وعورضت ذلك بحصول الغرور حين تزوج هذا الرجل بهذه الأمة على أنها حرة، ثم تبين أنها مملوكة. فهنا قالوا: يصير الأولاد أحرارا لأن العلة الثانية أقوى من العلة الأولى. فتخلفت تخلف حكم العلة الأولى، لأنه عرضها علة أقوى منها. قال مؤلف رحمه الله: فهذا لا يكون نقضا للعلة أيضا، ولا يفسدها، لأن الحكمها هنا كالحاصل تقديرا. يعني أن رق الولد كالحاصل بدليل لزوم القيمة فيه. ولا يخفى أن هذا إنه على القول بلزوم القيمة، وعلى القول بعدم لزومها، فالظاهر أنه من قبيل العلة التي منع من تأثيرها مانع. فالغرور مانع من تأثير رق الأم في رق الولد. قال: الضرب الثالث: أن يتخلف الحكم عنها لعدم مصادفتها لمحلها، أو لفوات شرطها. كالسرقة من غير حرز، وسرقة أقل من النصاب، وكوجود الزنا دون الإحصان بالنسبة إلى الرجم. ومن هذا القبيل وجود المانع، كتخلف القصاص عن القتل لمانع الأبوة. تخلف الحكم لعدم مصادفتها لمحلها، أو فوات شرط. هذا لا يكون نقضا للعلة. القطع، السرقة علة للقطع، علة لقطع اليد. طيب، سرق الإنسان من غير حرز، إذن ما تقطع يده. لماذا؟ هل هنا انتقضت العلة؟ الجواب: لا، لكن هذه العلة مقيدة بشروط، وهو أن يسرق من حرز مثله، وأن يسرق ما بلغ نصابا. فإذا تخلفت هذه الشروط، تخلف الحكم، لا لكون العلة ماذا يعني انتقضت، ولكن لعدم توفر الشروط التي بها تتحقق وجود العلة. فإذا لم يسرق من حرز مثله، أو سرق أقل من النصاب، أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم، فإنه لا تقطع يده، وإنما يعزر. قال: كذلك وجود الزنا دون الإحصان من نسبة الرجم. إذا زن الإنسان وهو غير محصن، يعني لم يتزوج من كاح يصيح ويطأ فيه، فهذا لا يقام له حد الرجم، وإنما يجلد من الجلدة. هل تخلف حد الرجم هنا نقض للعلة، وهو أن الزنا علة للرجم؟ الجواب: لا، وإنما لتخلف محل العلة، وهو أن يكون محصن أو محصنة، مشروط وهو الإحصان في الزاني. فهذا لم يتحقق، فلم يتحقق وجود الحكم. كذلك قتل الوالد لولده، إذا قتله عمدا عدوانا، وهو علة القصاص، وهو لا يقتل به. هل هذا نقض للعلة؟ الجواب: لا، وإنما وجد مانع، وهو كونه والده وأبوه. وهذا مانع من إقامة القصاص. قال: الضرب الرابع: ما كان تخلف الحكم فيه لغير أحد هذه الأضرب الثلاثة. وهو الذي قدمنا فيه الوجهين عن أبي حفص البرمكي في أول هذا المبحث. وهو الذي فيه الخلاف. إذا كانت العلة منصوص عليها، وتخلف الحكم، فهذا نقض. وإذا كانت مستنبطة وتخلفت، فيكون هذا تخصيص. قلنا: إذا كانت العلة منصوص عليها وتخلف الحكم، فهذا نقض. وإن كانت مستنبطة، فهذا تخصيص. قال: ومثل ذلك لو قلنا: الشراب فيه إسكار، وهذا علة التحريم. لكن يقول: ما يحرم. هذا ما يجوز. هذا نقضا للعلة. أما إذا كانت مستنبطة، وتخلف الحكم، فيكون هذا تخصيصا. إذا كانت منصوص عليها وتخلف الحكم، فهذا نقض. هذا نقض للعلة. الآن هذا الشراب يوجد فيه الإسكار، وهو علة التحريم. هذا إذا كانت العلة منصوص عليها وتخلف الحكم، إذا هذا نقض للعلة. إنه ليس لهذه العلة الصحيحة. قال به الجويني في البرهان: على أن الجمهور عندهم إذا تخلف الحكم في صورة من الصور، يكون تخصيصا، سواء كانت مستنبطة أو منصوص عليها. سواء كانت علة مستنبطة أو كان منصوص عليها. ولعل هذا هو الأظهر. قول الجمهور أن العلة إذا تخلف حكمها في صورة من الصور، فيكون هذا تخصيصا وليس نقضا للعلة، سواء كان مستنبطة أو كان منصوص عليها. نعم، مثلا الآن علة البيع، نهى عن بيع المزابنة، بيع الرطب بالتمر. العلة هو الربا، وهذا منصوص عليه في حديث بلال، لما قال: جئت للسلم بالتمر برني. قال: أكله تمر خيبر هكذا. قال: لا، إنا نشتري الصاع بالصاعين. فقال: للسلم أوه أوه، عين الربا. نص على أن هذا ربا. نعم، الصاع بالصاعين. وهكذا لما سئل للسلم عن بيع الرطب بالتمر، قال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا تفعلوا. ثم أجاز مثلا بيع العرية، وهو عينه البيع المزابنة، رطب بالتمر. فلا يمكن يحصل التساوي بالتماثل بالكلية. هل نقول: هذا نقض لوجود الربا في هذا البيع؟ الجواب: لا، نقول: هذا تخصيص. هذا تخصيص. وفي غير هذه الصورة، لا يجوز في غير بيع العرية، لا يجوز أن يباع الرطب بالتمر. هذا هو الأصل.