الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش فروقا ضعيفة في مسائل الفقه مثل إعارة الأرض والسفينة وعتق العبد المرهون. الحكم في هذه المسائل يجب أن يكون واحدا حيث لا يجوز الرجوع في الإعارة قبل انقضاء المدة.
يناقش آراء الفقهاء حول صحة التصرفات في العبد المرهون ويشير إلى أن جميع التصرفات لا تصح إلا برضى المرتهن. كما ينتقد جعل الفقهاء للأمور الوجودية الأغلبية حدا فاصلا للأحكام الشرعية.
يفسر الفروق الشرعية بين الذكر والأنثى في بعض الأحكام مثل الجمعة والجماعة والميراث. بينما ساوتهما الشريعة في أحكام أخرى مثل الصلاة والصيام.
يجب التفريق بين الرجل والمرأة إذا دل الدليل على ذلك وإلا فإن الأصل هو المساواة بينهما. يُطبق هذا المبدأ في التكاليف والتصرفات الشرعية.
بسم الله الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، والآله والصحبه ومن والاه. قال الإمام السعيد رحمه الله في كتابه "قواعد الأصول الجامع فروق التقاسيم البديعة النافعة" في ذكره للفروق: قال من فروق الضعيفة تفريقهم بين إعارة الأرض للزرع، وإعارتها للدفن أو السفينة للحمل، أن له الرجوع قبل قضاء الفرض في الزرع بالأجرة، وليس له الرجوع في بقية المسائل التي أذن المعير للمستعير أن يشغلها بما يستضر لو رجع قبل انقضاء الفرض. والصواب أن حكم الجميع واحد، ليس له في الزرع ولا غيره أجرة، كما ليس له رجوع. صورة هذه المسألة: إذا أعار رجل أرضا لآخر ليقوم بزراعتها، فعارها إياه، وقام بحرثها وزراعتها، ولما مضى وقت من الزمن قبل انتهاء المدة، طلب صاحب الأرض أرضه. فيقولون أن لصاحب الأرض الرجوع لو حق الرجوع في هذه الإعارة. وإذا طلب الرجوع، فالذي زرع الأرض يرجع الأرض لصاحبها، ويبقى الزرع في الأرض بالأجرة. الذي زرع هذه الأرض يبقى له الزرع، لكن بأجرة يدفع لصاحب الأرض الأجرة مقابل بقاء الزرع إلى أن يأتي وقت الحصاد. وأما إذا أعار أرضا لآخر لأجل أن يدفن فيها ميتا مثلا، ثم طلب الرجوع، قال: أنا أريد أرضي، إما أن تخرج هذا الميت من هذه الأرض، وإما أن تدفع أجرة في بقاء هذا الميت في هذه الأرض. فقالوا هنا ليس له حق الرجوع؛ لأن عليه ضرر. عليه ضرر بذلك، يعني دفع الأجرة مقابل بقاء هذا الميت فيه ضرر على هذا الدافن؛ لأن الميت سيبقى في هذه الأرض، وإذا أخرجه كذلك عليه ضرر ومشقة. فقالوا هنا ليس له الرجوع، وليس له المطالبة بأجرة. وهكذا إذا أعار سفينة، قال إنسانا: أريد سفينة أسافر فيها في البحر، فعاره إنسان سفينة، في أثناء سفره وقبل انتهاء المدة، مدة السفر وانتهاء قضاء حاجتي من هذه السفينة، قال: أنا أريد السفينة، أريد سفينتي. وفي أثناء سفره وأثناء سيره في البحر، قالوا: فهنا ليس له حق الرجوع؛ لأن في ذلك ضرر عليه. ففرقوا هنا بين إعارة الأرض للدفن أو للسفينة للحمل، فقال: ليس له الرجوع قبل انقضاء المدة. وأما في إعارة الأرض للزرع، قالوا: له حق الرجوع. والصحيح قال: أن حكم الجميع واحد، ليس له الرجوع لا في الأرض لزراعتها، ولا في إعارة الأرض لأجل الحمل أو السفينة لأجل السفر عليها إلا بعد انتهاء المدة. فحينئذ له أن يطالب، وأما قبل انتهاء المدة فلا؛ لأنه أعطاه هذه الأرض أو أعاراه هذه العارية برضى وطيب نفس. وفي المطالبة بردها قبل انقضاء المدة يعني ضرر على المستعير. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار». قال: ومن الفروق الضعيفة قولهم: إن عتق العبد المرهون ينفذ مع التحريم والتصر فيه بوقف أو هبة أو عقد معاوضة لا ينفذ إلا برضى المرتهن. والصواب أن العتق لا ينفذ إلا بالإذن؛ لأنه قربة، فلا يتقرب إلى الله بفعل محرم، ولأنه يبطل حق المرتهن من الوثيقة. هذا من الفروق الضعيفة: إذا أرهن الإنسان عبدا، استدان زيد من عمر دينا، فقال عمر: أنا أريد أن أتوثق لهذا الدين، رهن عبده. رهن زيد عبده عند عمر، فهنا إذا تصرف زيد في هذا العبد المرهون بوقف، بأن قال: أنا أوقفت هذا العبد، أو وهبه، قال: أهب هذا العبد فلان، أو باعه، قال: أنا بعت هذا العبد فلان. فجميع هذه التصرفات قالوا: لا تنفذ ولا تصح إلا برضى المرتهن، هو صاحب المال، لا بد من رضاه. أما إذا اعتقه، إذا قال: عبد فلان حر لوجه الله، قال: هنا يصح. الراهن أي يصح العتق مع الإثم، يصح مع الإثم. ففرقوا بين عتق العبد المرهون وبين بقية التصرفات من وقف أو هبة أو بيع أو غير ذلك، فقالوا: فلا تصح. والصحيح أن جميع التصرفات لا تصح، حتى العتق لا ينفذ ولا يصح إلا برضى المرتهن؛ لأن العبد حين رهن خرج تصرف المالك له من ملكه؛ لأنه أصبح مشغولا بالرهن، فلا يملك التصرف فيه لا ببيع ولا هبة ولا وقف، ولا كذلك أيضا عتق. والمشغول لا يشغل، والعتق عبادة، فلا يمكن أن يتقرب إلى الله عز وجل بفعل محرم، كونه يعتقه وهو لا يملك تصرف فيه، وقد شغل بهذا الدين، توثق لهذا الدين، لا يملك أن يتصرف فيه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وجميع هذه التصرفات لا تصح إلا إذا رضي المرتهن؛ لأنها ألحقت له ضررا، فإذا تنازل عن توثقه هذا الدين بفك هذا الرهن وإجازة هذا التصرف من مالكه، فحينئذ يصح. وأما إذا لم يرض فإنه لا يصح. قالوا: من الفروق الضعيفة جعل الفقهاء رحمهم الله الأمور الوجودية الأغلبية حدا فاصلا لكثير من الأحكام الشرعية التي أطلقها الشارع ولم يقيدها. مثل وجود الحيض، فحيث وجد الدم المعتاد تعلقت به الأحكام الشرعية، وحيث طهرت، تطهرت وزالت أحكام الحيض. هذا الذي دلت عليه النصوص، وعليه العمل بين المسلمين. وأما تقييد أقل سن تحيض فيه، وأكثر سن تنتهي إليه، وأقل الحيض وأكثره، فليس على ذلك دليل شرعي. وهكذا مدة الحمل الصحيح، أنه ليس لأكثر مدته حد محدود. يقول رحمه الله: من الفروق الضعيفة جعل الفقهاء الأمور الوجودية الأغلبية حدا فاصلا لكثير من الأحكام. فمثلا في الحيض يقولون: أكثر ما وجد أن المرأة تحيض في السن التاسع، إذن يجعل هذا حدا لأقل الحيض، وأن أكثر ما وجد أن المرأة تحيض إلى السن الخمسين، إذن ما بعد الخمسين لا يعد حيضا. يجعل هذا الحد الأكثر في السن الذي تحيض فيه المرأة. وهكذا أيضا في الطهر، مثلا بين الطهر والطهر الآخر ثلاثة عشر يوما، فيكون هذا هو أكثر مدة الطهر. فيجعلون الأشياء الوجودية الأغلبية حدا لأقل الشيء وأكثره، مع أن الشرع أطلق الأحكام ولم يحدها بزمن معين أو بسن معين. فمثلا الحيض، الله عز وجل يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، جعل العلة بتعلق الأحكام هو وجود الدم، هو وجود الدم. ولم يجعل الشرع سنا معينا به ابتداء المدة الحيض أو كذلك به انتهاء سن المحيض، بل علق الحكم بوجود الأذى. إذا وجد هذا الأذى وجدت الأحكام، وإذا انتفى انتفت الأحكام. هذا الذي دلت عليه النصوص الشرعية، وعليه ينبغي أن يكون العمل. فلا يتقيد بأقل سن تحيض فيه المرأة، ولا بأكثر سن تحيض فيه، وإنما العبرة بوجود الدم. وهكذا أيضا الحمل، يقولون: أن أكثر مدة الحمل هو أربع سنين، وأنه لا يمكن المرأة أن تحمل أكثر من أربع سنين. ويقال: هذا وإن كان مثلا هو الغالب إذا وجد، لكن لا يمنع أن تحمل أكثر من ذلك. ما المانع أن تحمل خمس سنين أو ست سنين إذا وجد ذلك أو حصل ذلك فيعتبر تعتبر في حكم الحامل. يعني لو أن امرأة مات زوجها وهي حامل، وبقيت أربع سنين على قولهم، خلاص انتهت العدة بعد أربع سنين، انقضت عدتها. ولو كان الحمل ما زال موجودا. لكن على القول الصحيح تبقى في عدتها ولو بلغت خمس سنين، ولو بلغت ست سنين. نعم، ذكر أهل العلم أنه لا بأس بإخراج الجنين إذا تيقن حياته بعملية أو نحو ذلك؛ لأن بقاءه وإطالة المدة العدة عليها ضرر، فإذا أمكن إخراجه وبقاءه حيا فلا بأس. لكن المقصود هنا أنه لو بقي أكثر من أربع سنين يبقى الحكم، وهو أنها ما زالت في العدة حتى يحصل خروج الحمل؛ لأن الشرع علق ذلك بالحمل. ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ولم يحدد الحمل سنا أو مدة معينة. قال رحمه الله: عن فروق الصحيحة التفريق بين الذكر والأنثى في إيجاب الجمعة والجماعة والجهاد البدني، وأنها على الذكر دون الأنثى. وكذلك في تنصيف الميراث والدية والعقيقة، وأن شهادة المرأتين كشهادة الرجل. وكذلك العتق. وكذلك الولايات. فهذه الفروق ثابتة تابعة للحكمة، حيث علقت الأحكام الشرعية بحسب أهلية المحكوم عليهم وكفاءتهم وحاجتهم. وكما أن من الحكمة مساواة الأنثى للذكر في الأحكام التكاليف والتصرفات والتبرعات والتملكات وغيرها لتساويهما في السبب الذي يشرع له الحكم. يقول: من الفروق الصحيحة التفريق بين الذكر والأنثى في إيجاب الجمعة والجماعة والجهاد البدني، وأنها على الذكر دون الأنثى. يعني الشرع فرق في هذه الأحكام بين الذكر وبين الأنثى، فأوجب الجمعة والجماعة والجهاد بالبدن على الذكر دون الأنثى. ويدل على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث طارق بن شهاب: «الجمعة واجب على كل مسلم إلا أربعة: المرأة والصبي والعبد والمريض». فاستثنى المرأة. وهكذا في الجماعة في الأحاديث الكثيرة التي فيها الأمر للرجال بصلاة الجماعة دون النساء. وهكذا الجهاد البدني لما سألت عائشة النبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: «نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة». فكان الجهاد البدني على الرجال دون النساء؛ لأن في أمر النساء بهذه الواجبات وهذه الفرائض مشقة على المرأة، وما يجب عليها قيامها في بيتها من خدمة زوجها وتهيئة طعامه وتربية أولاده سيكون عليها في ذلك ضرر. فلذلك الشريعة أسقطت هذه الأحكام على المرأة، وأوجبتها على الرجال. قال: وكذلك في تنصيف الميراث والدية والعقيقة. يعني جعل الشرع المرأة على النصف من الرجل في الميراث. قال الله عز وجل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. وهكذا في الدية في حديث عمر بن حزم: «دية المرأة نصف دية الرجل». وهكذا في العقيقة في حديث سمرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «للغلام شاتان متكافئتان، وللجارية شاه». قال: وأن شهادة المرأتين كشهادة الرجل. قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾. قال: وكذلك في العتق. وكذلك في الولايات. يعني يفرق بين الرجل وبين المرأة. وهكذا في الولايات كذلك. ولاية النكاح مثلا لا تملك المرأة تزويج غيرها، بل ولا تزويج نفسها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها». وإنما ولاية النكاح للرجال، لا نكاح إلا بولي. قال: فهذه الفروق ثابتة تابعة للحكمة، حيث علقت الأحكام الشرعية بحسب أهلية المحكوم عليهم وكفاءتهم وحاجتهم. قال: كما أن من الحكمة مساواة الأنثى للذكر في أحكام التكاليف. يعني في الواجبات والفرائض الأصل أن النساء شقائق الرجال كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «النساء شقائق الرجال»، أي تساوي الرجل في التكاليف والأحكام إلا ما خصه الدليل، إلا ما خصه الدليل. فخص يعني الأنثى بحكم دون الرجل، فهنا تنفرد بهذا الحكم. لكن في الأصل أن تشارك الرجل في جميع الأحكام. قال: للذكر في أحكام التكاليف كوجوب الصلاة، وجوب الصيام، وجوب الزكاة، وجوب الحج والعمرة إلى آخره. قال: والتصرفات تصرفاتها في البيع والشراء والهبة والوقف وهكذا. التبرعات يعني بالوقف والصدقة والهبة إلى آخره. والتصرفات في البيع والشراء. قال: وهكذا أيضا في العتق. قال: والتملكات تملك يعني من المال مثل ما يملك الرجل، لا بأس أن يكون عندها أموال كثيرة، يكون عندها عقار، عندها بيوت إلى آخر ذلك. قال: لتساويهما في السبب الذي يشرع له الحكم. نعم، إذا ما دل الدليل على التفريق فيه بين الرجل والمرأة، فإننا نفرق بينها وبين الرجل. وما لم يدل دليل على التفريق، فالأصل مساواتها للرجل في الأحكام والتكاليف وسائر التصرفات. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.