آداب اللباس 2

آداب اللباس 2

الدرس في آداب اللباس 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في آداب اللباس الإسلامي

يتحدث عن أهمية اتباع آداب اللباس في الإسلام وتجنب الإسراف والخيلاء، مستشهدًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. يشدد على ضرورة أن يكون اللباس خاليًا من الكبر والعجب.

التجمل والتطيب في اللباس وتجنب الخيلاء

يشير إلى بساطة لباس النبي صلى الله عليه وسلم ويحث على التجمل والتطيب وإظهار نعمة الله، مع التحذير من الإفراط في اللباس والتفاخر به وتجنب الخيلاء وجر الثياب.

أحكام جر الثياب للرجال

يشرح أقسام جر الثياب للرجال وأحكامها، مشيرًا إلى أن جر الثياب للخيلاء أو كعاده أو زينة محرم، بينما لا إثم في ذلك إذا كان بغير قصد.

ختام الحديث حول آداب اللباس ودعاء الختام

يختتم بالحديث عن أهمية آداب اللباس ويذكر قصة الصديق رضي الله عنه، ويختم بالصلاة على النبي ودعاء الله أن ينفعهم بما قيل.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ومواصل إخواني في الله عما تكلمنا عليه في درس أمس حول أدب اللباس، وكان من أوائل مباحث هذا الأدب القصد من هذه أو من هذا الأدب أن الله سبحانه وتعالى شرعه لأجل ستر العورة، فكان مما سبق الكلام حول مسائل العورة، وما يتعلق بعورة الرجل أو عورة المرأة، وما الذي ينبغي أن يستر، وما هي الضوابط التي تنافي ستر العورة. وأيضًا مما يذكر من الآداب في باب اللباس، إخواني في الله، عدم الإسراف والمغالاة، عدم الإسراف والمغالاة في هذا الباب، وذلك لما صح من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، أنه قال: «كلوا واشربوا وتصدقوا من غير إسراف ولا مخيلة»، «كلوا واشربوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة»، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر بن العاص، رضي الله تعالى عنه. فهذا الحديث فيه أن المسلم كما أنه يقبل على حاجته من مأكله ومن مشربه وهكذا من ملبسه، فينبغي أنه ينافي هذه الصفة التي ذمها الشرع، أن لا يكون ذلك عن طريق إسراف ولا مخيلة. أما الإسراف فهو مأخوذ من الصرف، وهي مجاوزة الحد، فلا تتجاوز الحد يا عبد الله في لباسك. ومن ضوابط مجاوزة الحد في اللباس، كما يقول علماء، وهو أن تنفق المال الكثير على اللباس الخسيس، أن تنفق المال الكثير على اللباس الخسيس، لباس ثمنه معروف عند الخلق، لكنك تدفع فيه المال الكثير لماذا؟ هذا فقط من باب التباهي، ومن باب الصرف والبذخ، فهذا منهي عنه، هذا إسراف، ويدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. فلا تغالي كذلك من غير مخيلة، ومأخوذ من الخيلاء، بمعنى الفخر والإعجاب والتطاول على الآخرين، فإن من الناس من لربما يجعل هذا الملبس مدعاء إلى التطاول على الخلق، التطاول على الحق، واحتقار الغير، من مثل لبسي وهندامي لا أحد، فلا يزال يستصغر خلق الله جل وعلا بما آتاه الله من لباس، فهذا لا يجوز، وهي من المحرمات، بل هي من الكبائر، لأجل هذا المرض، مرض الكبر والعجب والخيلاء. وغصح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في حق ذاك الرجل الذي خرج وهو ممن كان قبلنا، فكان في حلة يختال بها، يختال أي يتبختر بها، معجبًا بها، متكبرًا في نفسه، قال: في حلة يختال فيها، فأمر الله جل وعلا الأرض، فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، فدل ذلك إخواني في الله على أن اللباس الذي يلبس ما ينبغي أن تكلفه هذه الصفات الذميمة، فليكن فيه الصرف، ولا يكون فيه خيلاء. أما من حيث المبلغ، فتعطيه المبلغ الذي هو مبلغه، وهو سعره الذي يكون في الأسواق، أما أنك تغال فيه لا لشيء، إنما لقصد التبختر، فهذا لا يجوز. وهذا إخواني في الله يجرنا إلى أدب آخر من آداب اللباس، فإذا كنت مطالبًا بعدم الإسراف ولا الخيلة، إذن فأنت مطالب بضده، أن يكون لباسك فيه من التواضع ما فيه. ويدل على ذلك ما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام عند أبي داوود وعند ابن ماجة، أنه قال: «البذاذة من الإيمان»، والبذاذة فسرها العلماء بمعنى التقشف وعدم الترفه والتنعم، وهذا ضابطه أنك تلبس الذي تقدر عليه، تلبس بما تيسر لك. وثبت في الصحيح أن عائشة رضي الله تعالى عنها أخرجت كساءً وإزارًا غليظين، فقالت: قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما، أي مات نبينا وهو لابس لهذا اللباس، كساء غليظ وإزار غليظ، لربما الواحد منا لا يريد أن يلبسه، يلبسه فضلًا أن يتمشى به بين الخلق، فهذا نبيك عليه الصلاة والسلام كان هذا لباسه، وقُبِض وهو على هذا اللباس عليه الصلاة والسلام، فدل على أن المسلم إخواني في الله يلبس ما تيسر له. هل معنى ذلك يا عبد الله أنك تترك التجمل والتنظف والتطيب؟ لا، هذا ليس مدعاء لذلك، فأنت يا عبد الله مع لبسك على ما تستطيع عليه، فإنك تطلب الأفضل والأحسن، وهو التجمل والتطيب، كما سيأتي هذا ذكره، فقد قيل لرسول الله عليه الصلاة والسلام: أن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جميل يحب الجمال»، فالمسلم يحرص على الجمال في منظره، في ملبسه، في نعله، في عمامته، في الذي يستطيع عليه، لكن على قدر القدر والاستطاعة، بما تيسر، بما تيسر. وليس هذا إخواني في الله كذلك ذريعة لبعض من يتصنع الفقر ويتصنع المسكنة، قد فتح الله عليه وعندهم الأموال ما يكفيه في شراء الثياب الحسنة، لكنه يترك ذلك لماذا؟ يترك بخلًا من باب التبخل، يبخل على نفسه، أو يبخل على أهله وعياله، يطالبونه بكسوة، يقول: لا، لا، لا، لا، ما في داعي للكسوة. قال عليه الصلاة والسلام: «البذاذة من الإيمان»، التقشف، طيب، هذا ليس محله، هذا تبخل، أنت بخيل، أنت شحيح، الذي عنده نعمة وعنده ما ينبغي أن يظهر نعمة الله عليه. ولهذا صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»، إذا الله أنعم عليك بنعم، أظهرها يا عبد الله، وتظهر في ثيابك، في لبسك، في هندامك، في الذي تقدر عليه. فإخواني في الله، فالباب لا إفراط فيه ولا تفريط، لأنك يا عبد الله تتغالى في الثياب حتى تجعلها مدعاة للخيلاء والتطاول على الآخرين، فتعجب بنفسك وبحلتك، أو أنك يا عبد الله تحجم هذا الباب لدرجة أنك تصطنع الفقر وتتبخل وتشعر الناس أن الله سبحانه وتعالى جعلك في هذه الغاية من الفقر والبؤس، مع أنه عندك الذي ينبغي أن يظهر، وذلك من باب إظهار نعمة رب عليك. فالأمر إخواني في الله وسط، فالمسلم مطالب بأن يظهر الذي يستطيع عليه من التجمل والتنظف والتطيب وهكذا، كان نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا يجرنا كذلك إلى مسألة وهو من الأدب من آداب اللباس، وهو يتعلق بأمر الخيلاء والمفاخرة، من صور ذلك يا عبد الله ما يكون من جر الثياب من جر الثياب على الأرض. فالرجل، وهذا حكم خاص بالرجال، وسيأتي ما يتعلق بالنساء في حينه، فالرجل مطالب في لبسه، إن لبس قميصًا أو لبس إزارًا، عليه أن يكون هذا فيه نوع من الترفع من الأرض، أما أنك تجعل هذا الثوب من إزار أو قميص يجر على الأرض وأنت تجره، هذا لا يجوز، بل هذا يعد من الخيلاء، يعد هذا من الخيلاء، وأن فاعله متوعد بعذاب الله جل وعلا. وهذا يفعله بعض العظماء والكبراء، قال عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيحين من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا»، جر إزاره بطرًا، أي سبب هذا الجر والإطال للثوب التطاول لطلب البطر، وهو الفخر. وجاء كذلك في الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ قريب، قال عليه الصلاة والسلام: «من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة»، لا ينظر الله إليه يوم القيامة. وقد قسم العلماء أن جر الثياب إلى الأرض، وهذا كما قلنا خاص بلباس الرجال، يكون على ثلاثة أصناف. جر الثياب للرجال يكون على ثلاثة أصناف، منهم من يجر ثوبه، كما قلنا، يلبس قميصًا يلبس قميصًا حتى أنه يصل إلى الأرض، أو يلبس إزارًا معوزًا أو إسباعيًا كما تسمى في عرفنا، وهي تجر على الأرض، إن كان فعل ذلك لطلب الفخر والخيلاء والتبختر، فهذا وعيده شديد، فالله لا ينظر إليه يوم القيامة، بل يمقته لهذا المرض. الصورة الثانية، إن كان فعل ذلك لا لقصد الخيلاء، وإنما هي عادة، ويراها أنها زينة، كما يجري في عرف بعض الناس، كحال بعض من يلبس القميص فيجعله يسحل في الأرض، أو يلبس الإزار، للأسف نجد في هذه الأزمان أنك تجد بعض الناس من يلبس الأزر كالمعاوز والسباعيات، فيتجعلها تتدلى حتى تصل إلى نعليه، تصل إلى نعليه، فهذا انتخذ ذلك تقول عادة، أو يراها زينة، أو يراها ما يسمى الآن بالموضة الجارية عند الشباب، فهذا كذلك متوعد بما جاء في البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار»، ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار. فالكعب هو المنتهى في حق لباس الرجال، الكعب هو المنتهى، لا تجعل شيء من ثيابك تنزل عن الكعب، فهذا صاحب متوعد. الصورة الثالثة من جر الثياب في حق من جر ثوبه من غير قصد، من غير قصد، لربما يأتي هذا في بعض الحالات، مثل كأن رجل يلبس إزارًا وهو في حال العجل، والإزار يسحل، يريد أن يلحق أمرًا، يريد أن يلحق الشخص يتكلم في أمر من الأمور، خرج والإزار يسحل عليه، ما أراد هذا. فإن خرج ذلك منه من غير قصد، وأطال، فلا شيء في ذلك، ويدل على ذلك ما جاء أن نبينا صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي خسفت به الشمس، خرج إلى الناس وهو يجر ثوبه، قال الراوي: مستعجلًا يجر ثوبه مستعجلًا، فهذه حالة، حالة لربما بعض الناس يبتل بها، يسحل عليه ثوب من غير قصد، فهذا لا يضر. ومثله ما جاء لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، عندما سمع أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن من جر ثوبه خيلاء، فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة، فقال الصديق: يا رسول الله، إن أحد شقي إزاري يتطاول، يعني مثل الذي يلبس الإزار أحيانًا ما يضبط، يضبط ماذا؟ الحزام، فأحيانًا يتدلى شق شق عليه، يأخر جانب أسفل وجانب أعلى يتدلى. فقال الصديق: أن ثوبه في هذا المقام يتدلى عليه، وهو يتعاهده كل ما رفع نزل، كل ما رفع يحاول، فقال عليه الصلاة والسلام: «لست منهم»، أنت لست منهم، أي أنت لا تدخل في الحديث. ولهذا إخواني في الله لا يفرح بعض الناس كما نسمعهم من بعض من يهون ويسهل في قضية الإسبال، يحتج بحديث أبي بكر بأن أبا بكر كان ثوبه يطول عليه، وأقره نبينا، لا، لأمر ليس بهذه الحالة. لأنت لو نظرت إلى الحديث تجد أولًا أن الصديق ليس الثوب الجميع كله في الأرض، وإن أحد شقيه، فأحد شقيه هذه مسألة، والثاني أن الصديق يتعاهده، يرفع ويربط، يتدلى ويرفع، فهو يكابد، فهل أنت كذلك يا أيها المطول يا أيها المسبل؟ هل أنت تتعاهد ثوبك؟ أم أنك راضي بهذا؟ ففرق بين فعل الذي قد أسبل ثوبه وهو راض بهذا، بين الصديق الذي وقع منه الإطالة في أحد جوانب الثوب، مع أنه يتعاهده. زد على الأمر الأول والثاني أن الذي حكم عليه بالقبول هو النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «أنت لست منهم»، فمن يضمن لي أن هذا المسبل أو ذاك المسبل ليس ممن توعده الله جل وعلا؟ ما أحد عندنا هذا الضمان. فقصة الصديق رضي الله تعالى عنه قصة لها ملابساتها، وليقس أحدنا عليه، أي رضي الله تعالى عنه. فالشاهد إخواني في الله، فهذا مما يذكر من آداب اللباس. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.