الدرس في آداب اللباس 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل شروط الحجاب الشرعي للمرأة، مشيرًا إلى أهمية أن يكون الحجاب ساترًا وغير زينة في نفسه وصفيقًا. يُبرز أهمية هذه الشروط في تجنب سخط الله.
يفصل هذا الفصل شروط ستر المرأة لجسدها، متضمنًا أن يكون الثوب ساترًا وغير شفاف أو ضيق أو متعطر. يُوضح أهمية هذه الشروط في الالتزام بالحجاب الشرعي.
يُناقش هذا الفصل ضوابط الحجاب الشرعي للمرأة المسلمة، ويشدد على تربية البنات على الستر منذ الصغر، مع تعداد لسبعة قيود للجلباب الشرعي.
يُركز هذا الفصل على أهمية تعليم النساء، كبيرات وصغيرات، ارتداء اللباس الشرعي الذي يتسم بالحشمة والعفة، مع التشديد على الالتزام بالشروط الشرعية.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في هذا الباب من باب الآداب، وخاصة في آداب اللباس، وخضنا وإياكم في أهم المباحث المتعلقة بهذا الباب، من ذكر ما ينهى عنه من الثياب، وهكذا ما يستحب من اللباس في كيفية اللبس، ومما يضاف كذلك من المسائل المهمة، وإن قد مر الإشارة عليها، مسألة الصفات التي ينبغي أن تتحلى بها المرأة في حجابها الشرعي. مرت معنا هذه المسألة، لكن في تنبيهنا على شرط واحد من شروط الحجاب الشرعي أن يكون ساترًا، والعلماء رحمهم الله تعالى قد فصلوا في الحجاب الشرعي الذي ينبغي أن تتقيد به المرأة، وهذه من المسائل المهمة في كتاب اللباس، إذ أننا نجد من كثير من نسائنا من لربما لا تبالي بهذا الباب، ولربما أوقعها هذا الإهمال إلى ما لا تحمد عقباه من جلب سخط الله سبحانه وتعالى، وما يكون من معصيته. إن الشروط التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في الحجاب الشرعي هي عدة شروط، منها أولًا ما مضى ذكره، أن يكون ساترًا، وذلك على القول الصحيح أن يكون مستوعبًا لجميع البدن، وقد مرت معنا الأدلة الدالة على هذا التعميم في أوائل مباحث آداب اللباس. الشرط الثاني من شروط الحجاب الشرعي أن لا يكون هذا الحجاب زينة في نفسه، بل يكون أبعد ما يكون من التزين والتجمل، لأن الغرض من الجلباب ومن الحجاب أن المرأة تستتر فتبتعد عن أنظار الناس، فالعبرة من الجلباب ومن الحجاب هو الاستتار لا جلب الأنظار. وقد ابتلينا في هذه الأزمان بما يسمى ببعض العبايات التي طرأت وظهرت في الآونة الأخيرة، وفي الحقيقة كالفستان، ليست عباية، لما ترى من كثرة النقوش ومن كثرة التلاوين والزينة، أو بعضها ما يكون من القماش اللماع الذي لربما يصرف الأنظار، حتى أن الرجال لربما يلتفتون إليها ما لا يلتفتون إلى غيرها لشدة الزينة التي وقعت بها المرأة في هذا الحجاب. ولهذا يقول علامة الألباني رحمه الله تعالى: "فلا يُعقل حينئذ أن يكون الجلباب نفسه زينة، هذا لا يُعقل أن يكون الحجاب زينة؟ لا، هذا ما يُعقل، بل هو إنما يُغطي الزينة". الشرط الثالث من شروط الحجاب الشرعي التي ينبغي على المرأة أن تتقيد به أن يكون صفيقًا لا يشف، صفيقًا لا يشف، أن يكون غليظًا فيه نوع من الغلظة أو الكثافة، بحيث أنه لا يشف ما خلفه ولا يُظهر ما وراءه. وينزل العلماء رحمهم الله تعالى ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، في قوله عليه الصلاة والسلام: "صنفان من أمتي لم أرهما، نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات"، خرجها العلماء رحمهم الله تعالى على هذا القيد، وهي الثياب التي تشف ما وراءها. فإن قلت لابسة هي لابسة، لكنها هي بالحقيقة قد عرت عما وراءها من شفافية الثياب، ولهذا ألزم العلماء الحجاب الشرعي للمرأة أن يكون هذا الحجاب ساترًا لما قلفه من الأعضاء، فإن لم يكن ساترًا فهذا يدخل في الحديث "صنفان من أمتي لم أرهما" أي من أهل النار "نساء كاسيات عاريات". والستر إخواني في الله أن تكون المرأة تستر أعضاءها، فلا تلبس مثلاً عباية وهذه العباية كما يسمى الآن بالمخيش، بحيث من أسفل أو من الأردان، بحيث تظهر الأعضاء من خلفها، لربما تنظر إلى شيء من ذراعها أو أن تنظر إلى شيء من قدمها من خلال هذا الخشخاش أو من خلال شفافية العباية من الأسفل. أو ما يكون من تغطية الوجه، الوجه مغطى صحيح، لكنه رقيق، بحيث الناظر ينظر من خلاله إلى ما وراءه، فهذا لا يعد جلبابًا ولا يعد حجابًا، ولهذا اشترط العلماء في الجلباب الذي تتستر به المرأة أن يكون ماذا صفيقًا بحيث لا يشف. وأما الشرط الرابع أن يكون فضفاضًا فلا يصف، فضفاضًا بمعنى واسعًا، ولا يجسم أو يحجم الجسد، لأن من الثياب مثلاً قد يكون الشرط الأول ساترًا يعني جميع الأعضاء، والثاني أن يكون كذلك ليس بزينة، فهو أسود مثلاً، والثالث أنه ليس بشفاف، بل العباية كثيفة، لكن الشرط الرابع غير متواجد. ما هو الشرط الرابع؟ أنه لا يحجم، فقال علماء: أن يكون فضفاضًا فلا يصف، لأن بعض الثياب، بعض العبايات مثلاً تكون من الضيق أن تحجم الأعضاء، تجد بعضهم تخرج كأنها لابسة لقميص مثلاً لشدة الضيق، بحيث تعرف حجم الذراع وحجم العضد، هذا تحجيم العورة، هذا ليس فيه ستر لها. فالناس قد علموا مقدار الطول والعرض والسمك والسمانة والنحالة، قد علموا من خلال الضيق الذي في هذا الثوب، أو ما يكون الضيق في الخصر، أو ما يكون كذلك في باقي الأعضاء يكون ضيقًا، وهذا لا يجوز. وقد جاء في مسند الإمام أحمد من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه قال: "كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم قبطية كثيفة"، أي من لباس أهل القبط كثيفة، قال: "فكسوتها امرأتي"، فقال عليه الصلاة والسلام: "ما لك لا تلبس القبطية؟" أي الثوب الذي أهديته لك، لما لا تلبسه؟ قال أسامة: قلت يا رسول الله كسوتها امرأتي، أي جعلتها لامرأتي، فقال عليه الصلاة والسلام: "مرها أن تجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن يصف حجم عظامها"، وهذا الحديث حسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى بشواهده. وبهذا تعلم أن الثوب الذي ينبغي أن تتقيد به المرأة أن يكون فضفاضًا، الفضفاض يبتعد كل البعد عن تحجيم وتجسيم وتجسيد أجزاء المرأة. كذلك الشرط الخامس في جلباب المرأة أن لا يكون مبخرًا، فلا يخرج ولا يصدر منه طيب ولا رائحة ولا بخور ولا شيء من ذلك، وقد جاءت الأحاديث الدالة على عظم النكال في حق من تهاونت في هذا الشرط. فقال عليه الصلاة والسلام كما روى ذلك النسائي من حديث أبي موسى الأشعري قال عليه الصلاة والسلام: "أيما امرأة استعطرت فخرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية"، قال علماء: أي أن لها الإثم، وذلك لأنها من أعظم الدواعي إلى وقوع هذه الفاحشة. فلربما الرجال في منأى عن التفكير بهذه الفاحشة، لكن لما تمر المرأة وهي قد تعطرت فيجد الناس ريحها، فلربما هذا أشغلهم بما في كوامن أنفسهم، فلربما ما أطفأ ما في نفوسهم إلا بفعل الفاحشة، فما كان من كان السبب في هذه الدواعي هذه المرأة، وما كان من طيبها وما كان من عطرها. فالمرأة عليها أن تكف، ومن تأمل في أحوال باقي المجتمعات لرأى العجب العجاب، يجد أن المرأة قبل أن تخرج تتعطر هنا وهنا وهنا، وثم تخرج حتى يجد الناس الفئام من الناس في كل طريقها من بيتها إلى معملها وإلى محلها وإلى سوقها، والناس يجدون ريحها وهي لا تبالي. وهي واقعة في هذا الإثم العظيم، بل إن هذا الأمر إخواني في الله حتى في حق المرأة العابدة المتعبدة، حتى في حق المرأة العابدة المتعبدة المصلية، فقد ثبت في صحيح مسلم، قال من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: "أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء"، أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء. حتى لو أن أرادت المسجد، بيت من بيوت العبادة ودور التعبد، لكنها خرجت من خرام هذا الشرط، فلا تخرج، فهذا قيد مهم إخواني في الله في أمر الجلباب. كذلك الشرط السادس في لباس المرأة أن لا يكون فيه شبه أو تشبه بلباس الرجال، فقد جاء في البخاري من حديث ابن عباس قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال". وهكذا سابعًا أن لا يشبه هذا اللباس وهذا الحجاب والجلباب ما يكون من لباس الكفار، أن لا يكون من خصائصهم ولا من عاداتهم ولا من تقاليدهم التي اختصوا بها، فمن كان من لباس الكفار فيبقى في بلاد الكفار، لا نأتي به إلى بلادنا ونتستر به. ولهذا ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عليه ثوبين معصفرين"، رأى عليه ثوبين معصفرين، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها"، فذكر نبينا علة المنع، وهي أنها من ثياب الكفار، فما علم من ثيابهم فما ينبغي أن يتخذ من زينة أن يتخذ من زينة. فهذه إخواني في الله سبعة قيود وضوابط جعلها العلماء في الحجاب الشرعي الذي ينبغي أن تتقيد به المرأة، وكذلك مما ينبغي عليه وإن كان هذا الكلام في حق المرأة البالغة التي تخرج، كذلك ينبغي أن نربي من كان دون ذلك. فالأمهات مثلاً ليس تنظر إلى بنتها الصغيرة التي لم تبلغ على أن القلم لم يجري عليها، فتتساهل في أمر حجابها وجلبابها وفي أمر لباسها عند مخرجها، لا، وإنما عليها أن تعودها وأن تلبسها اللباس الساتر البعيد الذي يكون بعيدًا كل البعد عن الفتنة. للأسف نجد في هذه الأزمان أن الناس قد أصبحوا يلبسون بناتهم من الثياب والألبسة التي ليست هي من شريعة ديننا، وليست هي كذلك من عادات بلادنا، إما ثياب ما فوق الركبة، أو أن ثياب لربما تظهر نصف الصدر، أو ثياب لربما تظهر الآباط، ولو كان في حق الصغار، هذا ليس يا عبد الله من التربية الحسنة. من التربية الحسنة أن تتربى الصغيرة على هذا، فإنها تعتاد، فمن اعتاد على شيء نبت عليه، وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما عوده عليه أبوه، فالناشئ ينشأ على ما اعتاد عليه، فمن اعتاد على الستر والتستر فإنه يكبر وينمو عليه، ومن اعتاد على التفسخ والتبذر والعري فإنه ينشأ عليه. ومن الصعب إخراج الناس عن العادات التي هم اعتادوها، فالحرص يا عبد الله، والسلام يا أولياء الأمور، وخاصة يا أمهات، ونحن نتكلم عن اللباس المتعلق بالنساء، أنهن الكبار يتقيدن بهذه الشروط، ويا حبذا في حق الصغار أن يعلمن مثل هذه الألبسة التي تكون بعيدة كل البعد عن التفسخ، وأن تكون ألبسة فيها من الحشمة ومن العفة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.