التعليق على الجواب الكافي 102

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 102، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تقسيم الشرك وبيان شرك التعطيل

يناقش تقسيم الشرك إلى نوعين ويشرح شرك التعطيل كأحد أنواع الشرك الأول. شرك التعطيل هو نفي وجود الله أو تعطيل صفاته وأسمائه.

تعريف وتفصيل شرك التعطيل وأقسامه

يعرّف شرك التعطيل ويبين أقسام التعطيل الثلاثة: تعطيل المصنوع عن صانعه، وتعطيل الصانع عن كماله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد. يعتبر التعطيل شركاً في أقسام التوحيد الثلاثة.

توضيح عقيدة شيخ الإسلام ابن تيمية والرد على الاتهامات

يشرح موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من مسألة الحوادث وقدم العالم، ويفرق بين المسألتين. يرد على من اتهموه بقدم العالم لعدم فهمهم وتفريقهم بين المسألتين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فنقول وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمد المعونة والتسديد، فإنه من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. قال: والشرك شركان. قدم هذه المقدمة لأن هذا المبحث مبحث عظيم في أنواع الشرك، فقال: الشرك شركان، أي الشرك الأكبر أو جميع الشرك، ثم بعد ذلك يتنوع إلى أكبر وأصغر، لكن هنا الظاهر أنه يريد الشرك الأكبر. قال رحمه الله: شرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. أما شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهذا هو الشرك في الربوبية والأسماء والصفات. وشرك يتعلق في عبادته ومعاملته، وهو شرك الإلهية، شرك العبادة. وهنا قال: وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، مثل ما يقوله بعض المتكلمين، كأشعرى، فيقول: إن الله واحد لا شريك له في ذاته، ولا قسيم له في صفاته، أو يقول: واحد في صفاته، وواحد في أفعاله، واحد لا شريك له في أفعاله، ولا شريك له في صفاته. فهم الآن الذي يقرأ مثل هذا يظن أن هؤلاء من الموحدين، لكن هذا الذي ذكروه كله في توحيد الأسماء والصفات والربوبية، فقوله: لا شريك له في ذاته ولا في صفاته، هذا في الأسماء والصفات، وقوله: ولا في أفعاله، أي في الربوبية. وأما العبادة فلم يذكروها، شرك العبادة لم يذكروه، وهذا غالب كتب الأشاعرة والمعتزلة تجد أنهم ما يذكرون شرك العبادة أو الشرك في العبادة، مع أن القرآن قد أكثر منه. وهذا يدل على بعدهم عن كتاب الله جل وعلا. فهذا الشرك هو متعلق بالأسماء والصفات والربوبية، لكن ذكر الإمام هنا شرك في عبادته ومعاملته، أي شرك في الولوهية. وهذا على التقسيم معروف أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، والولوهية، والأسماء والصفات، أو التوحيد العلمي الخبري، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، والتوحيد الإرادي الطلبي، وهو توحيد الولوهية. قالوا: الشرك الأول نوعان، أحدهما شرك التعطيل. أما الشرك الأول، وهو شرك في الأسماء والصفات وفي الربوبية، قال: نوعان، أحدهما شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. ومن أعظم شرك التعطيل شرك تعطيل الخالق جل وعلا عن إنكار وجوده، فهذا من أعظم التعطيل. والتعطيل مراد به النفي، فأقبح أنواع الشرك هو شرك التعطيل، وخاصة تعطيل الذات أو تعطيل الوجود، إنكار وجود الله عز وجل، وهذا هو مذهب الدهرية. كذلك مذهب الملاحدة، من أولئك فرعون، قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿وَمَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. وأيضا هو كفر وشرك الذي حاج إبراهيم النمرود، كما جاء في كلام السلف أنه النمرود، وإنما اختلف: هل هو بن كنعان أو غيره؟ فأيضا كذلك كان من المعطلين. قال: وقال تعالى مخبرا عنه أنه قال لهامان: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾، وهذا أيضا شرك التعطيل. قال: والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل؛ لأنه ينفي ما كان لله عز وجل ومختص به الله سبحانه وتعالى، فينفيه ويعطله ويجعله لمخلوق، فلهذا كل مشرك معطل. وكل معطل مشرك، المراد في هذا الباب. لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل؛ لأن الشرك قد يكون بشيء آخر غير التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرا بالخالق سبحانه بصفاته، ولكن عطل حق التوحيد، وهو أشرك في العبادة. قال: وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل: تعطيل في الأسماء والصفات، وتعطيل في الربوبية، وتعطيل كذلك في باب العبادة أن تصرف لغيره، ففيه نفي لما يستحقه الله جل وعلا. ثم قال: وهو ثلاثة أقسام: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وهذا في الربوبية. وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس، بتعطيل أسمائه وصفاته وفعاله، وهذا أيضا في توحيد أو شرك في الأسماء والصفات، وكذلك شرك في الربوبية. قالوا: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، وهذا الشرك في الإلهية وشرك العبادة. قالوا: من هذا شرك طائفة من أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثم خالق ومخلوق، وهذا تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه. وتعطيل أهل وحدة الوجود الذين لا يعترفون بأن هنا خالق ومخلوق، ويقولون: ما ها هنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق، المشبه عن الله هو عين المخلوق، أن ما في هناك خالق ومخلوق، وإنما كل مخلوق هو الله. فقالوا: بل الحق المنزه -ويريدون الله عز وجل- هو عين الخلق، المشبه أي المخلوق. قالوا: منه الشرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، يعني لا يؤمنون بأن العالم مخلوق، بل يقولون أن العالم قديم، وجد ليس له خالق، وأنه لم يكن معدوما أصلا. وهذه عقيدة الفلاسفة كابن سينا وغيره، لكن افترقوا في أصل هذا العالم، فمنهم من قال بعقيدة العقل الفياض: أن هناك عقلا فاض فخلق هذا، فتكون منه هذا الكون. وهذه عقيدة الملاحدة كابن سينا والفارابي وغيرهم من هؤلاء الفلاسفة الذين يؤمنون بقدم العالم. وبعض هؤلاء أهل البدع لما قال شيخ الإسلام بأنه لا حوادث لا أول لها، ظنوا أنه يقول بقدم العالم، فاتهموه بذلك، وهذا لعدم فقههم وتفريقهم بين المسألتين. فشيخ الإسلام رحمه الله يؤمن بأن العالم مخلوق، لكن لا يجعل هناك حدا معينا للمخلوقات، أو لحوادثه سبحانه وتعالى، أو لأفعاله جل وعزه. ليس يقول: أنه لا حوادث لا أول لها؛ لأنه لو قلنا أن هناك حوادث لها أول، فمعنى ذلك أن الله عز وجل في وقت من الأوقات كان معطلا عن الفعل، وهذا كلام باطل، أن هذا لازم باطل. فلهذا كان شيخ الإسلام رحمه الله وغيره -بل يذكر ذلك عن السلف- أنهم يقولون بحوادث لا أول لها، فالله عز وجل خالق ويخلق، ورازق ويرزق. ولهذا من القواعد التي ذكرها شيخ الإسلام: أن أسماء الله عز وجل أسماء أوصاف وأعلام، أوصاف وأعلام، ليس كأسماء المخلوق، المخلوق إنما أسماء مجردة، أعلام فقط مجردة ليست لها أوصاف. فلهذا بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن القول بحوادث لا أول لها ليس هو القول بقدم العالم، كما يظنه كثير من الأشاعرة وغيرهم، حتى ألف بعضهم يتهم شيخ الإسلام بذلك، كما فعلت صفدية صاحب الأردن. قال رحمه الله: والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها، يسمونها بالعقول والنفوس. أما كما قلنا: بعضهم يقول أن هناك عقلا فاض فخلق هذا العالم، وبعضهم يجعل هذا من النفوس التي وجدت فخلقت هذا العالم. قالوا: من هذا شرك من عطل أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله، من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يثبتوا له اسما ولا صفة، حتى صفة الوجود. لما قيل لهم: أن الله عز وجل موجود، والمخلوق موجود، فالجهمية لم يستطيعوا أن ينفوا صفة الوجود؛ لأنهم لو نفوا صفة الوجود، معنى ذلك أنهم نفوا الله. وأما القرامطة فقالوا: الجهمية جعلوا الله عز وجل كالشيء الجامد الذي لا حركة له، ولا أيضا كذلك صفات، معنى الشيء الذي لا يتحرك مثل الجدار وغيره، فهو موجود لكن لا حركة له، ولا أسماء ولا صفات، تعالى الله عز وجل عن قولهم علوا كبيرا، سبحانه وتعالى. وعما يصفه القرامطة، فتجرأوا وقالوا: لا موجود ولا معدوم، لا موجود ولا معدوم، أنا جمع بين النقيضين. قال: فلم يثبتوا له اسما ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ لأنهم جعلوا المخلوق له صفات، وأما الله عز وجل فلا صفات له ولا أسماء كما يقولون. قال: إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها. فهذا أنواع شرك التعطيل: تعطيل الصانع عن صانعه وخالقه، وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس، بتعطيل أسمائه وصفاته وفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. فالتعطيل هو الشرك في معنى أقسام التوحيد الثلاثة.