التعليق على الجواب الكافي 104

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 104، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم الشرك في العبادة وأنواعه

يشرح الإمام ابن قيم الجوزية مفهوم الشرك في العبادة وأشكاله المختلفة. يُوضح أن الشرك يحدث عندما لا يخص الشخص الله بالعبودية ويشرك معه غيره.

آثار الشرك والرياء على العبادات

الشرك في العبادة يبطل ثواب العمل وقد يعاقب عليه، والرياء قد يحبط العمل كله أو يذهب بعض الأجر حسب نوعه ووقوعه في العمل. يجب إخلاص العبادة لله وحده.

تأثير الأغراض الدنيوية والرياء على صحة العبادة

دخول الأغراض الدنيوية على العبادات يؤثر على صحتها وأجرها، ويفرق بين من يبتدئ العبادة بنية الرياء ومن يدخل عليه الرياء أثناء العبادة. الرياء يعد من أكبر المخاطر التي تهدد الإخلاص.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: فصل في الشرك في العبادة. قال: وأما الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك وأخف أمرًا، فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، ولكن لا يخص الله في معاملته وعبوديته، بل قد يعتقد أن الله عز وجل يعبد، لكن لا يخصه سبحانه وتعالى بالعبودية، بل يشرك معه غيره، ظنًا منه أنه يتقرب إلى الله بذلك، ﴿وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾، وقالوا: ﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾. بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة. وهذا أيضًا شرك في العبادة، وهو الشرك الأصغر الذي يخص كما قال: لا يخص الله في معاملته وعبوديته، بل يطلب فيه بعض المصالح وأطماع الدنيا. قال: ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب. هذا حال أكثر الناس، وهو الشرك الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن حبان في صحيحه: «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل». قيل: وكيف ننجو منه يا رسول الله؟ قال: «قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم». وهذا الحديث جاء من طرق، لكنها أكثرها ضعيفة. فالطريق التي أخرجها ابن حبان في المجروحين فيها رجل يقال له عبد العلا بن عين، وهو يروي منكرات. وجاء له ما يشهد له من حديثه عن أبي بكر الصديق، لكن في إسناده ليث بن أبي سليم، وشيخه أيضًا فيه مجهول. وليث بن أبي سليم يخلط، فلا يعتمد عليه. وجاء أيضًا له شاهد من حديث موسى، وأيضًا في إسناده جهالة. فلهذا فالحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. والشيخ الألباني حسن بعضه، وحسنه في بعض كتبه، وضعفه في بعضها، وذكره في الضعيفة. والظاهر أنه لا يصح لشدة ضعف طرقه. قال رحمه الله: فالرياء كله شرك. قال الله عز وجل: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. أي: كما أنه إله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده. فكما تفرد بالإلهية، يجب أن يفرد بالعبودية. فالعمل الصالح والخالي من الرياء المقيد بالسنة. وكان من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا». وهذا إسناده منقطع، فالحسن البصري رواه عن عمر، والحسن لم يسمع من عمر، بل لم يدركه، إنما ولد في آخر سنتين من خلافة عمر. قالوا: هذا الشرك في العبادة يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجبًا، فإنه ينزله منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك الأمر. فإن الله سبحانه إنما أمر بعبادته عبادة خالصة. قال الله عز وجل: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾. فمن لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمره به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به، فلا يصح ولا يقبل منه. ويقول الله: «أنا أغنى شركاء عن شرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه». وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم. والآن مسألة الرياء هذه تختلف في الأعمال، فقد يحبط الرياء العمل كله، وهذا غالبًا مثل أعمال المنافقين، يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا. فالذي أعماله كلها رياء، فهذه أعماله حابطة لا تقبل. وقد يأتي الرياء ويطرأ على العمل، يكون مثلًا العمل من بدايته فيه خلاص، لكن فيه رياء من بدايته، وهذا يذهب ثواب الأجر. «أنا أغنى شركاء عن الشرك» يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «أنا أغنى شركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته للذي أشرك، وأنا بريء منه». فهذا إذا كان في أول العمل. وأما إذا طرأ على العمل، أي الرياء طرأ على العمل، فقد يذهب بعض الأجر. مثلا إنسان يصلي لله، ثم دخل عليه مثلا رأى إنسانًا يعرفه، مدرسًا له أو أبًا أو زميلا، فحسن صلاته، فهذا الرياء طرأ على العبادة، فهذا ليس كالذي يكون في أصل العبادة. فهذا ممكن أن يذهب الأجر، وممكن أن يذهب أكثر أجر. كذلك أيضًا من الرياء الأغراض الأخرى التي تعتري العبادة، فقد يكون مثلًا المسلم يعمل العمل مخلصًا لله، لكن تدخله أو تدخله بعض الأغراض في وقت العمل أو في نفس العمل. فهذا غالبًا لا يبطل العمل، لكن قد تنقص أجره. قد تنقص أجره، مثلا يكون عمله لله، ثم تدخل عليه نية أخرى، مثلا مدرس يدرس القرآن لله، فأعطي شيئًا من المال فوجد أن هذا أفضل، فهذا لا يؤثر في نيته، فالنية صحيحة والإخلاص صحيح، لكن قد ينقص من أجره. كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم. فهذا الذي له أغراض ليس كالذي ليس له أغراض بتاتًا. وأما إن كان مثلًا لا دخل لهذه الأغراض في العبادة، وإنما الأصل أنه مخلص لله، ودخلت هذه الأشياء، لكنها لم تؤثر على نيته، فهو باق على ما هو عليه. إن أعطي شيئًا أخذه، وإن لم يعطَ لم يؤثر في نيته. فالعلماء في هذا الباب منهم من يأخذ هذا الأمر، وهو جائز، وكذلك لا يؤثر في نيته ما دام أن النية أصلها الإخلاص. ولا يؤثر حتى في أجره على قول كثير من العلم. وبعض العلماء تورع في مثل هذا، فلم يأخذ شيئًا، كبعض الأئمة كسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم، تورعوا في هذا خشية أن يؤثر في نيتهم. لكن الأصل أن هذا لا يخدش في النية، لأن أصل العبادة على الإخلاص، وإنما جاء هذا الغرض وهو لم يطلبه، وأيضًا لم يؤثر في نيته ولم يؤثر في عمله. وإنما ذلك الذي يؤثر في النية إذا كان قد أثر في العمل، مثل ما ذكر الله عز وجل عن المنافقين: ﴿إن يعطوا يرضوا وإن لم يعطوا إذا هم يسخطون﴾. أو أنه يجعل هذا العمل الذي هو لله يجعله معرضًا لهذه الأموال التي يعطى، إن أعطي فعل وإن لم يعطَ لم يفعل، يقول: ما أعطيت شيئًا حتى أفعل. وكأنه يفعل لهذا المال، فهذا قد يؤثر في نيته وفي إخلاصه. فلهذا فالرياء من أعظم الأمور التي تدخل على العبد من حيث لا يشعر. ولهذا كان الإمام سفيان الثوري رحمه الله، وهو ذلك الإمام العظيم، يقول: «أصعب علي نيتي، فإنها تتقلب علي».