الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح الفرق بين نوعين من الذبائح في الحج والعمرة، حيث يمكن الأكل من النوع الأول والتصدق به، بينما يجب التصدق بكامل النوع الثاني. يُوضح ذلك في سياق الأضاحي والعقيقة وهدي النسك وفدية ترك واجب أو فعل محظور.
يتناول شرح الفروق بين أنواع المغالبات في الإسلام، مقسمة إلى ثلاثة أقسام مع توضيح الشروط والأحكام. يُبين ما يحل وما لا يحل منها، مع تقديم أمثلة توضيحية.
يشرح الفروق بين الحالات التي تثبت فيها الشفعة وتلك التي لا تثبت، وكذلك الحالات التي تصح فيها الوكالة وتلك التي لا تصح. يُوضح ذلك في سياق العقارات والمشتركات وحقوق الله المتعينة.
يتناول تفاصيل الوكالة في الأمور التي لا يتعلق فعلها بالإنسان بنفسه، مثل العقود المالية والفروخ. يُبين جواز توكيل شخص آخر للقيام بهذه الأمور نيابة عن الشخص الأصلي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام السعيد رحمه الله في كتابه «الفروق والتقاسيم البديعة النافعة»: قال: ومن الفروق الصحيحة الفرق بين الذبائح: الهدايا والفداء والأضاحي ونحوها من ذبائح القرب، أنها نوعان: نوع له الأكل منها والصدقة والهدية، وهو الأضاحي الواجبة والمستحبة، والعقيقة، والهدي الذي هو دم نسك، كدم المتعة والقران، والهدي المستحب، فهذا كله يأكل منه، يتصدق ويهدي. النوع الثاني: تجب الصدقة به كله، وهو ما وجبه لترك واجب من واجبات الحج والعمرة، أو فعل محظور؛ لأنه دم حلال بمنزلة الكفارة. هذا الفرق من الفروق الصحيحة. الفرق بين الذبائح: الهدايا والفداء والأضاحي ونحوها. الهدايا: ما يهدى إلى البيت الحرام من بهيمة الأنعام. والفداء: ما يذبح فدية لترك واجب من واجبات الحج، أو فعل محظور، مثل حلق الرأس إذا حرق المحرم رأسه بسبب مرض، فإنه يفدي، كما قال الله عز وجل: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾، ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾، فسمى الله عز وجل هذا الذبح فدية. والأضاحي: ما يذبح في أضحية في ضحى يوم العيد، يوم النحر، ونحوها كالعقيقة. وكذلك أيضًا النذر. فيقول: هذه الذبائح على قسمين ونوعين: نوع له الأكل منها والصدقة والهدية، يعني يأكل ويتصدق ويهدي، وهذا ليس على سبيل الإلزام، إنما على سبيل الاستحباب، وهو قول جمهور أهل العلم. فهذا القسم الثلاثية ليست بلازمة له أن يأكل ولا يتصدق أو يهدي، لكن يستحب أن يتصدق بشيء ويهدي منها لغني، مثلًا بشيء، لقول الله عز وجل: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كلوا وتصدقوا وادخروا». قال: وهو الأضاحي الواجبة والمستحبة. الأضاحي الواجبة التي أوجبها الإنسان على نفسه، كان نذر أن يضحي، فتكون هنا الأضحية واجبة، والمستحبة ما كان من غير نذر، أو على القول بوجوب الأضحية فتكون الأولى واجبة والثانية مستحبة. والعقيقة وهي مستحبة في قول جمهور أهل العلم، ما يذبح في اليوم السابع عند ولادة المولود. قال: والهدي الذي هو دم نسك، كدم المتعة والقران. دم المتعة إذا حج الإنسان متمتعًا فجمع بين عمرة والحج في سفرة واحدة، بعد أن يعتمر يتحلل من عمرته ثم يهل بالحج في اليوم الثامن، فهذا يجب عليه هدي، أو حج قارنًا بأن جمع بين العمرة والحج كذلك بسفرة واحدة، وبقي محرمًا بعد أداء العمرة حتى ينتهي من الحج. قال الله عز وجل: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾، فهذا الهدي يجوز الأكل منه، يجوز الأكل منه. والنبي صلى الله عليه وسلم لما أهدى في حجته، حجة الوداع، أهدى مئة ناقة، أمر بكل بضعة أو جزء من كل ناقة وطبخت، فأكل من لحمها وشرب من مرقها. قال: إن هذا النوع الأول يجوز الأكل منه والصدقة والهدية: الأضاحي، العقيقة، هدي النسك. نعم. قال: النوع الثاني تجب الصدقة به كله، وهو ما وجب لترك واجب من واجبات الحج والعمرة، أو فعل محظور، كمن ترك الإحرام من الميقات، من ترك الإحرام من الميقات هذا واجب من واجبات الحج، فإنه عليه دم، أو ترك الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، فأفاض قبل غروب الشمس، هذا ترك واجب، أو غير ذلك من واجبات الحج، أو فعل محظورًا كلبس المخيط، يعني ثياب المجسمة على الجسد، أو حلق رأسه، أو غطى رأسه، أو تطيب، ومحرم، إلى آخر ذلك من محظورات الإحرام. وصل الأهل العلم بهذا بأثر ابن عباس: أن من ترك واجبًا أو فعل محظورًا فعليه دم. وهذا الأثر روي مرفوعًا ولا يصح، وصح موقوفًا من قوله رضي الله عنه. على أن يعني فتخالف بعض السلف في هذه المسألة، وقال بأن وجوب الدم لا يجب إلا بما دل عليه الدليل، كحلق الرأس أمر الشرع بالفدية، أما غيره من المحظورات فالصحيح أن إيجاب دم فيها يحتاج إلى دليل صريح صحيح في ذلك. وقد يترك الإنسان الواجب يعني نسيانًا أو جهلًا، أو يفعل المحظور كذلك على جهة الجهل أو النسيان، ففي هذه الحال ليس عليه شيء. إنسان نسي أنه محرم وغطى رأسه هذا لا نوجب عليه الدم لأنه ناسي، أو يعني شغل بالزحام فما وصل إلى مزدلفة إلا عند الفجر، ففاته النزول بمزدلفة، هذا ترك واجب، هل نلزمه بالدم؟ الجواب: لا؛ لأنه معذور. نعم. فقد يعمل بأثر ابن عباس فيمن ترك محظورًا، أو فيمن ترك واجبًا أو فعل محظورًا عامدًا ذاكرًا، وهنا يقال بأثر ابن عباس حتى لا يتساهل الناس في ترك واجبات الحج أو فعل محظورات الحج أو العمرة. فعلى كل هذا الدم الذي يذبح لترك واجب أو فعل محرم لا يأكل منه، فلتصدق به كله على فقراء الحرم، فهو بمنزلة الكفارة، والمكفر لا يأكل من كفارته شيئًا. قال رحمه الله: من الفروق الصحيحة الفرق بين المغالبات التي لا تحل مطلقًا لا بعوض ولا بغيره، كالنرد والشطرنج ونحوها، وقسم تحل بعوض وبغير عوض، وهو المسابقة على الخيل والإبل والسهام؛ لأنها تعين على الجهاد الذي به قوام الدين، وقسم يفرق فيه بين أخذ العوض عليه فلا يحل، وبين المغالبة من دون عوض فيحل، وهو ما عدا ذلك. هذا الفرق من الفروق الصحيحة، الفرق بين المغالبات. فمن المغالبات ما لا تحل مطلقًا لا بعوض ولا بغير عوض، يعني من غير وضع رهن أو مع الرهن، قال: كالنرد والشطرنج ونحوها، أي من الألعاب واللهو الذي ليس فيه نفع لا في دين ولا في دنيا، هذا لا يحل، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اللعب بالنرد، قال: «من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه». وهي لعبة الطاولة، وأدخل فيها العلماء لعبة الشطرنج، وما كان بمعنى ذلك كالضمنة وهكذا أيضًا لعبة الورق، ونحو هذه الألعاب واللهو ليس فيها نفع، ليس فيها نفع لا في دين ولا دنيا، فلا تجوز لا بعوض ولا بغير عوض. والقسم الثاني: تحل بعوض وبغير عوض، وهو المسابقة على الخيل والإبل والسهام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر»، يعني لا مغالبة ولا رهان إلا في هذه الثلاثة: في الخف والحافر والنصل، أي السهام. الخف للإبل، والحافر للخيل، والسهام يعني الرمي، فهذه الثلاثة وما كان بمعناها مما فيه إعانة على الجهاد في سبيل الله، فيجوز أخذ العوض عليه مع توفر يعني الشروط التي ذكر أهل العلم لصحة المسابقة، من تحديد المسافة وتحديد المركوبين واتفاق المركوبين، يعني ما يتسابق أحدهما بخيل والآخر ببغل، أو أحدهما بخيل والآخر بناقة، لا، لا بد أن يكون المسابقة بمركوب واحد، يعني إما بخيل، إما بإبل، فيتحد المركوبات، وآخر يتحد المسافة، ويحدد المتسابقين. وأما العوض والرهن فأكثر أهل العلم: لأنه لا بد أن يكون من أحدهما، ولا يكون من كليهما حتى لا يكون فيه معنى القمار. وذهب جماعة من أهل العلم: لأنه يجوز ولو كان من كليهما، ولو كان من كليهما، ولا يشترط المحلل، وهو دخول الرجل الثالث معهم في المسابقة. نعم. أن هذا مستثنى، النبي صلى الله عليه وسلم استثنى هذا الرهن في هذا النوع من السباق، أنه لا يجوز لأخذ العوض فيه، ولا يكون من القمار المحرم. وهذا إذا رجحه الشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله. وقسم: هذا قسم ثالث، يفرق فيه بين أخذ العوض عليه فلا يحل، وبين المغالبة من دون عوض فيحل، وما عدا ذلك، يعني ما عدا هذه الأمور المذكورة مما لا يمتنع، مما يمتنع، وما يجوز بالعوض، فغيرها مما فيه نفع في دين أو دنيا، فتجوز بلا عوض، ولا تجوز بالعوض، مثل السباق بالجري، أو السباق بالسباحة، أو حمل الأثقال، أو المصارعة، أو كذلك الآلات الحاسوب ونحوها، فهذه تجوز المسابقة عليها بلا عوض، وأما بعوض فلا يجوز؛ لأنها تدخل في باب القمار والميسر. قالوا: من الفروق الصحيحة الفرق بين ما تثبت فيه الشفعة من المشتركات، فالعقارات التي لم تقسم تثبت فيها الشفعة للشريك إذا باع شريكه، إذا باع شريكه، والمشتركات الأخرى لا شفعة فيها؛ لأن العقارات يكثر الضرر فيها بالمشاركة وغيرها بخلاف ذلك. يقول: الفرق من الفروق الصحيحة التفريق بين ما تثبت فيه الشفعة من المشتركات، كالعقارات، يعني الأراضي والبيوت التي فيها شركاء ولم تقسم بعد، يعني حدود متفقة والطرق واحدة، هكذا تثبت فيها الشفعة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: أن النبي قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، صرفت الطرق، فلا شفعة. إذن: إذا كانت لم تقسم فالشفعة ثابتة، إذا باع أحد الشريكين دون أن يعلم شريكه، فللشريك الآخر حق الشفعة، يذهب يطالب المشتري بالشراء، ويقول: أنا أولى، أنا أطالب بحق الشفعة، أنا أولى بالشراء نصيب شريكي منك، فيعطيه الثمن الذي اشترى به. هذا ثمن نصيب شريكه واضح الآن. أنا وأنت شركاء في أرض أو في بيت، فبعت نصيبي لعبد الرحمن من غير أن نخبرك، فلك حق الشفعة، تأتي لعبد الرحمن وتقول: يا عبد الرحمن، أنا أولى بشراء نصيب شريكي منك، بكم اشتريته؟ قال: مثلًا بمئة ألف، تقول: خلاص أنا سأعطيك المئة ألف وتأخذ نصيب شريكي منه، هذا معنى الشفعة. فالشفعة ثابتة في العقارات، وما كان بمعنى ذلك مما فيه مضرة على الشريك. وأما المشتركات الأخرى، مثل ماذا؟ مثلًا نحن شركاء في أغنام، شركاء في أغنام، فأنا بعت بعض الأغنام، مثلًا دون أن أخبرك، هنا ما يكون لك حق الشفعة؛ لأن ليس في ذلك ضرر، ليس في ذلك ضرر، أو ثياب مثلًا، أو أواني أو نحو ذلك، فهذه لا شفعة فيها لعدم وجود الضرر في بيع الشريك لنصيبه، بخلاف العقارات فيكثر فيها الضرر. قالوا: من فروق الصحيحة الفرق بين ما لا تصح فيه الوكالة، كحقوق الله المتعين على العبد فعلها بنفسه، كالصلاة والطهارة ونحوها، وحق الآدمي الذي يتعين فعله على صاحبه، كالشهادة والقسم بين الزوجات ونحو ذلك، وبين ما تصح فيه الوكالة، وما عدا ذلك من العقود والفسوخ والحقوق المالية ونحوها. هذا أيضًا فرق من الفروق الصحيحة، بين ما لا تصح فيه الوكالة، يعني أن يوكل الإنسان غيره بالقيام بحق من حقوق الله. فحقوق الله جل وعلا المتعين على العبد فعلها بنفسه، لا تجوز فيه الوكالة، كالصلاة، فلا يصلي أحد عن أحد، ما يجوز أن تقول لفلان وفلان صلي عني اليوم، هذه صلاة عليك، صلي عني الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، هذا ما يجوز، أنت مأمور بأداء هذه الصلاة بنفسك، وهكذا الطهارة، ما يتطهر عنك، ونحو ذلك، إلا إذا كانت الصلاة تبعًا، كأن يحج عنك نيابة، أنت عندك مال تستطيع أن تحج بهذا المال، لكن ما عندك القدرة البدنية، فيحج إنسان يحج عنك، فيجوز أن يصلي عنك تبعًا إذا حج، إذا طاف حول البيت سيصلي ركعتي الطواف، هذه الركعتان هي في الحقيقة لك، لكنها تبع وليست استقلالًا، هي تبع للحج أو للعمرة، فيجوز، أما أن يصلي عنك استقلالًا هذا لا يجوز. قال: ونحو ذلك نعم، إلا ما يجوز فيه الوكالة كالحج كما ذكرنا، والعمرة، يجوز أن تحج عن فلان من الناس إذا كان عاجزًا ببدنه، أو تعتمر عنه، فلا بأس. قال: ونحوها. وحق الآدمي الذي يتعين فعله على صاحبه، كالشهادة، نعم، الشهادة ما تشهد نيابة عن فلان؛ لأن الشهادة متعلقة بالإنسان بنفسه، بالشاهد، لا بد أن يشهد بنفسه، إلا من شهد بالحق وهم يعلمون، فما توكل غيرك أن يشهد، اذهب واشهد لفلان أنه له كذا وكذا من الحق، لا، هذا لا يجوز فيه النيابة. وكذلك القسم بين الزوجات، ما يأتي وقت القسم تقول لفلان: اذهب أنت اقسم نيابة عني، هذا ما يجوز، يعني كالمبيت، وهذا متعلق بالإنسان بنفسه، فلا يجوز التوكيل فيه. وأما ما تصح فيه الوكالة ما عدا ذلك مما لا يتعلق فعله بالإنسان بنفسه، فيجوز فيه التوكيل، كالعقود، عقد النكاح، يجوز أن توكل غيرك أن يعقد لك، أو يزوج ابنتك، أو يعني يزوجك نيابة عنك، لا بأس، أو كذلك توكله في بيع وشراء، تقول لفلان: اذهب بيع السيارة هذه، توكله ببيعها، لا بأس، أو توكله بشراء سيارة، هذا جائز. نعم، وكذلك الفسوخ، فسخ البيع أو فسخ النكاح، توكل فلان أن يطلق امرأتك الفلانية، هذا جائز، أو كذلك يعني تطلب منه أن يفسخ لك البيع الفلاني، ونحو ذلك، فهذه تجوز فيها الوكالة نعم. الصلاة والسلام على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.