شرح لمعة الاعتقاد 20

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 20، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

علامات الساعة الكبرى وعالم البرزخ

يستعرض المقطع علامات الساعة الكبرى كخروج الدجال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها، مبيناً أن الإيمان بعدها لا ينفع. كما يؤكد حقيقة عذاب القبر ونعيمه للأبدان والأرواح في عالم البرزख مستدلاً بالكتاب والسنة.

فتنة القبر وسؤال الملكين والبعث

يبيّن المقطع وجوب الاستعاذة من عذاب القبر في التشهد الأخير، ويصف فتنة الميت وسؤال منكر ونكير له عن ربه ودينه ونبيه. ويؤكد حقيقة البعث بعد الموت بنفخة ثانية في الصور يخرج بها الناس من قبورهم للحساب.

أهوال يوم القيامة والشفاعة والحساب والميزان

يتناول المقطع نفخ الصور ثلاث مرات وحال الناس يوم الحشر حفاة عراة غرلاً، ووقوفهم للشفاعة الكبرى ثم الحساب. ويذكر نصب الموازين الحقيقية ونشر الدواوين لتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل.

السبعون ألفاً الداخلون الجنة بغير حساب

يوضح المقطع حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة دون حساب ولا عذاب، وصفاتهم بترك الاسترقاء والتطير والكي والتوكل على الله. ويبين أن آيات الحساب العامة تستثني هؤلاء بفضل الله وكرمه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، ففلازلنا في هذا الجزء، جزء الاعتقاد المسمى بلمعة في الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، صنفه الإمام شيخ الإسلام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له، المتوفى سنة عشرين وستمائة للهجرة. ونحن في آخر الكتاب في فصل الإيمان بالغيب ومسائله، وذكرنا أمسي الكلام على أشراط الساعة وما ذكره المصنف رحمه الله من علامات الساعة الكبرى، واقتصر عليها لغرابتها وأنها ليس لها مثال سابق، فهي أمور غير معتادة، فتجد من بعض أهل الأهواء والبدع إنكارا لها أو خروجا بها عن حقائقها التي أرادها الله جل جلاله. قال رحمه الله تعالى: ومن ذلك أشراط الساعة. تقدم الكلام على هذا، مثل خروج الدجال، تقدم الكلام، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام، وأنه ينزل عند المنارة البيضاء بدمشق، فيقتله، يعني يقتل الدجال، ويقتله بباب لد بفلسطين، يقتل الدجال بباب لد بفلسطين، ويبقى المسيح سبع سنين يقيم فيها العدل، ويكسر الصليب الذي رفعه عباد الصليب من كفرة النصارى، فيكسر الصليب، ويزداد المال بيد الناس، وتخرج الأرض بركتها، ويعم الخير في الأرض، ثم بعد مضي سبع سنوات يموت عليه السلام، فيصلي عليه المسلمون. وإذا نزل حكم بشريعة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: ونزول عيسى بن مريم عليه السلام فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج. تقدم أنهم من بني آدم، لكن الله ميزهم بالقوة وبالكثرة، ولهذا في الحديث الصحيح: إنه لا قبل لأحد بهم. قال رحمه الله تعالى: وخروج الدابة. وهذه إحدى علامات الساعة الكبرى، أن تخرج دابة كثيرة الشعر، تمشي على أربع قوائم، معها بيدها عصى موسى وخاتم سليمان، تكلم الناس، تتكلم بكلام يفهمه الناس إذا خاطبتهم. هذه الدابة تخرج من مكة المكرمة من بعض جبالها، وهي علامة من علامات الساعة الكبرى. قال تعالى: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ ﴾. تكلم الناس، وقرأ بعضهم: ﴿ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ أي تجرحهم، ولهذا وجه من ناحية المعنى، وذلك أنها تضرب بعصاها أنف الكافر، وتبلج وجه المؤمن، أي تجعله نيرا مضيئا، بخلاف الكافر فتضربه على أنفه، وتكلم الناس بأن الساعة آتية، وأن الله يبعث من في القبور. وخروج الدابة دابة حقيقية، ذكرنا صفتها، ذكرنا صفتها، تنذر الناس. هذا الذي ورد في السنة الصحيحة أن الدابة تنذر الناس وتبشرهم بيوم القيامة، وتحذرهم من عقاب الله عز وجل ومن أسباب الهلاك، فتعيض الناس. قال رحمه الله: وخروج الدابة، هذه إحدى علامات الساعة الكبرى. قال رحمه الله: وطلوع الشمس من مغربها، هذه أيضا إحدى علامات الساعة الكبرى، وهي خلاف العادة، فإن العادة أن الشمس تطلع من المشرق وتغرب في المغرب، لكن يأتي عليها يوم فتشرق من المغرب وتغرب في المشرق. فحينئذ يؤمن الناس، يؤمن الناس ويصدقون بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، لكن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا. بعد ظهور طلوع الشمس من مغربها يغلق باب التوبة، يغلق باب التوبة. يوم يأتي بعض آيات ربك، فسر بطلوع الشمس من مغربها، لا ينفع نفسا إيمانها، أغلق باب التوبة، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا. في تلك اللحظة حينما تشرق الشمس من المغرب يؤمن الناس أجمعون، كل الناس يدخلون في الإيمان، لكن هل ينفعهم؟ الجواب: لا ينفع نفسا إيمانها بعد طلوع الشمس من مغربها، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا. قال رحمه الله تعالى: وأشباه ذلك مما صح به النقل، أي مما ثبت بالأسانيد الصحيحة، وحكم علماء الحديث بصحته وثبوته، ولم يغمز فيه أحد من المعتبرين من أهل العلم، أهل علم الحديث. ذكر رحمه الله بعض العلامات في علامات الساعة الكبرى. وفي صحيح الإمام مسلم عن حذيفة بن أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات»، ثم ذكر بعضها، ثم ذكر العشر: خروج الدجال، والدخان، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وكذلك ما ذكره المصنف من نزول عيسى، ويأجوج ومأجوج. قال رحمه الله تعالى: وعذاب القبر ونعيمه حق، أي هو واقع حقيقة، وعذاب على الأبدان ونعيم للأبدان، وعذاب على الأرواح ونعيم للأرواح، كيف شاء الله جل جلاله. لا نعلم كيفية ذلك، لكننا نؤمن أنه عذاب حقيقي ونعيم حقيقي، تعذب الأبدان وتعذب الأرواح بعد مفارقة الأبدان، وإذا اجتمعت الروح والبدن حصل النعيم أو العذاب بحسب حال ذلك الشخص. كل ذلك في عالم البرزخ، وهو عالم غيبي لا ندري كيفيته، لكننا نؤمن به ونصدق به ونعلم أنه واقع لا محالة. قال الله جل وعلا: ﴿ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾. دلت الآية على أنهم بعد موتهم في عذاب قبل أن يأتي يوم الحساب، فأي عذاب يعذب به آل فرعون قبل يوم القيامة؟ الجواب: هو عذاب البرزخ وعذاب القبر. وحاق بآل فرعون سوء العذاب بعد موتهم، النار يعرضون عليها غدوا، أي في أول بكرة الصباح، غدوا وعشية، ويوم تقوم الساعة، ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب. قال رحمه الله تعالى: وعذاب القبر ونعيمه حق، وقد استعاذ منه النبي، وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر وأمر به في كل صلاة. استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث من أحاديثه الثابتة الشريفة من عذاب القبر، وأمر بالتعوذ من عذاب القبر، فقال صلى الله عليه وسلم: «استعيذوا بالله من عذاب القبر». وفي الصحيحين أمر الناس أن يستعيذوا بالله من عذاب القبر، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه في الصحيحين: «إذا تشهد أحدكم»، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع»، والحديث موجود عندكم في الحاشية: «فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال». أمر الناس بذلك. واختلف الفقهاء: هل يجب ذكر هذه الاستعاذة في التشهد الأخير؟ والراجح في هذه المسألة ما ذهب إليه الإمام أحمد وغيره من الفقهاء أن ذلك واجب، لأنه أمر لا صارف له: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع»، وهذا أمر لا صارف له فيفيد الوجوب، فينبغي للمسلم أن يحرص على هذه الاستعاذة. وهذا الأمر يدل على شدة عذاب القبر، وأنه عذاب عظيم، عذاب عظيم، ولهذا كان السلف يخافون منه. قال رحمه الله: وفتنة القبر حق، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم تفتنون في قبوركم، قريبا من فتنة المسيح الدجال». ففتنة القبر حق، وهي أمر عظيم. ومن فتنة القبر: ذكر وقال: وسؤال منكر ونكير حق، وهما ملكان يأتيان إلى الميت، أو الميت بعد دفنه عند انصراف الناس من قبره، فيجلسانه، يجلسانه، هكذا الرواية. وكيف يجلسانه والقبر لا موضع للجلوس فيه؟ نقول: آمنا بذلك وصدقنا به، ولا نعلم كيفية ذلك، غير أن نوق أن الميت بعد عند سؤال الملائكة يجلس، يجلس، ونحن نعلم معنى الجلوس، يجلس. وهذا كله من علم الغيب الذي يجب على المسلم والمسلمة، والصغير والكبير، أن يؤمن به. يقول رحمه الله: وسؤال منكر ونكير حق، أي أمر ثابت جاءت به أدلة كثيرة في السنة النبوية، في صحيح البخاري ومسلم، وفي صحيح مسلم أيضا، كحديث أنس رضي الله عنه، أو أبي هريرة. حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات العبد وضع في قبره»، إذا وضع العبد في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيسألانه: «من ربك؟ من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟» في حديث البراء بن عازب في سنن أبي داود أيضا، فيقال له: «من ربك؟» فأما المؤمن، فأما المؤمن فيقول: «ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم». وأما الكافر أو المرتاب، هكذا في بعض روايات الصحيح، وأما في حديث: «وأما المنافق أو الكافر أو المرتاب فيقول: هاه، هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلت»، فيضرب بمرزبة، أي مطرقة، من حديد، فيصيح لها صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. في هذا الباب أحاديث، كحديث أبي هريرة، وحديث أنس، وحديث البراء بن عازف، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. ولهذا كان المسلم يحتاج أن يتعلم الأصول الثلاثة، ثلاثة الأصول التي يسأل عنها في قبره: ما معنى «من ربك؟» وما الذي يخل بها، وما معنى «من دينك؟» وما الذي يخل به، وما معنى «من نبيك؟» وما الذي يخل به. قال رحمه الله تعالى: والبعث بعد الموت حق، أيضا من مسائل الغيب التي كذب بها الكفار، التي كذب بها الكفار: البعث بعد الموت. فبعد أن يموت الناس ويصيرون رميما وترابا، يأمر الله عز وجل فيبعثون أحياء، كما كانوا، ذلك حق لا ريب فيه وصدق لا شك فيه. فالبعث بعد الموت حق، من أنكره كفر. قال تعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ﴾، هذا كلام الكفار: زعم الذين كفروا ألن يبعثوا؟ قل: بلى وربي لتبعثن، ثم لتنبؤن بما عملتم، وذلك على الله يسير. فالله عز وجل بيّن أن هذا مقال الكفار: لن نبعث، ليس هناك بعد، ليس هناك نشور، ليس هناك حياة غير هذه الحياة التي تعيشونها. كذبوا، قل: بلى وربي لتبعثن، ثم لتنبؤن بما عملتم، وذلك على الله يسير. والبعث بعد الموت حق، أي ثابت حقيقة لا شك فيه. قال تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ﴾. يبعث الله الخلائق كلهم، مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم، للحساب عند رب الأرباب سبحانه وتعالى، فلابد من أمر البعث ولابد من التسليم له. قال تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّهُمْ إِلَيْنَا لَمَرْجِعُونَ ﴾، وقال: ﴿ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَارِخُونَ ﴾، وقال: ﴿ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمَحْشُورُونَ ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَالْمَوْتُ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾. قال رحمه الله: والبعث بعد الموت حق، هذا أيضا يجب الإيمان به، يجب الإيمان به. قال رحمه الله: وذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور. إسرافيل أحد الملائكة الكرام، وهو موكل بالنفخ في الصور، والصور هو قرن عظيم، قرن عظيم، قد التقمه إسرافيل عليه السلام، وهو ينتظر الإذن من الله عز وجل فينفخ فيه النفخة الأولى، النفخة الأولى، ثم النفخة الثانية. يقول رحمه الله: وذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور. يقول الله جل وعلا: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾. قبل هذه الآية: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾، أي القبور، إلى ربهم ينسلون، يخرجون من تلك القبور قياما إلى ربهم، إلى أرض المحشر وأرض الحساب عند الله عز وجل. هذه هي النفخة الأولى، قال المصنف رحمه الله: وذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور، هذه النفخة الأولى، ويكون عندها فزع عظيم. هذه النفخة الثانية، هذه النفخة الثانية، النفخة الأولى نفخة الفزع والصعق، والنفخة الثانية نفخة البعث. فالذي ذكره المصنف هو النفخة الثانية، نفخة البعث من قبور، هم يبعثون بعد أن ينفخ إسرافيل في الصور، فهذه النفخة الثانية. قال تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾. إذن هما نفختان: نفخة الصعق، ويحصل فيها فزع عظيم، نفخة الصعق فيموتون، ونفخة البعث بعد أن يموتوا فيقومون. ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ﴾، من نفخة الصعق، أناس مستثنون لا يصعقون، استثناهم الله جل جلاله، منهم موسى، فيما شك به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقال بعض العلماء: بل النفخات ثلاث، فأول نفخة يفزعون، وثاني نفخة يصعقون، وثالث نفخة يبعثون، والقول متقارب، القول متقارب. فالنفخة الأولى فيها فزع لأنهم أحياء، فيصيبهم من الذعر والفزع الشيء العظيم، الشيء العظيم. ﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ﴾. هذه النفخة، منهم من يعدها نفخة مستقلة، ومنهم من يدرجها فيعدهما نفختين: نفخة الصعق والفزع، نفخة الفزع والصعق يعدهما نفخة واحدة، ثم نفخة البعث. يقول: وذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور، هذه نفخة البعث، فإذا هم من الأجداث، أي القبور، إلى ربهم ينسلون، أن يخرجوا وينظروا. قال رحمه الله: ويحشر الناس. كل هذا من علم الغيب الذي يجب الإيمان به والتصديق به، ولا يجوز لمسلم أن يشك فيه. من شك في مثل هذا كفر بالله العظيم، من شك في شيء من هذا فقد كفر بالله العظيم، لأنه مكذب لرسوله صلى الله عليه وسلم، ومكذب لرب العالمين، ومن كذب الله ورسوله فقد كفر، فقد كفر، ولا يصلى خلفه. من قال: أشك، لا أدري، يمكن فيه بعث ويجوز أن لا يكون هناك بعث، بطلت الصلاة خلفه، كما يقول النووي في كتابه المجموع شرح المهذب: من شك في البعث لا يصلى خلفه، الصلاة خلفه باطلة، لأن الواجب الإيمان واليقين، كما قال المصنف رحمه الله: والبعث بعد الموت حق. قال رحمه الله تعالى: ويحشر الناس يوم القيامة حفاتا، أي غير منتعلين، عراتا، غير مستور العورة، ولا فيهم ثياب، ولا عليهم ثياب، غرلا، أي غير مختونين، بهما في معنى الغر، فيقفون في موقف القيامة وقوفا حتى يشفع فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم، هذه هي الشفاعة الكبرى. قال الله جل وعلا: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾، هذا هو اليوم المعلوم. ويحشر الناس يوم القيامة حفاتا عراتا غرلا، بهما فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. في حديث سهل بن سعد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كالنقي، كقرصة النقي»، وهو الدقيق الأبيض. تلك الأرض بيضاء، بيضاء، هكذا جاء في وصفها، ليس فيها علم لأحد، أي لا يوجد فيها أي علامة، أرض مستوية بيضاء، هذه أرض المحشر، يجتمع الخلائق فيها، يجتمع الخلائق فيها، وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق، ويغرقون في عرقهم، ويضيق حالهم، ويشتد عليهم الكرب، ثم ينادي بعضهم بعضا: «ألا تنظرون أحدا يشفع لنا إلى ربنا فيعجل لنا حسابنا، إما إلى الجنة وإما إلى النار؟» فيأتون آدم، فيقولون: «أنت أبو البشر، وأنت أول نبي بعثك الله، ادعُ ربك لنا أن يعجل لنا بالحساب»، فيقول: «لست هناك، إني عصيت ربي، إنه أمرني أن لا آكل من الشجرة فأكلت منها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى نوح، أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض». فيذهبون إلى نوح عليه السلام، وهو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، فيقولون: «يا نوح، إنك أول رسول أرسلك الله إلى أهل الأرض، ادعُ الله لنا، اشفع لنا عند ربك أن يعجل بالحساب»، فيقول: «لست هناك»، ويذكر ذنبه: «اذهبوا إلى خليل الله إبراهيم، فإنه خليل الرحمن». فيأتون إبراهيم، فيقول: «لست هناكم، اللهم سلم، سلم». ثم يأتون موسى، ثم عيسى، ثم قالوا: يقول لهم عيسى: «اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر». فيأتون نبينا صلى الله عليه وسلم، قال: «فأخر ساجدا عند العرش، فيفتح، فيفتح علي بمحامد لم يحمد الله بها أحد قبلي، فيقال لي، أو فيقول لي رب العز: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطَ، واشفع تشفع». فيشفع الشفاعة الكبرى، وهي أعظم شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم، ولرسول الله خمس شفاعات أخر. يقول رحمه الله: فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيحاسبهم، فيحاسبهم الله تبارك وتعالى، هذا الحساب وأمره عظيم. قال الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾، فهذا الحساب عظيم. قال الله جل جلاله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. إن السؤال والحساب لكل الناس، المؤمن يسأل والكافر يسأل، يسأل الجميع عند رب العالمين، فيحاسبهم الله تبارك وتعالى، يحاسب الناس جميعا رب العالمين سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل. وهذا أيضا موقف عظيم، موقف صحائف الأعمال، سيأتي الكلام على الميزان. تنصب الموازين، وهي موازين حقيقية، موازين حقيقية، وأخطأ وضل السبيل من ادعى أن المعنى العدل. نعم، من معنى الميزان العدل، تنصب الموازين حتى لا يظلم أحد، حتى لا يظلم أحد شيئا له أو عليه، فتوضع الموازين وينشر الحساب، فلا تظلم نفس شيئا، لا تظلم نفس شيئا، لكنها موازين حقيقية لها كفتان، ولها لسان يعرف به ثقل الكفة وخفة الأخرى، وسيأتي الكلام على الميزان. وتنشر الدواوين، والدواوين المراد بها صحائف أعمال العباد التي كتبت فيها الملائكة أعمالهم من حسنات أو سيئات، هذا المراد بالدواوين. وعاد المصنف رحمه الله فقال: وتتطاير صحائف الأعمال، وهذه هي الدواوين أيضا، تتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل، أي من الناس من يأخذ صحيفته وديوان أعماله بيمينه، ومنهم من يأخذه بشماله من وراء ظهره، كما سيأتي. وهذا أمر عظيم، هذا أمر عظيم، هذا أمر عظيم. وهناك أناس لا يحاسبون، وهم السبعون ألفا الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ عُرِضَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ عُرِضَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، وَهُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ». هؤلاء يسلمون من الحساب، هؤلاء لا يحاسبون. فقوله: فيحاسبهم الله تبارك وتعالى، وقول الله عز وجل: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾، وقوله سبحانه: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾، مستثنى منه السبعون، السبعون مستثنون من ذلك، لأن الله استثناهم، لأن الله استثناهم. لعلنا نقف هنا، وبعد الصلاة نكمل هذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.