الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 23، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يبيّن المقطع مكانة النبي محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بصفته صاحب لواء الحمد والمقام المحمود والحوض المورود. كما يؤكد أن أمته خير الأمم وأصحابه خير الصحابة مع الرد على الطاعنين فيهم وتفضيل الخلفاء الراشدين الأربعة بالترتيب المعلوم.
يتناول المقطع شهادة النبي صلى الله عليه وسلم للعشرة المبشرين بالجنة ومناقب أبي بكر الصديق رضي الله عنه كسابقته وصحبته في الغار وتقديمه في الصلاة. ويستعرض فضائل الخلفاء الراشدين الأربعة بالترتيب مستدلاً بإجماع الصحابة ومناقب كل منهم الخاصة.
يعرض المقطع عقيدة أهل السنة في انعقاد الإجماع على خلافة الراشدين وفضل العشرة، ومنهج التوقف في الحكم على معين بالجنة أو النار إلا بنص. ويناقش خلاف العلماء في كون الميزان يوم القيامة واحداً أو متعدداً مع رجحان التعدد.
يوضح المقطع أن الجنة والنار باقيتان أبداً بإرادة الله تعالى لا بذواتهما، مستدلاً بقوله تعالى «كل شيء هالك إلا وجهه». ويرد على قول فناء النار مبيناً أن ألفاظ «أحقاب» و«ما دامت السماوات والأرض» تدل على طول المكث لا على الفناء، وأن قول ابن القيم بفناء النار زلة والصحيح الخلود.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يقول المصنف رحمه الله تعالى: صاحب لواء الحمد. تقدم الكلام على أن من أمور يوم القيامة لواء للحامدين يجتمع تحته الحامدون من الأنبياء وغيرهم، منهم آدم عليه السلام، ورئيس ذلك اللواء وحامله وصاحبه هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ولهذا يسمى أحمد ومحمدا، فهو صاحب لواء الحمد. والحمد هو الثناء على الله عز وجل على الجميل الاختياري. الحمد: ثناء يتعبد به لله عز وجل. قال رحمه الله: صاحب لواء الحمد. هذا يدل على ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانة وكرامة عند الله عز وجل. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، جل جلاله. فهو فضل الرسل بعضهم على بعض، وجعل بعض الرسل أفضل من بعض. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: 253] الآية. فالرسل يتفاضلون، فسيدهم صاحب لواء الحمد، رسول الله صلى الله عليه وسلم. صاحب لواء الحمد: قلنا فيه حديث أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل. وعبد الله بن محمد بن عقيل فيه ضعف، لكن المشايخ من أهل التحقيق والعرفان، كالعلامة ناصر الدين الألباني، والعلامة مقبل الوادعي، وغيرهم، على التحسين لعبد الله بن محمد بن عقيل. وكنت في دراسة قديمة لبعض الأجزاء الحديثية خرجت بخلاف هذا، فقول المشايخ له وجه، له وجه. ومثل هذا الحديث الذي فيه ذكر هذه المقامات العالية لرسول الله من كونه إمام النبيين، وكونه خطيب الأنبياء يوم القيامة، وكونه صاحب شفاعتهم، حديث حسن إن شاء الله تعالى. قلنا: الحديث رواه الترمذي وابن ماجه من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه أبي بن كعب رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر». فالحديث حسن عند الشيخ الألباني، ومن تقدم ذكرهم، ومنهم الشيخ شعيب رحمه الله تعالى، وغيرهم ممن خدموا السنة، وله شواهد. صاحب لواء الحمد، والمقام المحمود. المقام المحمود مذكور في القرآن في قوله سبحانه: ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]. وأفضل التفاسير حجة وقوة: تفسير المقام المحمود بالشفاعة الكبرى يوم القيامة. هذا أفضل التفاسير دليلاً وقوة: أن المقام المحمود هو الشفاعة الكبرى. وقيل: المقام المحمود هو كسوة، كسوة خضراء يكساها النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة في حلة عظيمة يكون فيها يوم القيامة. وذكر مجاهد، مجاهد بن جبر، وغيره تفسيراً آخر. قال رحمه الله: صاحب لواء الحمد، والمقام المحمود، والحوض المورود. تقدم الكلام على الحوض، والمورود: الذي يورد، والذي يجد فيه وارده ما يروي ظمأه ويشفي غلتَهُ. وهو إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم. أمته خير الأمم، كما قال الله عز وجل: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. فخير الأمم أمة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، هم خير الأمم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. هذا باعتبار المجموع، وأما الأفراد فقد يوجد في الأمم السابقة أفراد يكونون خيراً من أفراد في أمة محمد صلى الله عليه وسلم. أمته خير الأمم. في حديث عمران بن حسين في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». وشك الراوي في الرابعة. فخير الناس وخير الأمم أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونحن نحمد الله الذي جعلنا من هذه الأمة. أمته خير الأمم، وأصحابه خير أصحاب الأنبياء عليهم السلام. أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم الذين رأوه وشاهدوه وصحبوه ولازموه، ولو رأوه بنظرة عين فهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أصحابه خير أصحاب الأنبياء، يدخلون في عموم قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. هذه الخيرية أولى الناس بها من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فهم خير الأمم وخير أصحاب الأنبياء. لكنهم ليسوا خيراً من الأنبياء، بل هم خير من أصحاب الأنبياء عليهم السلام. والله جل جلاله أثنى على الصحابة في مواضع كثيرة، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100] الآيات. فأكرم الله الصحابة برضوانه ورضائه عنهم، وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، ذلك الفوز العظيم. وأصحابه خير أصحاب الأنبياء عليهم السلام. ولهذا ضلّت الرافضة حين جعلت الصحابة شر الأمة، فظلوا ضلالاً مبيناً. لو سئل كما يقول الشعبي: سُئلت النصارى: من خيركم؟ قالوا: أصحاب عيسى. وسئل اليهود: من خيركم؟ قالوا: أصحاب موسى. وسئلت الرافضة: من شركم؟ قالوا: أصحاب محمد. نسأل الله العافية والسلامة. ومن اعتقد فسق أكثر الصحابة أو كفر أكثر الصحابة فإنه كافر بعينه، ومن شك في كفره فهو كافر، كما يقول ابن تيمية رحمه الله في كتابه العظيم «الصارم المسلول». قال: فصل. وأفضل أمته بعد نبيها صلى الله عليه وسلم: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، رضي الله عنهم وأرضاهم. لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نقول والنبي صلى الله عليه وسلم حي: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان. فيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره. وقد صحت الرواية عن علي رضي الله عنه أنه قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر»، ولو شئت سميت الثالثة. وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما طلعت شمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر». وهو أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لفضله وسابقته، وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة على جميع الصحابة رضوان الله عليهم، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة أبداً. ثم من بعده عمر رضي الله عنه، لفضله ولعهد أبي بكر إليه. ثم عثمان رضي الله عنه، لتقديم أهل الشورى له. ثم علي رضي الله عنه، لفضله وإجماع أهل عصره عليه. هؤلاء الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ». وقال صلى الله عليه وسلم: «الخلافة من بعدي ثلاثون سنة». فكان آخرها خلافة علي رضي الله عنه. ونشهد للعشرة بالجنة كما شهد لهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة». وكل من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة شهدنا له بها، كقوله: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»، وقوله لثابت بن قيس: «إنه من أهل الجنة». ولا ننزل أحداً من أهل القبلة جنة ولا ناراً إلا من نزله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. هذا جزء من هذا الفصل، وهو متعلق بالصحابة الكرام وحقوقهم رضي الله عنهم وأرضاهم. فأفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم: أبو بكر الصديق، وهو عبد الله بن عثمان رضي الله عنه وأرضاه، اشتهر بكنيته ولقبه: أبو بكر الصديق. وهو أول من أسلم من الصحابة رضي الله عنه وأرضاه. سيأتي الكلام على شيء من مناقبه في كلام المصنف رحمه الله تعالى وغفر له. ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى. هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن هؤلاء خير الأمة وخير الصحابة، الأربعة الراشدون الخلفاء. فضلهم كترتيبهم في الخلافة عند أهل السنة والجماعة. هذا الذي استقر عليه أهل السنة والجماعة، وحصل عند بعضهم من أهل العراق، كسفيان الثوري، خلاف في تقديم علي على عثمان، وهو خلاف في دائرة أهل السنة لا يضلل فيه من قاله. لكن المشهور الذي استقر عليه الأمر، وهو قول سائر أهل السنة، أن ترتيب هؤلاء في الفضل كترتيبهم في الخلافة، فيقال: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم. ثم ذكر المصنف رحمه الله حديث عبد الله بن عمر الذي في الصحيح: «كنا نقول» أي: في التفضيل، والنبي صلى الله عليه وسلم حي. هذا يسمى مرفوعاً حكماً، لأنه تقرير من السنة التقريرية. أي: لو كان هذا منكراً لأنكره الله عز وجل وأوحى إلى نبيه إنكاره، لكن النبي سكت عنه صلى الله عليه وسلم، فدل هذا على أنه حق. وصدر ماذا كان يقول الصحابة؟ قال: كنا نقول: أبو بكر، أي: أفضل الأمة أبو بكر، ثم ب «ثم» الدالة على التراخي والتعقيب: عمر في المنزلة الثانية، ثم ب «ثم» الدالة على التراخي والتعقيب: عثمان. فيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، هذا إقرار منه صلى الله عليه وسلم، فلا ينكره. فهذا يدل على حصول ما يشبه الإجماع أو الإجماع في زمن الصحابة على أن أفضل الأمة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان. وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر ذلك ولم ينكره. فمثل هذا يعتبر مرفوعاً حكماً. وبعد هؤلاء: علي رضي الله عنه. قال رحمه الله: وقد صحت الرواية عن علي رضي الله عنه أنه قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر»، ولو شئت سميت الثالثة، يعني: نفسه رضي الله عنه وأرضاه. وهذا ثابت عن علي، ولهذا يقول المصنف: وقد صحت الرواية من طرق كثيرة ثابتة، حتى إن ابن تيمية يقول: إن هذا متواتر عن علي رضي الله عنه أنه قال: «خير هذه الأمة أبو بكر ثم عمر». هذا متواتر. ثم: «ولو شئت لسميت الثالث» يعني: عثمان رضي الله عنه، «وأنا الرابع» يعني: علي رضي الله عنه وأرضاه. وهذا الذي تقدم في حديثي عبد الله بن عمر رضي الله عنه السابق. ابن تيمية ينقل الاتفاق بين أهل السنة على تواتر هذا الأثر عن علي رضي الله عنه، على تواتر مضمون هذا الأثر عن علي رضي الله عنه. قال: وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما طلعت شمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر». في الحاشية موجود تخريج الحديث، وأن الأثر والحديث، وأن في إسناده ضعفاً، لكن معناه من حيث الجملة تعضده الأدلة. وإن كان الإسناد فيه ضعف، فخير أصحاب الأنبياء: صحابة رسول الله، وخير أصحاب رسول الله: أبو بكر. فمحصل ذلك: أن خير أصحاب الأنبياء كلهم: أبو بكر. وهذا هو مضمون هذا الحديث الذي يرويه أبو الدرداء، وإن كان الإسناد ضعيفاً، فيه عبد الله بن سفيان لا يتابع على حديثه. أبو بكر رضي الله عنه: خير الأمة، صديقها، وخيرها، كما قال الناظر. وأقول: خير الناس بعد نبيهم: صديقه، وصديقه في الغار، فهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار. قال الله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]. يعني: النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر. ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: 40]. إذ يقول لصاحبه: لا تحزن، إن الله معنا. هذه من مناقب أبي بكر رضي الله عنه. من مناقب أبي بكر: أنه أول الصحابة إسلاماً من الرجال، فهو أول من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن أول الناس ليس كمن جاء بعد الناس أو في وسط الناس. فأول الناس إسلاماً يدل على إيمان قوي، فإنه غريب والناس كلهم مكذبون، فجاء أبو بكر وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه منقبة عظيمة لأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، منزلة عظيمة لهذا الرجل الكريم رضي الله عنه وأرضاه. ولهذا لما سأل عبد الله بن عمرو بن العاص رسول الله صلى الله عليه وسلم... لما سأل عمرو بن العاص رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قال: من الرجال؟ قال: أبوها. هذا أيضاً من مناقب أبي بكر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أحبه، فهو أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال: «إن من أمن الناس عليَّ في صحبته وماله: أبا بكر». «ولو كنت متخذاً خليلاً من أمتي لاتخذت أبا بكر خليلاً». أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه. هذه جملة من مناقب أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه. ومنها ما تقدم ذكره: وأن النبي صلى الله عليه وسلم صعد على جبل أحد، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فاهتز جبل أحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اثبت أحد، فإن عليك نبياً وصديقاً وشهيدين»، يعني: عمر وعثمان رضي الله عنهما وأرضاهما. أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه. مناقب أبي بكر كثيرة، صنفت فيها كتب. فنحن نتقرب إلى الله جل جلاله بحب هذا الرجل، فإن حبه من علامة الإيمان، والوقيعة فيه من علامة الخذلان. نسأل الله السلامة والعافية. وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، لفضله وسابقته، وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة، في قوله صلى الله عليه وسلم: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». فحاولت عائشة ومعها حفصة أن تجعل عمر مصلياً بالناس، فلما استيقظ صلى الله عليه وسلم من غيبوبته قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس، إنكن صواحبات يوسف». عليه السلام، فنهاهن وأمر بالصلاة أبا بكر رضي الله عنه. والصلاة إمامة صغرى تشير إلى الإمامة الكبرى. وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له في الصلاة على جميع الصحابة رضوان الله عليهم، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة أبداً. أجمع الصحابة على تقديم أبي بكر في الخلافة. قال: ثم من بعده عمر رضي الله عنه، لفضله ولعهد أبي بكر له إليه. عمر رضي الله عنه أفضل الأمة بعد أبي بكر. هكذا جاء في الأدلة، وثبت في البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر». رضي الله عنه، أخرجه البخاري. فعمر أعز الله به الإسلام، لهيبته وصلوته وقوته وعظيم مكانته رضي الله عنه وأرضاه. كان شجاعاً، وكان مهاباً، وكان صدّاعاً بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم رضي الله عنه وأرضاه. شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وشهد له بالشهادة، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وشهد له بالعلم، حين رأى رؤيا وأنه شرب لبناً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أولتَه الدين». ورآه صلى الله عليه وسلم في رؤيا يجر ثوبه، فأولَه العلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر». أخرجه البخاري في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. مناقب عمر كثيرة رضي الله عنه وأرضاه. يحلف النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لو لقيك الشيطان في فج لسلك فجاً آخر». «إن الشيطان ما لقيك في فج إلا سلك فجاً آخر». أخرجه البخاري وغيره عن سعد رضي الله عنه وأرضاه. مناقب عمر كثيرة وجليلة، ومحبته علامة من علامات الإيمان. لفضله، ولعهد أبي بكر إليه. لما حضرت الوفاة أبا بكر قال: «إني أعهد بالخلافة إلى عمر» رضي الله عنه، فصار الخليفة بعهد أبي بكر له بالخلافة. ثم عثمان رضي الله عنه، لتقديم أهل الشورى له. عثمان ذو النورين، الملقب بذي النورين لأنه تزوج ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم: تزوج رقية رضي الله عنها ثم ماتت، ثم زوجه النبي صلى الله عليه وسلم أم كلثوم، فسمي ذا النورين رضي الله عنه وأرضاه. عثمان رضي الله عنه الذي أنفق ماله لوجه الله سبحانه وتعالى مراراً. لما احتاج المسلمون إلى بئر رومة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يحفر بئر رومة فله الجنة؟» فحفرها عثمان. لما جاء جيش العسرة وكانت الأمور معسرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من جهز جيش العسرة فله الجنة؟» فجهزه من ماله عثمان رضي الله عنه وأرضاه. قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبل أحد: «اثبت، فإن عليك نبياً وصديقاً وشهيدين»، وهما عمر وعثمان رضي الله عنهما وأرضاهما. وجلس النبي صلى الله عليه وسلم على ركية، بئر، وكان كاشفاً عن فخذه. دخل أبو بكر فلم يغط فخذه، صلى الله عليه وسلم. ودخل عمر فلم يغط فخذه. ودخل عثمان فغطى فخذه. ثم قال صلى الله عليه وسلم: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟» يعني: عثمان رضي الله عنه وأرضاه. فضائل عثمان كثيرة. لتقديم أهل الشورى له. قال: ثم عثمان رضي الله عنه لتقديم أهل الشورى له. لما جاءت الوفاة وقد طعن عمر رضي الله عنه، وأيقن بالموت، كان الخنجر خنجر أبي لؤلؤة المجوسي اللعين مسموماً. أيقن بالموت رضي الله عنه وأرضاه، فقال: «إني أعهد بأهل الشورى». وهم ستة. ستة هم أهل الشورى. وأبعد عمر رضي الله عنهم منهم سعيد بن زيد، فإنه من قبيلته ومن عشيرته. أبعده من أهل الشورى. وأبعد ابنه عبد الله، وقال: يحضرهم عبد الله وليس له من أمر الخلافة شيء. وهذا من نزاهة عمر رضي الله عنه: أبعد الأقربين عن موضع الخلافة، حتى لا تفترق الأمة، ويقال: أعطى فلاناً لقرابته، وأبعد فلاناً لأنه ليس من قرابته. فجعل ستة، كلهم أهل للخلافة. كل واحد من هؤلاء الستة يجوز أن يكون الخليفة: علي بن أبي طالب، عثمان بن عفان، الزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، طلحة بن عبيد الله، سعد بن أبي وقاص. هؤلاء ستة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. هؤلاء الستة كل واحد فيهم أهل للخلافة. قال: من اجتمعوا عليه فهو الخليفة. فقام عبد الرحمن بن عوف ودار عليهم، قال: رأيت المسلمين لا يعدلون بعثمان أحدا. فكان أول من بايع عثمان: علي بن أبي طالب، عند المنبر، منبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: ثم عثمان رضي الله عنه لتقديم أهل الشورى له، أي: الستة المذكورين. ثم علي رضي الله عنه، لفضله وإجماع أهل عصره عليه. علي بن أبي طالب رضي الله عنه، صحابي جليل، هو خير الأمة بعد أبي بكر ثم عمر ثم عثمان. وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في الحديث: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي». وهو الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: «أنت مني وأنا منك». وهذه منقبة عظيمة لعلي رضي الله عنه. وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسند الإمام أحمد: «من كنت مولاه فعلي مولاه». والحديث جيد، حسن، محتج به عند الأئمة. فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه كثيرة، جليلة، كبيرة. وهو رابع الخلفاء، لفضله وإجماع أهل عصره عليه. فإنه بعد موت عثمان لا يختلف المسلمون أن خير الناس هو، عليه. حتى أصحاب معاوية وعمرو بن العاص ومن معهم من جند الشام، حين لم يبايعوا، لم يبايعوا لعذر، هو أنهم يطلبون القتلة الذين قتلوا عثمان. يقول معاوية: يقول الله عز وجل: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: 33]، فلا يسرف في القتل، وأنا ولي ابن عمي عثمان رضي الله عنه. وكان علي يقول رضي الله عنه: «بايعوني، ثم إذا استقرت البلد والدولة أقمنا هذه الحدود على هؤلاء القتلة، فإني أخشى من فرقة المسلمين». فكان ظن علي صحيحاً. فلم يبايع معاوية لأجل أنه يريد القتلة، وهو مسلم، غير مجادل في أن خير الأمة وأولاها بالخلافة: علي رضي الله عنه وأرضاه. ولهذا يقول المصنف: وإجماع أهل عصره عليه. قد يقول قائل: أهل الشام لم يبايعوا. قيل: هم لا يختلفون في أحقية علي بالإمامة، وإن كانوا لم يبايعوا. فرق بين من ينازع الأحقية في كون فلان أهلاً للإمامة، فهذا نزاع. وفرق بين من يقول: أسلم أن هذا أولى الناس بالخلافة وأحقهم بالإمامة، ولكني أنتظر أخذ حاجتي ثم أبايع. ولهذا حكى المصنف الإجماع. فقول بعض مشايخنا: إن قول ابن قدامة في هذا الموضع: «وإجماع أهل عصره عليه» فيه نظر. قول هؤلاء المشايخ فيه نظر، بل الصواب: فرق بين من امتنع لمنازعته الخليفة في أهلية الخلافة، فهذا الذي ينازع. وأما من قال: هو أهل للخلافة، أسلم بذلك، غير أني أريد حاجتي، فهذا إنما امتنع لحاجة، وحكمه حكم من بايع في أصل المسألة. ولهذا: حصول الإجماع لا يشترط فيه أن تكون الأمة كلها بأفرادها مجمعة. هذا أيضاً قصور في فهم معنى الإجماع. إنما المراد: أهل الحل والعقد الذين يدور عليهم الرأي وتتأثر الأمة برأيهم. فمثل هؤلاء هم أهل الحل والعقد، فإذا أجمعوا فقد حصل الإجماع. إذا أجمع أهل الحل والعقد حصل الإجماع، سواء امتنع زيد أو عمرو، لا يضر الإجماع شيئاً. ولهذا: قول من قال من أهل العلم: إن قول ابن قدامة «وإجماع أهل عصره عليه» فيه نظر، لا، ليس في صواب. الإجماع منعقد إن شاء الله تعالى، والكلام ليس فيه نظر، والله تعالى أعلم. الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون. الذين قال... الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين». هذا الحديث: علم من أعلام النبوة. وصفهم بخلفاء أن يكونوا بعده، هذا قاله صلى الله عليه وسلم في حياته، فهذا علم من أعلام النبوة. ثم وصفهم بالرشد، وهو الإصابة في القول والعمل، ومحبة الخير والتوفيق إليه. فالرشد صفة عظيمة. المهديين: وصفهم بالهداية، فهم مهديون. فمن طعن فيهم فقد زاغ عن سواء السبيل. «من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ». فيه الأمر بالتمسك بهدي هؤلاء الصحابة الكرام، كما يعض الغريق إذا أيقن بالموت وبلغت روحه الحلقوم، ثم رمي له بحبل، فهو يأخذ الحبل بيديه في أعظم قوة يمسك بها ذلك الحبل، ثم يضعه بين ناجذيه، خوفاً أن ينفلت الحبل أو يذهب. هذا يدل على شدة التمسك: «عضوا عليها بالنواجذ». وقال صلى الله عليه وسلم: «الخلافة من بعدي ثلاثون سنة». هذا علم من أعلام النبوة. حديث سفينة رضي الله عنه. حديث سعيد بن جمهان عن سفينة. قال سفينة: عندنا نقرأ الحاشية. قال سفينة: «أمسك» أي: أمسك يدك، وعد خلافة أبي بكر رضي الله عنه: سنتين. وخلافة عمر رضي الله عنه: عشر سنين، المجموع ثنتا عشرة سنة. وخلافة عثمان رضي الله عنه: اثنتي عشرة سنة، المجموع أربع وعشرون. وخلافة علي: ست سنين، هي خمس سنين وأربعة أشهر على وجه التحديد. فجاء حكم الحسن رضي الله عنه: ستة أشهر، فتمت الثلاثون سنة. تمت الثلاثون سنة. فكان آخرها خلافة علي رضي الله عنه. ونشهد للعشرة بالجنة كما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة». وكل من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة شهدنا له بها. ومن سكت سكتنا، ورجونا. نرجو للمحسن كما سيأتي. يقول رحمه الله: وقوله: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». فهذا يدل على أن الحسن والحسين من أهل الجنة. وقوله لثابت بن قيس بن شماس: «إنه من أهل الجنة». هذا يدل على أنه من أهل الجنة. يقول رحمه الله: ولا ننزل أحداً من أهل القبلة جنة ولا ناراً إلا من نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة التي اتفقوا عليها. ولهذا: قول بعض الناس: فلان شهيد، جزماً، هكذا بإطلاق، دون استثناء، دون رجاء، غلط، لا يجوز. ومن مات في المعركة مقتولاً على وجه العموم نقول: شهداء المعركة. ولكننا على وجه التعيين نقول: فلان شهيد إن شاء الله، نرجو أن يكون فلان شهيد. وأن نقول عن بعض الناس ممن ليس عندنا دليل من كتاب ولا سنة أنه من أهل الجنة: إنه من أهل الجنة، فهذا غلط، غلط. ولا نكفر أحداً من أهل القبلة. قال رحمه الله: لكننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. فإن الأعمال بالخواتيم. إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. فهذا يجعل الإنسان يرجو للمحسن ويخاف على المسيء. ولهذا: الإنسان لا يغتر بعمله، لا يغتر بخيره، لا يغتر بصلاحه، لا يغتر باستقامته. فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. والفتن خطافة. ولهذا: من علامة آخر الزمان، كما في حديث أبي سعيد في البخاري وغيره: «يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا». فالفتن عظيمة. ولهذا: المسلم يسأل ربه الثبات على الدين، ويسأل ربه الدوام على الاستقامة والهداية، يدعو ربه أن يثبت قلبه على دينه، ويستعيذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهداية. نقف عند هذا الموضع، ونسأل الله جل جلاله أن يغفر للمصنف ويرحمه، وسائر علمائنا المسلمين. وبالأمس سألني أخ إندونيسي هنا عن الميزان والموازين: هل هو ميزان واحد أم عدة موازين؟ وكنت أجبته بأنه يحتمل أن يكون هناك موازين عدة للأمم وللأفراد. هذا ليس بممتنع، وظاهر القرآن يدل عليه، وهو قوله سبحانه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47]. والموازين جمع ميزان. وهذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها أهل السنة والجماعة. على قولين: القول الأول: هو ما ذكرته في الجواب. والقول الثاني: إنه ليس هناك إلا ميزان واحد توزن به أعمال جميع خلق الله عز وجل. هكذا قال بعض أهل العلم. قالوا: وقوله سبحانه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ يعني: الموزونات للميزان. هكذا قالوا. فهذا معناه: أن الموزونات متنوعة متعددة، وهي أعمال العباد. هكذا قالوا. وكما تقدم: ظاهر الآية ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ أنها عدة موازين أو موازين كثيرة. وهذا ليس بممتنع. ولهذا ذكر هذه المسألة في سطر العلامة ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية، وسكت عن الترجيح، ذكر الاحتمالين ثم سكت ولم يرجح واحداً منهما. فهذه المسألة يذكر فيها الخلاف كما ذكره العلماء والأوائل، ونسكت كما سكت: قيل كذا، وقيل كذا. يحتمل أنه ميزان، ويحتمل أنه موازين، والعلم عند الله عز وجل. هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. *** نعم، نعم، نعم، نعم، نعم. كيف نفهم في الآية: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]؟ كل شيء، كل شيء، هدف من الله؟ هذه الأدلة التي أوردت أو يوردها بعض أهل العلم في بعض المواضع لا تدل صراحة على أن الجنة والنار يدخلان في الفناء. فإن هذه الآية: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ على وجه العموم، والعموم يدخله التخصيص. فيقال: كل شيء هالك إلا وجهه، إلا ما أراد الله بقاءه. ومن ذلك: الجنة والنار، أراد الله أن يبقيا، لا أن يفنيا، وجعل أهلهما خالدين فيهما أبداً. فهذه طريقة أهل العلم في مثل هذه المواضع: نفسر النصوص بعضها ببعض، ونجمع الأدلة معاً، لا نفردها عن بعضها. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، إلا ما أراد الله بقاءه، فإنه باقٍ بإرادة الله بقاءه. ولو شاء الله لأفناه وأهلكه، لولا أن الله أراد وشاء بقاءه. فهذا الذي تجتمع به الأدلة. وهكذا بعض الآيات: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23]، والحقب: أربعون سنة، أو مدة من الزمان. هذا لا يعارض الأدلة الدالة على بقاء النار ودوامها وعدم فنائها. فإن الله ذكر أن أهل النار تمضي عليهم الأزمان حقباً بعد حقب، وهذا لا يعني فناءها، لا يعني فناءها. وكذلك قوله سبحانه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107]. فقوله سبحانه: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، إشارة في أرجى ما قيل في تفسير الآية، وأولى ما قيل: إن معناها أن فناء الجنة والنار يمكن إذا أراد الله، ويجوز إذا أراد الله. فالأمر بيد الله عز وجل: إن شاء أبقاهما، وإن شاء أفناهما. ولكن الله عز وجل قضى بقضائه الكوني أن يبقياهما، فحينئذ هما باقيتان بإبقاء الله لهما، بإبقاء الله لهما، لا بأنهما باقيتان بنفسيهما. ففرق بين ما يبقى بنفسه، وفرق بين ما يبقيه الله بحكمه. فجميع الأدلة متوافقة، غير متعارضة. هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة. هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة. وأما ما ذكره ابن القيم رحمه الله في «حادي الأرواح» فهو زلة قدم، ينبغي التعليق عليها وتركها. فقد حكى آثاراً لا تصح عن الحسن، ووجوهاً لا ينبغي ذكرها. مع أنه قرر في مواضع أخرى من كتبه، ك«الصواعق المرسلة» وغيرها، الرد على جهم بن صفوان حين ادعى أن النار تفنى، فرد عليه بردود عظيمة. فذاك هو المعتمد من كلامه. ونسأل الله عز وجل أن يرحم أئمتنا ويغفر لهم ويرفع درجاتهم في المهديين. وكذلك ابن تيمية له أوراق طبعت، حكى فيها القول وسكت. فيقال: ابن تيمية نقل، وابن القيم مال. هذا أقرب ما يقال. مع أن لهما قولاً آخر هو المعتمد: أن النار والجنة باقيتان بإبقاء الله لهما. والله أعلم.