الدرس في الآداب التي يكتسبها العبد من الصيام 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
التوبة إلى الله واجبة في كل وقت، وتكون أسهل في رمضان. النبي عليه الصلاة والسلام دعا إليها وأكد على أهميتها.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يتوب إلى الله أكثر من سبعين مرة في اليوم. يجب على المسلم التوبة الدائمة والاستغفار المتكرر.
يجب عدم الاغترار بعفو الله وكرمه على المسيئين. التوبة واجبة لعدم علم الإنسان بما يغضب الله.
ينبغي للمسلم اغتنام المواسم العظيمة للتوبة والرجوع إلى الله. يجب على العبد أن يقبل على الخير وكتاب الله في هذه المواسم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى في هذا الوقت نذكر أيضًا أذبًا من الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها الشخص في هذا الشهر، وفي غيره، لكن في هذا الشهر يكون هذا الأمر أسهل من غيره. وهذا الأمر هو التوبة إلى الله جل وعلا. فالتوبة واجبة على كل عبد أن يتوب إلى الله جل وعلا، لقوله جل وعلا: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فالتوبة في هذا الشهر العظيم أيضًا مما ينبغي أن يكون عليها العبد. وقد دعا إليها نبينا عليه الصلاة والسلام، بما جاء في الأحاديث. فقد جاء عند أحمد وأبي داود والترمذي من حديث عمر، محمد بن عمر بن علقمة، عن نبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا حضر رمضان فتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وصفدت مردة الشياطين، وينادى منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار في هذا الشهر، في كل ليلة». فالتوبة في هذا الشهر العظيم توبة عظيمة، وعبادة عظيمة، وآداب من آداب المسلم التي ينبغي أن يتحلى بها في هذا الشهر. وهذه التوبة ليست عبادة موسومة أنه في كذا يحدثها في كذا أو في شهر رمضان، لا، هي في كل شهر، وفي كل يوم، وفي كل ساعة، ليس لها وقت محدد، بل يتوب إلى الله عز وجل في كل وقت وحين. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إنه لا يغفل على قلبي، وإني لا أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة». كما جاء في حديث أبي هريرة، وجاء أيضًا من حديث أبي مسلم. فهذا الحديث أيضًا جاء من حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من سبعين مرة». فلهذا ينبغي للمسلم أن لا يترك التوبة كل ساعة، وكل لحظة يتوب إلى الله جل وعلا، ويستغفر الله سبحانه وتعالى. ولا ينبغي له أن يؤجل التوبة، وهذه من الآفات التي تحصل للإنسان، فتجعله لا يرجع إلى الله، ولا يتوب منها، أنه يؤجل هذه التوبة، يقول: إذا جاء رمضان سأتوب، فإذا جاء رمضان يقول: إذا جاءت العشر سأرجع وأتوب إلى الله وأجتهد، فيمني نفسه بهذا، ويعجل أمر التوبة، فهذا خطأ عظيم يقع فيه كثير من الناس. وكذلك أيضًا الغفلة عن الذنوب، بعض الناس يقول: أتوب لماذا أتوب؟ ما عندي شيء من الذنوب، وهو ينظر فقط في أشياء ظاهرة، مثلًا ينظر في الكبائر أنه لا يشرب الخمر، أنه لم يزني، ولا ينظر إلى الذنوب الأخرى والأخطاء التي مثلًا تخرج بلسانه، والتي كذلك تخرج من نظراته وغيرها. فلهذا لا ينبغي الإنسان أن يغفل عن الذنوب الخفية التي تكون أحيانًا أشياء لا يعلمها، وتكون عليه ذنوب لا يشعر بها، لم يتفطن لها، فلهذا يتوب من هذه الذنوب. وكما ذكرنا النبي عليه الصلاة والسلام، وهو قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، فأراد أن يدل أمته على أن الإنسان لا بد أن يتوب؛ لأنه لا يدري ما أحدثه مما يغضب الله، وهو لا يشعر، ولا يدري أحيانًا كلمة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كلمة يزل بها العبد في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب، وهي كلمة واحدة». فالإنسان يتوب إلى الله عز وجل لأجل هذا أيضًا. كذلك لا ينبغي أن مثلًا يغتر بعفو الله وكرمه عليه. بعض الناس مثلًا إذا رأى أنه في حالة طيبة، في حالة كذا، يظن أنه على خير، وأن الله عز وجل ما أعطاه هذا إلا لأنه على مرضاته، وهذا خطأ كبير. فلهذا لا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى حال المسيئين، وأن الله عز وجل يكرمهم، وكذا فيتعزز بهم، وكذلك أيضًا يتمثل بهم، كأنه يجعله لهم قدوة، معنى: ناس مسيئون، لكن تجد أن الله عز وجل أعطاهم أرزاقًا، أعطاهم أموالًا، وعطاهم من هذه الدنيا، يقول: كيف هؤلاء؟ هؤلاء أصحاب أموال، أصحاب... قد يكون كفر، والله عز وجل يعطيهم هذه الأموال كثيرة، وأنا رجل عالم، أو رجل أطلب العلم، أو كذا، وليس عندي شيء، وهذا موجود في القرآن، الله عز وجل قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿لا يَغرَنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾، متاعهم قليل، ثم مأواهم جهنم، وبيس المهاد. فلهذا لا ينبغي للإنسان أن يقتر بعفو الله عز وجل عن المسيئين، أو أن يكون من العافية عندهم في هذه الحياة الدنيا، ومن الأموال، ومن غيرها، فإن هذا إنما هو استدراج، استدرجهم الله عز وجل من حيث لا يعلمون. فلهذا فإن هذه الأمور لا ينبغي أن تثبت العبد عن التوبة إلى الله، وعن الرجوع إلى الله. فالواجب عليه أن يستغل هذه الفرص، وهذه المواسم العظيمة، فيتوب إلى الله جل وعلا، ويقبل على الخير، ويقبل على كتاب الله جل وعلا. فإن هذا من أعظم الفرص العظيمة التي يتهيأ للعبد فيها التوبة إلى الله، والرجوع إليه سبحانه وتعالى. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يتوب علينا، وأن يستغفره سبحانه وتعالى، إنه هو الغفور الرحيم. والحمد لله رب العالمين.