الدرس في الآداب التي يكتسبها العبد من الصيام 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول أهمية التحلي بالحلم أثناء الصيام وكظم الغيظ، ويُثني على فضيلة الحلم في الإسلام مستشهدًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
يُشدد على أهمية الحلم للصائم وطالب العلم في الحفاظ على صومهم وجعلهم محبوبين بين الناس، ويُبين أن الحلم صفة جليلة ينبغي للمسلم التحلي بها.
يحذر من قول الزور والعمل به أثناء الصيام، ويبين أن الصيام ليس فقط عن الطعام والشراب بل عن الأفعال السيئة أيضًا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فكما تعودنا في هذا الوقت نأخذ بعض آداب الصيام، فإن شاء الله تعالى نأخذه في هذا المقام، أو في هذا الوقت أدبًا من آداب الصيام، ألا وهو الحلم. فالحلم قد جاء في الحديث أنه ينبغي للصائم أن يتحلى به. وقد جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري ومسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الصوم جُنّة، فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم». فهذا هو الحلم، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم. فالحلم هو عدم رد الإساءة بالإساءة، إما أنه يكظم غيظه ولا ينفذه، وإما أنه يرد الإساءة بالإحسان، وهذا أكمل. فهذا الحلم، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، يقضمون غيظهم لله عز وجل، ويعفون عن الناس. فلهذا بعض العلماء يفسر الحلم بأنه العفو عند المقدرة، وبعضهم يفسره بكظم الغيظ، وبعضهم يفسره بأنه الإحسان مع الإساءة، وكل هذه تعتبر من معاني الحلم. فالحلم هو كظم الغيظ وعدم تنفيذه، أو كذلك الإحسان إلى من أساء، وهو أكمل. ولهذا حث الله عز وجل على هذا الخلق العظيم في كتابه الكريم في آيات كثيرة، ومنها قوله جل وعلا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. فانظر إلى هذه الآية، كما قال ابن عباس: «عفو بعد ظلم، وحلم بعد جهل»، عفو مع الظلم يعفو عن من ظلمه، والكاظمين الغيظ، وحلم بعد جهل يجهل عليه والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين. فهذه الآية كما قال ابن عباس رضي الله عنه: «لما ذكر الله عز وجل والكاظمين الغيظ، قال: إنه عفو بعد جهل، عفو بعد جهل، أي أنه جهل عليه لكنه لم يرد هذا الجهل، وعفو أيضًا بعد ظلم والكاظمين الغيظ، كاظم غيظه». وجاء في الحديث الذي حسنه بعض العلماء: «من كاظم غيظه وهو قادر على أن يمضيه، يرثه الله عز وجل نورًا». فالحلم، عباد الله، من الصفات العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها. قد ذكرها الله عز وجل عن الأنبياء، ومن أولئك نبي الله إبراهيم، فوصفه الله عز وجل بالحلم في أكثر من آية: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾، ﴿إِنَّهُ حَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾. فوصف الله عز وجل هذا النبي الكريم إبراهيم عليه السلام بالحلم، وكذلك قال الله عز وجل لإبراهيم: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه الآية: «ثلاث بشارات، أولًا تبشير بالولد، ثم أنه ولد، ثم أيضًا الثالثة أنه حليم». قال الشيخ الإسلام رحمه الله: «ولا أدل على حلمه من انصياعه لأبيه عندما قال له: إني أرى في المنام أني أذبحك، قال: يا أبت افعل ما تؤمر، هذا الذي أمرك الله عز وجل به افعله، ولو كان فيه حياتي». أي حلم من بعد هذا. فالحلم، وعباد الله، من الصفات العظيمة التي كان النبي عليه الصلاة والسلام أعظم الناس وأحلم الناس عليه الصلاة والسلام، فكان لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله. غالب الإنسان من طبعه أنه يغضب إذا قيل له أو قيل فيه شيء أو انتقص منه، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان يغضب من ذلك، وإنما كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله، فيغضب لله، ما كان ينتقم لنفسه عليه الصلاة والسلام. وهذا من أعظم الحلم، أنه يلاقي الأذى ولا ينتقم، وهو يقدر على الانتقام، لكنه يعفو ويتغافل، بل يرد السيئة بالحسنة، يرد السيئة بالإحسان: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. فهذه الآية من أعظم الآيات التي يتبين فيها منزلة الحلم، وأن له منزلة عظيمة في ديننا، فالإحسان إلى من أساء لا يستطيعه إلا القليل، ولهذا قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾، فالصبر هنا صبر الحلم، أنه يحلم ويحسن إلى من أساء إليه. ولهذا جعل الله عز وجل لمن حلم على من أساء إليه أنه يعان من الله، في حديث في صحيح مسلم: «في الرجل الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: يا رسول الله، إن لي أرحامًا يسيئون إلي ويقطعونني، وأحسن إليهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم». فالحلم مما يثني عليه الناس ويحبون صاحبه، ولهذا لما جاء الأشج عبد القيس إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ورأى وقاره وحلمه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أشج، إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة». فالحلم منه ما يجبل عليه الإنسان، يعطيه الله عز وجل هذا الحلم، يكون حليمًا من صفاته الحلم من طبعه، ولكن هذا الحلم يزداد بالتخلق به. وكذلك أحيانًا الإنسان لا يكون عنده حلم، يكون عنده شدة وطيش وعنف وغلظة، فهذا يحتاج لأن يتخلق أو يخلق نفسه بالحلم، يعفو، يكظم غيظه. ولهذا جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أوصني، قال: «لا تغضب»، قال: أوصني، قال: «لا تغضب»، قال: أوصني، قال: «لا تغضب». وجاء في الحديث الآخر: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». فهذا الحليم الذي يملك نفسه عند الغضب، والنبي عليه الصلاة والسلام هو قدوتنا واسوتنا عليه الصلاة والسلام في كل فضيلة، وهو الذي قال له ربه جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. فكان حليمًا رفيقًا عليه الصلاة والسلام، وقصص الحلم عن النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة، لكن ليس هذا بابها. لكن الشاهد هنا أن هذه الصفة صفة عظيمة وصفة جليلة ينبغي للمسلم أن يتخلق بها، وخاصة الصائم، لأنه يحتاجها في صيامه. فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم، فيتحلى الصائم بهذه الصفة العظيمة. وكذلك أيضًا يحتاجها طالب العلم، طالب العلم أيضًا يحتاج إلى الحلم. ولهذا كان الحسن البصري يقول: «يا طلبة العلم، زينوا علمكم بالحلم». ولهذا كان العلماء هم الحلماء، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليأتنني منكم أولو الأحلام والنهى»، أولو الأحلام أي أهل الحلم، وأهل الحلم هو أهل العلم. ومن تشبه بهم تشبه بحلمهم، ولهذا قال العلماء: إن كثيرًا ممن كان يطلب العلم إنما أكثرهم يطلبونه لأجل أن يتحلموا بحلم العلماء. قال حرب: «إن في مجلس أحمد يحضر خمسة آلاف، لا ينتفع بعلم أحمد إلا أقل من خمسمائة، وإنما كان يحضرون يأخذون من حلمه وأدبه وخلقه». فيحضرون مجالس العلماء لأجل أن يقتدوا بحلمهم وسمتهم، ولهذا تجد أن الذي يتعلم عند العلماء يكون عنده حلم وعنده أيضًا علم، قبل ذلك بخلاف من لم يتعلم عند العلماء ولم يجالسهم. فمن أعظم الصفات التي أخذها طالب العلم عن شيخه هي الحلم، ولهذا كان العلماء كثيرًا ما يوصفون بالحلم، لأن العالم يحتاج إلى أن يدعو الناس يدعو الناس إلى هذا الدين، فالداعي يحتاج إلى حلم لا بد، وإلا سينفر عنه الناس. فالحليم يحبه الناس ويجتمعون عليه، ولهذا قال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه لعرابة الأسدي: «ما الذي جعل الناس يحبونك؟»، فقال: «أحلم على من ظلم، وأعطي من احتاج، وأقضي حوائجهم». هذه الثلاث التي تجعل الناس يحبون شخصًا. أنه يحلم عن من ظلمه، عن إنسان له وجاه وعن من ظلمه مثلًا أو تعدى بحقه. فكان معاوية من أحلم الناس، وقد ذكروا ذلك، وكذلك المغيرة بن شعبة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم. فلا نطيل في ذلك، وإنما هو تذكرة فقط أن هذا الأدب ينبغي أن يتأدب به الصائم، فهو يحتاجه في صومه وفي غير صومه، لكن في صومه أكثر، حتى لا يخدش صومه بالرد على الإساءات، وكذا يجهل مع من يجهل عليه، وهذا يذهب عليه بكثير من صيامه أو بأجره. فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة بأن يدع طعامًا وشرابًا». فإذا ساب الناس ورد لساب بلساب، فسيقع في الكذب والزور ويقع في الجهل، وهذا الذي لا ينبغي أن يكون من الصائم.