الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 27، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع عقيدة السلف بأن أول المخلوقات هو القلم الذي كتب مقادير كل شيء في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، مستنداً إلى آثار الصحابة والرد على دعوى الأخذ عن أهل الكتاب. ثم ينتقل إلى بيان قدر الله على آدم بالمعصية ثم التوبة، مؤكداً أن الله خلق الأفعال ووهب العبد اختياراً وقدرة مخالفةً لرأي المعتزلة.
يسرد المقطع أحاديث احتجاج آدم على موسى عليهما السلام، حيث احتج آدم بالقدر السابق والعلم والكتابة والمشيئة الإلهية على معصية قدرها الله قبل خلقه. يستدل المؤلف بذلك على بطلان قول القدرية المعتزلة الذين ينفون قدر الشر، مبيناً الفرق بين الكتابة القدرية في اللوح المحفوظ والكتابة العمرية عند نفخ الروح.
يستعرض المقطع أحاديث نبوية تبين أن الملك يكتب في بطن الأم رزق الإنسان وأجله وعمله وشقاوته أو سعادته قبل نفخ الروح، وأن هذه الكتابة العمرية لا تتغير. مع ذلك يوجب على العبد العمل بالأسباب والسعي في طلب الهداية والرزق، لأن التوفيق بيد الله وحده، والعبرة بخاتمة العمل لا بظاهره.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على النبي الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الميامين. أما بعد، فلازلنا في "الشريعة"، هذا الكتاب من كتب العقائد السلفية القديمة التي كان السلف حريصين على قراءتها وجردها والتأمل في مقاصدها. ونحن في باب الإيمان بما جرى به القلم مما يكون أبدا، أي ما جرى به القلم مكتوبا قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. هذا القدر الذي قد كتب وقوعه لا بد منه. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي، قال: حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: حدثنا عصمة أبو عاصم عن عطاء بن السائب عن مقسم عن ابن عباس، قال: إن أول ما خلق الله من شيء القلم. إن أول ما خلق الله من شيء القلم، فخلقه من هجاء، فقال: قلم. فتصور قلما من نور، ظله ما بين السماء والأرض، فقال: جري في اللوح المحفوظ. قال: يا رب، بماذا؟ قال: بما يكون إلى يوم القيامة. فلما خلق الله الخلق وكل بالخلق حفظة يحفظون عليهم أعمالهم كما يكون، فإذا كان يوم القيامة عرضت عليهم أعمالهم، فقيل: ﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجاثية: 29]، أي من اللوح المحفوظ. قال: فعورض بين الكتابين، فإذا هما سواء. تقدم هذا في الأثر السابق قبل أثره، وأنه لا يثبت بجملته، وهو مركب من آثار، ومن تفقه في بعض الأمور الغيب. قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن شاهين، قال: حدثنا أبو هاشم الرفاعي، قال: حدثنا محمد بن الفضيل، قال: حدثنا عطاء عن أبي الضحى عن ابن عباس، قال: أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. ثم خلق النون، وكبس على ظهره الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ [القلم: 1]. يقول المعلق: الأثر ثابت، إلا قوله: "فذلك قوله تعالى ن والقلم وما يسطرون". يقول المعلق: ثابت عن ابن عباس، وهو مما تلقاه عن أهل الكتاب. وفيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم غنية عن أباطيل أهل الكتاب. وتقدم الكلام في شرح الباعث على أن هذا ليس بصحيح، والصحابة أورع الناس عن أن ينقلوا عن بني إسرائيل ولا يبينون، وابن عباس كان مذهبه تحريم سؤال أهل الكتاب كما جاء في صحيح الإمام البخاري. فقول المعلق ليس بصواب، ألبتة خطأ منه. الصحابة أورع الناس عن أن يدسوا في الدين ما ليس منه، وهم أعظم الناس خشية أن ينقلوا عن أهل الكتاب فيخلطوا بذلك كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. هذا غلط. وما نقله الصحابة عن بني إسرائيل، فإنما نقلوه للفرجة لا للحجة، في قصص من أخبارهم وأحوالهم يحكونها متعجبين لا محتجين. هذا هو التحقيق في هذه المسألة. فإن كان الأثر سناده صحيح، فهذا مما علمه ابن عباس من وحي الله عز وجل، إما سماعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن من سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقال في رده إنه أخذه عن بني إسرائيل، لأننا نسأل: من أين لك ذلك؟ قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو عبد الله... فرأينا هذا. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا محمد بن الحارث، قال: أخبرنا ابن مسهر عن الأعمش عن أبي ضبيان عن ابن عباس، قال: إن أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب. قال: ربي، وما أكتب؟ قال: اكتب القدر. فجرى بما يكون في ذلك إلى أن تقوم الساعة. وكان عرشه على الماء، ثم رفع، ثم رفع منه بخار الماء ففتقت، لعله فتفتقت، عندي ففتقت، نعم ممكن، عندكم بالضم ممكن. ثم رفع منه بخار الماء ففتقت منه السماوات، ثم خلق النون، فدحيت الأرض على ظهر النون، فتحرك النون فمادت الأرض، فأثبتت، فأثبتت، فأثبتت بالجبال، وإنها لتفخر عليها. إن كان الإسناد ثابتا، فإنه لا يعل بما يذكر المحقق بمسألة الأخذ عن بني إسرائيل. هذا التعليل عليل وليس بصواب. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا الفريابي، قال: أخبرنا... قال: حدثنا أبو مروان عبد الملك بن حبيب المصيصي، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن سفيان، يعني الثوري، عن أبي هاشم عن مجاهد، قال: قيل لابن عباس: إنها هنا، إنها هنا، قوما يقولون بالقدر. فقال: إنهم يكذبون بكتاب الله تعالى، لآخذن بشعر أحدهم فلأنصونه. إن الله تعالى كان على عرشه على الماء قبل أن يخلق شيئا، ثم خلق، فكان أول ما خلق القلم، ثم أمره فقال: اكتب. فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، إلى قيام الساعة. فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه. وبالله التوفيق. هذه الآثار على طريقة الإمام أبي بكر الآجري، حين يسرد الأدلة من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم من آثار الصحابة رضي الله عنهم، وسيذكر أقوال الأئمة من الأئمة بعد التابعين، من أتباع التابعين. وهذه عادته رحمه الله، ليصل الأمر بأدلته الصحيحة الصريحة، وليكون مسندا. فهذا الذي يقوله ابن عباس هو عقيدة أهل السنة والجماعة. الخلاف في القلم فقط، وأما الكتابة فلا خلاف فيها، وأن الله أمر القلم فكتب مقادير الخلق، فما يحصل وما سيحصل وما كان وما يكون وما سيكون، كل ذلك في كتاب قد فرغ منه. قال رحمه الله تعالى: باب الإيمان بأن الله تعالى قدر على آدم المعصية قبل أن يخلقه. علم الله في الأزل أن آدم سينهى عن المعصية وأنه لن يصبر وسيقع في المعصية، ثم يتوب ويندم، فيقبل الله توبته. كل هذه الأحداث كتبت في القدر قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. كل ذلك في كتاب. لكن الله جعل لآدم اختيارا، وجعل له قدرة تليق به، وجعل له مشيئة بحسبه، فيحسب بإرادته الفعلة، وإن كان الله خالقا للفعل، فيحسب بفعله الفعلة وإرادته الفعلة ووقوعه، ووقوع الفعل منه، وإن كان الله عز وجل كل ذلك قد خلقه. ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الصافات: 96]. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب، خلافا للمعتزلة. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو العباس عبد الله بن الصقر السكري، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا حيوة بن شريح عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى عليه السلام قال: يا ربي، أرنا أبانا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة. فأراه الله تعالى آدم، فقال له: أنت آدم؟ قال: نعم. قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه وعلمك الأسماء كلها، ثم أمر ملائكته فسجدوا لك؟ قال: نعم. قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ قال له آدم: ومن أنت؟ قال: أنا موسى. قال آدم: نبي بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: أنت الذي كلمك الله من وراء حجاب، أنت الذي كلمك الله من وراء حجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه؟ قال: نعم. قال: فهل وجدت في كتاب الله أن ذلك كائن قبل أن أخلق؟ قال: نعم. قال: فهل تلومني في شيء قد سبق من علم الله في القضاء، قد سبق من علم الله فيه القضاء قبل أن أخلق؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى عليه السلام». والقدر يستدل به فيما مضى، القدر يستدل به فيما مضى. ولهذا قويت حجة آدم عليه السلام في هذا الباب، لأنه استدل بالقدر على أمر قد مضى، وحصل أمر قد مضى وحصل. وهذا الحديث شرحه أهل العلم، وأكثر من الكلام فيه، أكثر من الكلام فيه. سيأتي ذكر طرق الحديث وألفاظه المتعددة، وفيه بيان لكثير من مجملات هذا الحديث. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر عبد الله بن أبي داود، قال: حدثنا أحمد بن صالح المصري، وأبو الطاهر أحمد بن عمرو، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني حيوة بن شريح عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى عليه السلام قال: يا رب، يا ربي، كل ذلك جائز، أرنا آدم الذي أخرجنا من الجنة. فأراه الله تعالى، فقال: أنت أبونا آدم. قال: فقال آدم: نعم. قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه وعلمك الأسماء كلها وأمر ملائكته فسجدوا لك. قال: نعم. قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ قال له آدم: ومن أنت؟ قال: أنا موسى. قال: أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء حجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه. قال: نعم. قال: فما وجدت في كتاب الله تعالى أن ذلك كان في كتاب الله قبل أن أخلق؟ قال: نعم. قال: فلم تلومني في شيء قد سبق من الله فيه القضاء قبلي؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى، أي أسكته بالحجة، وكانت حجة آدم أقوى من حجة موسى». قال رحمه الله تعالى: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات، قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احتج آدم وموسى عليهما السلام، فقال موسى: يا آدم، أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، وفعلت ما فعلت، فأخرجت ولدك من الجنة. فقال آدم: أنت موسى الذي بعثك الله تعالى برسالاته، أنت موسى الذي بعثك الله تعالى برسالاته، وكلمك، وآتاك التوراة، وقربك نجيا. أنا أقدم أم الذكر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى». قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحاجا، أي كل ذكر حجته، آدم وموسى، فحج آدم موسى. فقال له موسى: أنت الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة. فقال آدم: أنت موسى الذي أعطاك الله علم كل شيء، واصطفاك على الناس برسالاته. قال: نعم. قال: فلم تلوموني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق؟». قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن طاوس أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم أبونا، أخرجتنا من الجنة وأشقيتنا. قال له آدم: وأنت موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك، يعني التوراة، بيده. أتلومني على أمر قد قدره الله علي قبل أن يخلقني؟ أتلومني على أمر قد قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى، فحج آدم موسى». قال عمرو: قال لنا طاوس: أخروا معبد بن الجهني، فإنه كان قدريا، يعني أبعدوه. ومعبد الجهني من رؤوس القدرية بالبصرة معروف، وهجره السلف، وحذروا منه، في كلام كثير. واستتيب، استتابه عمر بن عبد العزيز فتاب، ثم عاد. نسأل الله العافية والسلام. قال: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، ثم أمر الملائكة فسجدوا لك، وأمرك أن تسكن الجنة فتأكل منها حيث شئت رغدا، ونهاك عن شجرة واحدة فعصيت ربك فأكلت منها. فقال: يا موسى، ألم تعلم أن الله تعالى قدر ذلك علي قبل أن يخلقني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حج آدم موسى، لقد حج آدم موسى». قال محمد بن الحسين، أبو بكر الآجري، رحمه الله تعالى وغفر له ورفع درجته: ولحديث أبي هريرة طرق كثيرة، اكتفينا منها بهذا. شاهد من هذا الباب أن الله قدر مقادير الخلق، خيرا أو شرا، طاعة أو معصية، خلافا للقدرية المعتزلة القائلين إن الله لم يقدر الشر والمعصية، فجعلوا للخير خالقا، وجعلوا للشر خالقا. ولهذا احتج آدم بأن هذه المعصية وقع فيها، وقد انتهى الأمر، وقع فيها، وكان مكتوبا عليه في القضاء والقدر أنه سيقع فيها. علم الله ذلك، علم الله ذلك، وأن الله أترك لآدم الاختيار، فاختار بإرادته، وفعل بجرحه، وأكل بفمه، مختارا مريدا غير مجبر، وكان ذلك في علم الله أنه سيكون، وفي قدر الله أنه كائن، فكان ما قدره الله عز وجل. فاحتج آدم بالقدر السابق، والعلم السابق، والكتابة السابقة، والمشيئة السابقة، والخلق السابق. فيحتج بالأربع: بأن الله علم ذلك، هذه المنزلة الأولى، منزلة العلم. وبأن الله كتب ذلك، هذه المنزلة الثانية، منزلة الكتابة. وبأن الله تعالى شاء ذلك، وهذه الثالثة، وهي المشيئة. وبأن الله تعالى خلق ذلك، ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾. والحديث أصله في صحيح البخاري ومسلم. قال رحمه الله تعالى: باب الإيمان بأن السعيد والشقي من كتب في بطن أمه. هذه الكتابة، الكتابة العمرية، وهي غير الكتابة السابقة. هذه الكتابة تُكتب حين يُنفخ في الجنين الروح، فيكتب له أجله، ويكتب له عمله، ويكتب له رزقه، ويكتب له شقي أو سعيد. وهذه الكتابة هي الكتابة العمرية، والأولى هي الكتابة القدرية. فعندنا الكتابة إما أن تكون كتابة قدرية، وإما أن تكون كتابة عمرية. العمرية هي التي تكون حينما يُنفخ في الجنين الروح. قال: باب الإيمان بأن السعيد والشقي من كتب في بطن أمه سعيدا أو شقيا. والإنسان يتعرض بالسؤال، فيسأل الله الهداية، ويسأل الله الثبات على الهداية، ويستعيذ بالله من حال أهل النار، ويستعيذ بالله من الشقاء. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء، وسوء القضاء». وشماتة الأعداء. فإن على المسلم أن يكثر من الدعاء. كان ابن عمر رضي الله عنه يحكي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر أن يقول في دعائه، وذكرنا هذا سابقا: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك»، وفي نسخة: «وفجاءة نقمتك»، وجميع سخطك. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ويحلف فيقول: «لا ومقلب القلوب، يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». قال رحمه الله تعالى: باب الإيمان بأن السعيد والشقي من كتب في بطن أمه. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا محمد بن الصباح الدولابي، قال: حدثنا إسماعيل بن زكريا عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود، قال: قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا، أي فينفخ فيه الروح، فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد. أربع يكتب له: عمله الذي سيعمل، وأجله متى يموت، ورزقه كم يرزق، وشقي أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح». هكذا في هذه الرواية: ثم ينفخ فيه الروح. «فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». إذن الكتابة قبل النفخ، في ظاهر هذه الرواية. الكتابة: كتابة الأربع، ثم ينفخ فيه الروح. قال رحمه الله: حدثنا الفريابي، وقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقيا»، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقيا أم سعيدا، «ثم ينفخ فيه الروح». إذن النفخ بعد الكتابة، النفخ بالروح بعد الكتابة. فذكر الحديث إلى آخره. قال محمد بن الحسين: ولي حديث ابن مسعود طرق، طرق جماعة، يعني واختصرتها ولم أطل في ذكرها. قال: وأخبرنا الفريابي، وقال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا سفيان عن عمرو، وهو ابن دينار، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدخل الملك على النطفة بعدما تصير في الرحم بأربعين أو بخمس وأربعين ليلة، فيقول: أي ربي، ما هذا؟ أشقي أم سعيد؟ فيقول الله تعالى: اكتب، فيكتب. ثم يقول: أذكر أم أنثى؟ فيقول الله: اكتب، فيكتب. ثم يكتب رزقه وعمله ومصيبته، ثم تطوى الصحف، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا ينقص». قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا صفوان بن صالح، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ابن جريج عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن عامر بن واثلة، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: «الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره». فقلت: خزيا للشيطان. هذا دعاء على الشيطان: خزيا للشيطان. يسعد الإنسان ويشقى من قبل أن يعمل؟ فأتيت حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثته بما قال عبد الله بن مسعود، فقال: ألا أحدثك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يقول: فقلت: بلى. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا استقرت النطفة في الرحم اثنتين وأربعين صباحا، أتى ملك الأرحام، فخلق لحمها وعظمها وسمعها وبصرها، ثم يقول: يا ربي، أشقي أم سعيد؟ فيقضي ربك بما يشاء فيها، ويكتب الملك. ثم يقول: يا ربي، أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما يشاء، ويكتب الملك. ثم يذكر رزقه وأجله وعمله، بمثل هذه القصة. ثم يخرج الملك بصحيفته، ما زاد فيها ولا نقص». كل هذا يدل على أن هناك كتابة عمرية، وهي التي تكتب عند خلق الإنسان قبل نفخ الروح، قبل أن ينفخ فيه الروح، تكتب له الكتاب قبل نفخ الروح، كما في هذه الأحاديث الصريحة، قبل نفخ الروح لا بعد ذلك. قال: أخبرنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب، علي بن الحسين بن حرب، حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام، حدثنا محمد بن أبي عدي عن ابن جريج، حدثنا أبو الزبير عن أبي الطفيل، سمعت عبد الله بن مسعود يقول: «الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره». قال: قلت: خزيا للشيطان، أيسعد الإنسان ويشقى قبل أن يعمل؟ قال: فلقي حذيفة بن أسيد، قال: فلقي حذيفة بن أسيد، فأخبره بما قال ابن مسعود، قال: أفلا أخبرك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟ قلت: بلى. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا استقرت النطفة في الرحم اثنتين وأربعين صباحا، نزل ملك، نزل ملك، ملك الأرحام، ملك الأرحام، فخلق عظمها ولحمها وسمعها وبصرها، ثم قال: أي ربي، أشقي أم سعيد؟ فيقضي ربك ما يشاء، ويكتب الملك. أي ربي، أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما يشاء، ويكتب الملك. أي ربي، أجله؟ فيقضي ربك ما يشاء، ويكتب الملك. فيخرج الملك بالصحيفة، ما زاد فيها ولا نقص». قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا إسحاق بن سيار النصيبي، قال: حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، صاحب الليث، فيه ضعف، لكنه علّه، يشهد له هذه الطرق. قال: حدثنا الليث بن سعد، قال: حدثنا يونس عن ابن شهاب، أن عبد الرحمن بن هرمز، مولى عمر رضي الله عنه، أخبره عن عبد الله بن عمر أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا خلق الله النسمة، قال ملك الأرحام معترضا: أي ربي، أذكر أم أنثى؟ قال: فيقضي الله، قال: فيقضي الله تعالى إليه أمره. قال: ثم يقول: أي ربي، أشقي أم سعيد؟ قال: فيقضي إليه أمره. ثم يكتب بين عينيه ما هو لاق، حتى النكبة ينكبها، أو ينكبها». قال: قال رحمه الله تعالى: وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: عن يحيى بن آدم، عن حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي بكر، أن نافع بن مالك حدثه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى قد وكل بالرحم ملكا، فيقول: أي ربي، نطفة؟ أي ربي، علقة؟ أي ربي، مضغة؟ فإذا أراد الله تعالى أن يقضي خلقها، قال: يقول الملك: أذكر؟ يقول الملك: أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الأجل؟ فما الرزق؟ فيكتب ذلك في بطن أمه». ومع هذا فالواجب العمل بالأسباب، العمل بالأسباب هو الواجب. قال الصحابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ففيما العمل؟ قال: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له. أهل السعادة ييسرون لعمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة ييسرون لعمل أهل الشقاوة». فالواجب العمل، وبذل الأسباب. بعض الناس يقول: أنا أريد الهداية، وهو لا يسعى في أسباب الهداية، كمن يقول: أريد الولد، ولا يسعى في أسباب إنجاب الولد، فلا هذا اهتدى، ولا هذا أنجب ولد. نسأل الله العافية والسلام. فالواجب العمل بالأسباب، ثم يأتي الله بما يشاء سبحانه. الواجب العمل بالأسباب، ثم يأتي الله عز وجل بما شاء سبحانه. «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». هكذا أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب، قال القاضي، قال: حدثنا أبو الأشعث، ابن أحمد بن المقدام، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، عن الزبير بن عبد الله، قال: حدثني جعفر بن مصعب، قال: سمعت عروة بن الزبير يحدث عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حين يريد أن يخلق الخلق، يبعث ملكا فيدخل الرحم، فيقول: أي رب، ماذا؟ فيقول: غلام أو جارية، أو ما شاء الله أن يخلق في الرحم. قال: فيقول: أي رب، أشقي أم سعيد؟ فيقول: شقي أو سعيد. فيقول: أي رب، ما أجله؟ فيقول: كذا وكذا. فيقول: أي رب، وما رزقه؟ فيقول: كذا وكذا. فيقول: ما خلقه، ما خلائقه؟ فيقول: كذا وكذا. فما شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم». سبحان الله، صدق الله سبحانه. كل ذلك في الكتاب، كان ذلك في الكتاب مستور. ﴿ إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49]. فكل شيء خلق وله قدر، وخلق بقدر. والواجب على الإنسان... لا شك المؤمن إذا سمع هذه الروايات، هذه العلوم الغزيرة النافعة التي يسوقها لنا بأسانيده ومروياته التي تعب فيها رحمه الله. وهكذا شياخه، هؤلاء أقوام ورجال هيئهم الله لحفظ الدين، آتاهم من القوى والاحتمال والصبر ما يعجز عنه أكثر الخلق. يقول رحمه الله: وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن ناجية، قال: حدثنا محمد بن بقية الواسطي، قال: أخبرنا خالد عن عبد الله الواسطي، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطنها». والمسلم يسأل الله كما تقدم الهداية، ويسأل الله التوفيق، فإن التوفيق عزيز، والهداية بيد الله عز وجل، يهدي الله من شاء سبحانه وتعالى. كان النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل يقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». يطلب الهداية من الله عز وجل وحده، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالإنسان لا يستغني عن ربه طرفة عين في جميع أعماله، لا يمكن أن ينجح في عمل لا يستعين الله في إنجاح ذلك العمل. من أراد حفظ القرآن، أو أراد طلب العلم، أو أراد العبادة، فعليه بالاستعانة بالله عز وجل، فإن الله إذا أعانه أعان، وإذا قواه فعل، وإذا هداه عمل، وإذا خذله خذل. فكل الأمر بيد الله عز وجل. ولهذا كان من أعظم... كان أعظم السؤال سؤال الله الإعانة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]. إذا علم المسلم أنه ضعيف، وأنه لا يقوى على شيء، ولا يقدر على شيء، ولا يملك شيئا، وأن الأمر كله لله عز وجل وبيد الله عز وجل، فليتعرض لمالكه بالسؤال وبالضراعة، يسأل الله الإعانة، فإذا أعانه الله أعان. هذا الذي ينبغي لطالب العلم أن يفعله، فهو ضعيف، لولا إعانة الله له، سواء في باب الحفظ، أو في باب الفهم، أو في باب الفقه، أو في باب العقيدة، أو في غيرها من الأبواب، يتضرع إلى الله عز وجل بالسؤال: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [الأعراف: 55]. يقول رحمه الله: وأخبرنا... يقول رحمه الله: حدثنا بسنده... يقول رحمه الله: حدثنا أبو بكر عبد الله بن زياد النيسابوري، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، في كتاب القدر، هذا يعني أن يونس بن عبد الأعلى له كتاب في القدر، ولا أعلم عنه شيئا، لكن عبد الله بن زياد سمع ذلك الكتاب، فيقول: حدثنا، أي من كتابه الذي كتبه في القدر. قال: حدثنا عبد الله بن وهب، العالم المشهور، الصنعاني، قال: أخبرني سعيد بن عبد الرحمن، عن أبي حازم... عبد الله بن وهب، صاحب الإمام مالك رحمه الله، وتلميذه. عن سهل بن سعد الساعدي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس». حديث سهل بن سعد الساعدي، في هذه الزيادة العظيمة، ليست هذه الزيادة لم تذكر في حديث ابن مسعود، إلا أن يكون في بعض الطرق التي لم أقف عليها. لكن هذا الحديث مشهور، حديث سهل بن سعد، وهو تفسير لحديث عبد الله بن مسعود: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». أي: فيما يبدو للناس، فيما يبدو للناس. قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس»، أي فيما يظهر للناس. يحتمل أن يكون المعنى: ولكنه في حقيقة الأمر مراء في عمله، قد أشرك بالله في عمله، أو أن له خبيئة سوء، أو نحو ذلك. أو أن المراد: أنه يظهر للناس العمل الصالح، وهم لا يعلمون حقائق الأمور، وليست الأمور بظواهرها، وإنما بما يعلم الله عز وجل من حقائقها. «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة من صلاة وصيام وغير ذلك فيما يبدو للناس، وإنه لمن أهل النار»، أي سيكون في نهاية أمره حطب جهنم، من حطب جهنم. هذا الحديث وأمثاله يجعل الإنسان يخاف غاية الخوف. فليست العبرة بإظهار أعمال أهل الجنة، لكن العبرة بأن يختم لك بعمل أهل الجنة. ومن أين لك أن سيختم لك بعمل أهل الجنة؟ من أين لك؟ الأمر عظيم جدا. «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وإنه لمن أهل النار. وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس»، لعله صاحب سريرة حسنة، ولعله من أهل الصدق مع الله عز وجل، ممن غلبتهم شهواتهم، غلبتهم شهواتهم، فيراه الناس ويمقتونه ويشتمونه، وربما لعنوه، ولكن الله يعلم أن هذا الجسد الذي فيه هذا القلب، قلب يجر صاحبه إلى الجنة. فليست الأمور بظواهرها، وإنما الأعمال بخواتيمها، الأعمال بالخواتيم. «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، أهل النار، فيما يبدو للناس، وإنه لمن أهل الجنة». هذا يدل على ما تقدم في هذا الباب، أن السعيد والشقي ليس بظاهر عمله، وإنما بخاتمة عمله. فقد يكون الإنسان تعيسا وظاهره سعيد، ونسأل الله حسن الخاتمة. نكمل الباب إن شاء الله. قال: وأخبرنا أبو عبيد علي بن الحسين، علي بن الحسين بن حرب، قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حميد عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عليكم، ألا تعجبوا بأحدكم، ألا تعجبوا بأحد حتى تنظروا بما يختم له. فإن العامل يعمل زمانا من عمره، أو برهة من دهره، يعمل عملا صالحا، لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل بعمل سيء، نسأل الله العافية والسلامة، فتنة عظيمة، لا سيما في مثل هذه الأزمان التي عظمت فيها الفتن. ثم يتحول فيعمل بعمل سيء. وإن العبد ليعمل زمانا من عمره بعمل سيء، لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل بعمل صالح. وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله». هذا الحديث أيضا روي بلفظ: «وإذا أراد الله بعبد خيرا عسله». هكذا روي: عسله، أو استعمله. والظاهر أن لفظة "عسله" تصحيف من كلمة "استعمله"، فأصل الحديث ما ساقه المصنف رحمه الله تعالى هاهنا: «وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله». لكن كلمة "استعمله" قد تتصحف فتصير "عسله". قالوا: يا رسول الله، كيف يستعمله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه». هذا التوفيق، حسن الختام، هو التوفيق، وهو الفوز العظيم. نسأل الله العافية والسلام، ونسأله حسن الختام. قال: وأخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن عبد الجبار الصوفي، قال: حدثنا محرز بن عون، قال: حدثنا حسان بن إبراهيم، عن نصر، أبي جزين، أو أبي جزين، أبي جزين، عن قتادة، عن أبي حسان، عن ناجية بن كعب، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا، وخلق فرعون في بطن أمه كافرا». قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو عبد الله محمد بن محمد، محمد بن مخلد العطار، قال: حدثنا عبد الله بن أيوب المخرمي، قال: حدثنا عبد الرحيم بن هارون الغساني، قال: حدثنا نصر بن طريف، عن قتادة، عن أبي حسان، عن ناجية بن كعب، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا، وخلق الله عز وجل فرعون في بطن أمه كافرا». لا حول ولا قوة إلا بالله، في هذه الأبواب العظيمة من أبواب القضاء والقدر، في هذا الكتاب المبارك المسمى بالشريعة. فنسأل الله جل جلاله أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يعيننا على الخير وإكمال مثل هذه الكتب النافعة، وأن يرحم المصنف ومشايخنا أجمعين. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.