العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 15

الدرس في العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 15، ألقاها

مقدمة في القواعد الفقهية

يبدأ الدرس بشرح قاعدة فقهية أساسية وهي بقاء المعلوم على أصله حتى يثبت دليل يغيره، مع توضيح مراتب النفي في الشرع.

تطبيق القواعد على الصلاة

يناقش الدرس معنى نفي الصحة والكمال في الصلاة، ويوضح الحالات التي تبطل فيها الصلاة أو تكون صحيحة ولكن غير كاملة مستدلًا بالأحاديث والآيات.

فهم القيود في القرآن الكريم

يشرح الدرس مفهوم القيد الأغلبي في القرآن الكريم، ويضرب أمثلة من الآيات القرآنية لتوضيح أن بعض القيود ليست للاحتراز بل للتعليم وبيان الواقع.

عبادة الله وحده

يختتم الدرس بالتأكيد على بطلان عبادة غير الله سبحانه وتعالى لعدم وجود دليل أو برهان عليها، مؤكدًا أن العبادة يجب أن تكون لله وحده.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إنه ومكفي ورسوله. الأصل أن يبقى على ما قد علمنا. قال الشارح: هذه القاعدة تقدمت تحت قاعدة في اليقين لا يزول بالشك، فالأصل بقاء ما كان على ما كان. وذكرنا هذه القاعدة والقواعد المترتبة عليها. فيقول رحمه الله: كل معلوم من وجوده أو عدمه، الأصل بقاؤه. ودليل هذه القاعدة حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما شكا إليه الغائط يخيل إليه أنه أحدث ولم يحدث، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». الحديث الصحيح. هذا يدل على أن الأصل بقاء الطهارة معلومة، يعني إذا كانت الطهارة معلومة فالأصل بقاؤها ووجودها واستمرارها. فإذا توهم الإنسان واتهم حدثه وشك هل أحدث أو لم يحدث، فالأصل بقاء الطهارة. ولو أنه أحدث ثم شك هل وقع منه طهارة ترفع الحدث أو لم تقع، فالأصل بقاء الحدث. وكذلك لو شك في الوقت، فالأصل عدم الوقت. وكذلك لو شك في البيع، وكذلك لو شك في طلاق زوجته، هل قال: «أنت طالق» أو قال: «أنت طاهر»؟ فالأصل بقاء النكاح وعدم الطلاق. ولو شك في العدد، فالأصل بقاء النكاح وأنه طلقها طلقتين. قد مر معنا إذا كان الشك في العدد فإنه يبنى على الأقل، الأقل هو اليقين وما زاد هو مشكوك فيه. وإذا شك هل طلق ثلاثًا، الثالثة مشكوك فيها والاثنتان متيقنتان، تكون طلقتين. وهكذا لو شك في الطواف، هل طاف ثلاثة أو أربعة؟ فيجعلها ثلاثة، الثلاثة متيقنة والرابعة مشكوك فيها. فقس على هذا. وهكذا إذا شك في شيء في الأصل، فاء الأصل كما في هذه الأمثلة. هذا معنى هذه القاعدة: «كل معلوم وجودًا أو عدمًا، فالأصل بقاؤه». فما علم وجوده في الأصل وجوده، وما علم عدمه في الأصل عدم وجوده. قال: والنفي له مراتب. قال الناظم رحمه الله: والنفي للوجود ثم الصحة ثم الكمال. فرعان. قال الشارح: النفي الداخل على المسائل الشرعية له ثلاث مراتب. يقول: للوجود، إن لم تكن هذه المرتبة فإنه للصحة، ثم بعد ذلك للكمال. إن وجد الصارف. يعني إذا وجد نفي في الشرع، يحمل هذا النفي أولًا على الوجود. فإن كان هذا الشيء موجودًا حمل على الصحة، على نفي الصحة. فإن وجد ما يمنع حمله على الصحة، حمل على الكمال. يكون مرادًا بالنفي أي نفي الكمال. قاله. المرتبة الأولى للوجود، إذا لم تكن إذا لم يمكن هذه المرتبة، فالنفي للصحة. هذا هو الأصل، إلا إذا أُلِد دليل يصرح أن هذا النفي إلى الكمال وأنه ليس نفيًا للصحة. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من قال إن النفي للكمال، فإن أراد الكمال الواجب الذي يذم صاحبه، فقد صدق. ويكون الخلاف معه لغة. وإن أراد الكمال المستحب، فلم يقع في كلام الله ولا كلام رسوله صلى الله عليه وسلم ذلك. ولا يجوز أن يقع. فإذا قلت: «لا خالق إلا الله»، فالنفي هنا للوجود، يعني ليس هناك خالق موجود غير الله عز وجل. هنا يحمل النفي على الأصل، وهو الوجود. لأنه لا وجود لخالق غير الله جل وعلا. وليس النفي هنا للصحة أو الكمال. قال: وإذا قلت: «لا صلاة إلا بوجود الصلاة»، الآن موجودة أو صلى إنسان بلا وضوء. طيب. قلنا: «لا صلاة إلا بوجود الصلاة موجودة»، إذا ليس هناك نفي الوجود. يحمل على نفي الصحة. «لا صلاة إلا بوجود»، أي لا صلاة صحيحة إلا بوجود. قال: فنقول النفي هنا للصحة. هذا الأصل، إلا إذا وجد صارف. ولم يوجد صارف. وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي»، حديث أبي موسى، حديث أبي موسى. النفي هنا للصحة، لأن نكاح موجود. فنجد النكاح بلا ولي. فالنفي هنا إذا يحمل على نفي الصحة، إلى نكاح صحيح. النفي هنا للصحة. النفي هنا للصحة. وأن النكاح لا يصح إلا بولي. وقوله: إلا إذا وجد صارف ولم يوجد الصارف، يعني الذي يصرف هذا النفي من الصحة إلى الكمال. وقوله صلى الله عليه وسلم بحديث عائشة رضي الله عنها: «لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان»، يعني فالنفي هنا ليس للصحة وإنما هو للكمال. لوجود الصارف. وأن هذه الصلاة اكتملت شروطها وواجباتها وأركانها، لكن لما وجد شيء يشوش على الإنسان. فالنفي هنا للكمال. فالكمال أن يمتنع الإنسان عن كل ما يشوش عليه صلاته. أما إذا كان هذا التشويش يؤدي إلى الإخلال بشرط أو ركن، تبقى الصلاة باطلة. فالنفي يبقى على أصله للكمال. وهو نفي للصحة. ومما يؤيد أن هذا النفي للكمال. أنه كان يأكل من كتف شاة، فلما أقيمت الصلاة فألقاها وقام إلى الصلاة. كما في حديث عن عم أمية في صحيح مسلم. فدل هذا على أن هذا النفي للكمال. وإذا صلى الإنسان وهو محفظ طعام أو يدافع الأخبثان، صلاة صحيحة، لكن على خلاف الأكمل والأفضل. لما سيحصل له من تشويش في الطعام أو كذلك ما قد يشوش عليه من إمساك الغائط أو البول. فيذهب شيء من خشوعه. فالأكمل أن يقضي حاجته من الطعام ويقضي حاجته من البول والغائط. ومع ذلك يقضي الصلاة في هيئة وخشوع قلب وتهيئة للصلاة. لكن إذا كان هذا التشويش سيؤدي إلى الإخلال بشرط من شروط الصلاة والركوع إذا ركع لا يطمئن في الركوع أو إذا سجد لا يطمئن في السجود أو نحو ذلك. هنا تبطل الصلاة. ويكون النفي هنا للصحة. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف»، فهذا خبر من النبي عليه الصلاة والسلام. يمنع الفرد خلف الصف أو يصلي وحده. نقول: النفي هنا للصحة. أما الوجود فالوجود موجود. إنه يصلي هنا. النفي على نفي الصحة. قال: لأن الصلاة وجدت. فلا يمكن أن يكون للوجود. فمن صلى خلف الصف فصلاته غير صحيحة. بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف». ولا صارف لهذا أن نفي عن الصحة إلى الكمال. إلا في حالة واحدة، وهو إذا تعذر وجود من يصلي معه. والواجب أن لا يصلي وحده. يسقط هذا الواجب عن قاعدة الشرعية: «لا واجب مع العجز». هذا قول الصحيح في هذه المسألة. ورجح هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وفي ذلك السعدي وغيره. قال: إلا إذا وجد صارف. وذلك فيما إذا كان الصف مكتملًا. فإن النفي لا يكون للصحة إذا كان الصف مكتملًا وليس هناك أحد يصلي معه خلف الصف. حينئذ يعذر. وأصح صلاة وهو يصلي وحده. قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»، هو النفي لماذا؟ للصحة أو الكمال؟ أو الوجود؟ للكمال. يعني صلاة صحيحة لكن غير مقبولة منه. لا يؤجر عليها. نعم. هنا نفي للكمال. يعني لا صلاة كاملة. صلاة صحيحة من حيث الصحة. صحيحة لكن لا يؤجر عليها. لا يؤجر عليها. ولا يثاب. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة آبق حتى يرجع». الآبق: أي العبد الهارب من سيده. فكذلك أيضًا لا يقبل الله صلاة. أي لا تقبل منه. ولا يؤجر عليها. ويصلي. ويجب أن يصلي صلاة صحيحة بشروطها وواجباتها وأركانها. لكن لا يؤجر عليها. ولا يثاب. قال رحمه الله: والأصل في القيد احتراز. ويقل بغيره. ككشف تعديل الجهل. أفاد المؤلف: أن الأصل في القيود التي تأتي في الأدلة الشرعية أنها للاحتراز والتقييد. وليس للتعليل. وعلى هذا نقول: القيود التي تأتي في الأدلة الشرعية تنقسم إلى قسمين. القسم الأول: الاحتراز والتقييد. وهذا هو الأصل. أي الأصل في القيود أنها للاحتراز والتقييد. ومعنى ذلك: يعني يكون لها مفهوم. القسم الثاني: للتعليل. وهذا قليل. مثال ما كان قيدًا واحترازًا قول الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. فذكر الله عز وجل قيدًا للاحتراز والشرح. وعلى هذا: الربيبة بنت الزوجة. إن كنت دخلت بأمها فإنها تحرم عليك. أما إذا لم تكن دخلت بأمها فإنها حلال لك. فلك أن تتزوج هذه الربيبة. هذا قيد احتراز. لهذا قال: «اللاتي دخلتم بهن». هذا قيد معتبر. يعني إن لم تدخلوا بهن فليس عليكم جناح أن تتزوجوا بناتهن أو الربيبة. لهذا قال: «فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم». يعني من الزواج بابنتها. قال: يعني ما تحرم الربيبة حتى تدخل بأمها. أما لو خلوت بالأم ما حرمت عليك. ولو استمتعت بالأم ما حرمت عليك. لا تحرم بنت الزوجة ولا بنات أبنائها ولا بنات بناتها إلا بدخول الزوجة الأم. ولهذا يقول أهل العلم القاعدة: «ومن في حكمها» أن الدخول على الأمهات يحرم البنات. والعقد على البنات يحرم الأمهات. المرأة إذا عقدت عليها ومجرد العقد تحرم عليك أمها. ولا تنكح بها. أما تحريم البنات فلا تحرم إلا بالدخول على الأمهات. أما إذا عقدت على الأم ثم طلقتها حل لك الزواج بناتها. قال: أما قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ يعني في تحريم نكاح الربيبة. قال: هذا ليس شرطًا. يعني ليس قيدًا معتبرًا في تحريم الربيبة. أن لا بد أن تكون في حجرك. حجر زوج الأم. قال: وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمه الله. فالربيبة تحرم عليك سواء كانت في حجرك أم لم تكن في حجرك. إذا هذا القيد ليس معتبرًا. إنما ذكر للتعليم أو بيان الواقع. أن الغالب أن البنت تكون مع أمها إذا تزوجت كانت عند زوج أمها. فهذا لبيان الواقع. وليس قيدًا يفهم منه أن إن لم تكن في الحجر فيجوز لزوج الأم أن يتزوج بابنتها. قال: ويدل على ذلك أن الله عز وجل فصل في شرط وترك التفصيل في شرط آخر. فقال تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ وترك التفصيل في قوله تعالى: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ فدل على أن هذا القيد ليس للاحتراز. يعني ما قال: «فإن لم يكن في حجوركم». كما قال في التحريم الأمهات. يعني في تحريم البنات بالدخول على الأمهات. قال: يدل على أن هذا القيد ليس للاحتراز وإنما هو للتعليم والإشارة إلى الحكمة. لأن المعنى: أنها في حجرك فكأنها ابنتك. فكيف تتزوجها؟ وأيضًا قيد الحجر قيد أغلبي. وما كان قيدًا أغلبيًا فلا مفهوم له. القيد الأغلبي ليس له مفهوم. وأيضًا جاء بيانًا للواقع. ليس له مفهوم. مثل قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ هل مفهوم الآية أنهن إن لم يردن التحصن فلا بأس أن نكرههن على البغاء؟ الجواب: لا. وإنما هذا القيد ذكر للتعليم وبيان الواقع. الواقع أنهن ما يردن البغاء والزنا. وردت هذه الآية في عبد الله بن أبي حين كان له أمتان وكان يفرضهما على الزنا. فأنزل الله عز وجل هذه الآية. إذن هذا القيد غير معتبر. وإنما جاء به للتعليم وبيان الواقع. قالوا: من الأمثلة على القسم الثاني وهو التعليل. قال: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قول الله: «الذي خلقكم» هذا ليس قيدًا. وإنما هو لبيان العلة. لأن الله عز وجل هو الذي خلقكم فاعبدوه. قال علماء رحمهم الله: سذلوا بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. فكما أنك تقر بأن الله عز وجل هو الخالق الرازق المدبر إلى آخره. فهو الذي يستحق العبادة. لأن أقسام التوحيد متلازمة. فمن أقر بربوبية الله لازمه أن يقر بألوهية الله جل وعلا. فإذا كان هذا الإله هو المتفرد بالخلق والملك والتدبير. إذا ما هو الذي يستحق أن يُعبد وحده دون من سواه؟ ومن أقر بألوهية الله جل وعلا ترتب على ذلك الإقرار بالربوبية. لأن الإله الذي يستحق أن يُعبدِ وحده دون من سواه هو المتصف بصفات الكمال. صفات الكمال من الخلق والملك والتدبير إلى آخر ذلك. فقوله جل وعلا: «الذي خلق الظلم» ليس معناه أن هناك إله لم يخلقنا. وإنما هذا للبيان. للبيان الواقع والتوضيح. قالوا: ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَجِيبُوا اللَّهَ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ فقول الله: «لما يحييكم» هذا القيد للتعليم. أي أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدعونا إلا لما يحيينا. وليس قيدًا يخرج ما إذا دعانا لغير ذلك. أي كل ما دعانا إليه النبي عليه الصلاة والسلام كنا في حياة لنا. أليس معنى أن هناك ما يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم وليس في حياة؟ لكن هذا لبيان بالتعليم. أن كل ما دعانا إليه النبي صلى الله عليه وسلم هو في حياة. قال: لأنه لا يمكن أن يدعونا الرسول صلى الله عليه وسلم إلا لما يحيينا. وقال أيضًا: مثل قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ هذا أيضًا في التعليم. هذا القيد في التعليم. يعني أن كل من دعا غير الله عز وجل ليس له برهان في عبادته غير الله سبحانه وتعالى. وليس قيد احتراز. أن هناك إلهًا عليه برهان. المراد البيان والتوضيح. وأنه لا برهان لمن عبد غير الله سبحانه وتعالى.

شاركنا على